Jordanian army members stand guard outside a hotel that was transformed into a quarantine station amid concerns over the…
عناصر وآليات من الجيش الأردني أمام فندق تحول إلى مركز عزل في عمان

في الساعات القادمة، قد يعلن الأردن تفعيل قانون الدفاع (وهو قانون الطوارئ نفسه)، والمنصوص عليه دستوريا في المادة 124 من الدستور. على الأقل هذا ما لمسته من حديث مقتضب جدا بيني وبين وزير الإعلام الأردني أمجد العضايلة الذي أكد لي أنه "ما زال خيارا سنعلن عنه إذا اضطررنا لذلك"، وبعد ساعات من هذا الحديث المقتضب جدا، فإن الدلائل والمؤشرات من الأردن توحي بأن حالة الاضطرار صارت متوفرة بلا أدنى شك، وهو اضطرار عالمي مشترك.

الجدل في الأردن الآن يشبه ما قيل كأسطورة عن جدل البيزنطيين والخطر خلف أسوارهم، وهم غارقون ـ كما الأسطورة ـ في جدل حول جنس الملائكة! وهكذا الآن في الأردن: الخطر ليس خلف الأبواب بل في كل مكان وحالة الاشتباه بحضانة الفيروس لا تستثني أحدا حتى أن الملك عبدالله الثاني نفسه خضع لفحص طبي لتأكيد خلوه من الفيروس، بينما يبحث "مقاتلون بالفطرة" عن معركة سياسية جديدة يتحصنون فيها بمبرر خوفهم على الحريات، فيصبح واقع الحال بأن تلك الحريات المحمية بالقانون نفسه قرار إعدام للجميع بما فيهم المطالبين بتلك الحريات في وضع استثنائي يعصف بالكوكب كله.

تفعيل قانون الدفاع إجراء دستوري أولا في حال توفرت متطلبات وجوده

حسنا، إن أعلى الدول في العالم بمقاييس الحريات صارت تطبق معاييرها الخاصة في قوانين الطوارئ وتقييد الحريات حفاظا على السلامة العامة، وهذا إجراء سليم بل وواجب ضروري للحفاظ على الحياة، تصبح أمامه فكرة الدفاع المستميت عن الحريات الفردية ترفا فكريا، أمام ما هو أهم، وهو فكرة الدفاع عن الحرية العامة، وهنالك فرق!

(فرنسا أعلنت نزول الجيش ضمن إجراءات صارمة جدا مع فرض حظر التجول، وإسبانيا قامت بتأميم قطاعات خاصة من مرافق صحية لحساب المصلحة العامة وإشراف الحكومة).

هنا في بلجيكا حيث أقيم وأعيش مع أسرتي، نراقب بقلق السيرك السياسي العبثي الذي نعيشه نتيجة خلاف الأحزاب السياسية فيما بينها مما أدى إلى عدم تشكيل حكومة منذ أكثر من سنة، ونحن الآن تحت حكومة تصريف أعمال مؤقتة، لا تملك دستوريا صلاحيات عامة لفرض الطوارئ التي يطلبها الناس حفاظا على السلامة العامة.

♦♦♦

رئيس ديوان التشريع الأردني السابق الدكتور نوفان العجارمة، كان قد كتب مسبقا على صفحته في موقع فيسبوك، وهي واسعة الانتشار، عن مبررات فرض قانون الدفاع، بقوله إن انتشار الأوبئة يعد سببا موجبا لتطبيق قانون الدفاع في كل أو جزء من إقليم المملكة، لمنح رئيس الوزراء والحكومة صلاحيات استثنائية على الصلاحيات العادية في حال وجود طوارئ.

هذا وباء عالمي، وجديد نوعيا بشكل استثنائي بحيث أن المريض لا يعرف أنه مريض وحامل للفيروس المعدي باللمس إلا بعد فترة حضانة طويلة نسبيا (كاتب المقال نفسه قد يكون حاملا للفيروس الآن وهو لا يعرف)، ومن هنا فإن تقييد الحركة للأفراد ضمن منهجية مدروسة هو حفاظ على السلامة العامة.

القوانين خلقت لتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات، لكن ماذا لو تعرضت حياة الأفراد ومنظومة المجتمعات لأخطار جسيمة مثل هذا الوباء؟ أليست القوانين التي تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم ستكون نفسها هي الرصاصة التي يطلقها المجتمع على نفسه؟

طبعا، وأنا مثل غيري قلق على باقي الحريات خارج إطار فكرة احتواء المرض، لكن الدكتور العجارمة أكد لي أنه حتى في ظل الأحكام العرفية في الأردن، فإن هنالك قرارات للمحاكم الأردنية عطلت قرارات "دفاع" صادرة عن رئيس الوزراء أيامها، لم تكن ملائمة لظروف فرض قانون الدفاع.

