Iranians pray behind the closed doors of the Fatima Masumeh shrine in Iran's holy city of Qom on March 16 2020. - Iran closed…
إيرانيون يصلون عند باب مقام فاطمة بنت موسى الكاظم بعد إغلاقه من قبل السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا

وباء كورونا (كوفيد-19) الذي يعصف بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما العالم، سيكون له وقع أشد على المنطقة نظرا للأزمات المتراكمة قبل وصول الفيروس، من الهيكلية الاقتصادية للدول النفطية، إلى الأيديولوجيات الفاسدة والتفكك الذي تشهده الدول الفاشلة.

أكثر من 21 ألف إصابة بكورونا من شواطئ تركيا حتى المغرب مرورا بإيران التي يستنزفها كورونا اليوم بأكثر من 18 ألف إصابة و1284 حالة وفاة (حتى كتابة هذا المقال). بعض الدول تعتمد الشفافية في تسجيل الإصابات وبعض الآخر يكذب ويتحايل ظنا منه أن إخفاء الحالات سيزيد من هيبة أنظمة بائسة لم يكن همها يوما صحة مواطنيها.

لنأخذ النظام السوري مثلا، الذي خرق علم الأوبئة ولم يسجل أي حالات لكورونا علما أن الوجود العسكري الإيراني خارج إيران أكثره في "سوريا الأسد"، والمستشفيات ـ أو ما تبقى منها ـ وبحسب من هم في الداخل ترصد حالات متطابقة للفيروس في سوريا. مع ذلك أصدرت الخارجية السورية بيانا هذا الأسبوع تدعو فيه المجتمع الدولي إلى "رفع العقوبات (عن النظام السوري) بشكل فوري… خاصة في هذه الظروف التي انتشر فيها فيروس كورونا في الدول المجاورة". أي أن النظام غير قادر على الاعتراف بإصابات كورونا في المدن والمخيمات والأرياف السورية، إنما يريد رفع العقوبات شغفا وحبا وإحاطة منه بدول الجوار.

المنطقة كانت تمضي ببطء نحو مرحلة انكماش اقتصادي وجمود سياسي، استعجلها اليوم وباء كورونا

هل المقصود بدول الجوار لبنان الذي تسلط عليه نظام الأسد لعقود؟ أو العراق الذي أوفد إليه النظام السوري انتحاريين وجهاديين بعد سقوط صدام حسين؟ أو ربما يقصد النظام تركيا التي تستقبل اليوم ملايين من اللاجئين السوريين.

طبعا، النظام السوري ليس وحده اليوم من يحور ويتهرب من حقيقة إصابات كورونا، إنما هو نموذج للأزمة العميقة التي ستواجهها دول المنطقة الفاشلة بينها سوريا. فمن دون الإفصاح عن الحالات، لن يكون هناك علاج أو معونات أو أبسط مكونات التنسيق الإقليمي والدولي.

إيران بالمقابل أدركت وبعد إضاعة شهر حجم أزمتها علما أن صور المقابر الجماعية والتقارير من داخل البلاد توحي بأن الأرقام أكثر من العدد المعلن. أكثر من 25 مسؤول ورجل دين إيراني ذهبوا ضحية كورونا، أو مصابون بالمرض. بين هؤلاء علي أكبر ولايتي ومجتبى زنور أي شخصيات نافذة في النظام. مشكلة إيران أيضا هي في تهاوي أسعار النفط وانكماش اقتصادها بسبب العقوبات فيما شراكتها ومشاريعها الحيوية مع الصين في مدينة قم يحاصرها خطر كورونا.

ليست مصادفة في أن إيران اليوم تتفاوض مع بريطانيا للإفراج عن الرهائن ونقلت رهينتين بريطانية وأميركية خارج السجن. الخناق الاقتصادي على طهران والذي ضاعفه كورونا وأسعار النفط، قد يجبر إيران على اتخاذ خيارات صعبة لتجاوز المحنة.

النظام السوري ليس وحده اليوم من