هذا رأي رجل قانون له وجهة نظر رسمية بحكم تاريخه المهني المحترم، مما جعلني أتواصل مع الصديق والزميل نضال منصور، وهو أحد أهم ناشطي الحريات العامة في العالم العربي، والذي أتفق على ضرورة تفعيل قانون الدفاع بشرط أن تقدم الدولة مبررات واضحة وإذا كانت المصلحة هي الحفاظ على السلامة العامة، مما جعلني أسأل الزميل المعروف بتاريخه النضالي في مجال الحريات إن كان هناك أمر أكثر اضطرارا من وباء منتشر، فاتفق معي مع إضافة مهمة حول ضرورة "الموازنة بين الحقوق، بحيث لا تتعارض".

♦♦♦

في الأردن، الجدل حول فرض قانون الدفاع (وهي تسمية غير موفقة لقانون الطوارئ)، كان متفاوتا بين فئة مؤمنة حقيقة بدولة المؤسسات، ولديها من حسن النوايا الكثير، وهو ذات حسن النوايا الذي يمكن رصف الطريق إلى جهنم به، وبين فئة "مناكفة" من بينها من أراهم "حاملي الطناجر الفارغة" التي يقرعون بها للفت الانتباه، ويلفتني من بينهم هؤلاء الذين يعيشون في كنف "أنظمة عسكرية" يسترزقون منها ثم يطالبون بالحريات والديمقراطية خارج أسوار "إسبارطة" التي يعتاشون منها.

أصحاب النوايا الحسنة، غالبيتهم شباب يؤمنون بعالم أفضل، ويحلمون بدولة المؤسسات والقانون، وهو حلم مشروع في ظروف طبيعية لا تشوبها الاستثناءات، بل يمكن حتى تحقيقها في ظروف الطوارئ من خلال المراقبة الحثيثة لسلوك السلطات.

تفعيل قانون الدفاع إجراء دستوري أولا في حال توفرت متطلبات وجوده. ولا أعرف أكثر من ظرف مثل وباء عالمي منتشر يجبر وزير دفاع أميركا ونائبه على الامتناع عن الاتصال المباشر.. ويجعل رئيس وزراء بريطانيا يحذر من موت الكثيرين في جزره "المعزولة".

هل هناك خوف من تراجع الحريات؟ أو زيادة القبضة الأمنية؟

طبعا هناك مخاوف، لكن متى كانت الحريات في عالمنا العربي أصلا بخير؟ ألم تكن القبضة الأمنية دوما موجودة تحت قفازات ناعمة؟

قلقي الوحيد، هو في شخوص من يتم منحهم الصلاحيات

الآن... وجود هذا القفاز تحديدا قد يكون مضرا أكثر، في حالة طوارئ لا تحتمل مضيعة الوقت في جدلية الحقوق الفردية، وخصوصا في زمن ثورة المعلومات التي سمحت بهذا الدفق المعلوماتي الذي يفاقم الوضع سوءا عبر كم هائل من المعلومات المضللة أو الإشاعات التي قد تضاعف الخطر على أرض الواقع.

حتى الآن، في الأردن، هذا البلد المحدود الموارد، والذي يعاني من ضيق اقتصادي حرج، وفساد إداري مستفحل، قدم نموذجا في خضم "التجارب العالمية" غير مسبوق، فوضع أكثر من 5800 قادم من السفر ضمن حجر صحي في فنادق محترمة في البحر الميت والعاصمة عمان، مدفوعة التكاليف من الحكومة، وبتنسيق مع الجيش الذي وفر التغطية اللوجستية.

♦♦♦

لا أدعو هنا إلى تضييق الحريات، أنا شخصيا في آخر ذيل جيش من الحقوقيين والإعلاميين والكتاب والناشطين لمناهضة أي تضييق في غير محله الصحيح وضمن حدود مكافحة الوباء.

قانون الدفاع يعطي صلاحيات للحكومة في زمن استثنائي وهو بالضرورة تفعيل مؤقت، وفي محله الآن وبلا تأخير، ومع مبررات ترافقه وتوقيت مرتبط بالأزمة الوبائية لا أكثر.

قلقي الوحيد، هو في شخوص من يتم منحهم الصلاحيات، فحسب علمي أن رئيس الوزراء "وهو نفسه وزير الدفاع" لم يكن يعرف عن وجود قانون الدفاع نفسه، وفي التجربة العملية وعلى محك الأزمة، فإن وزراء "الصداقة الشخصية" مع الرئيس ومحاسيبه اختفوا تماما من المشهد، بينما كانت الأزمة تدار من قبل وزراء ومسؤولين بعيدين عن الدائرة المخملية لرئيس الوزراء وزير دفاع المملكة الأردنية الهاشمية.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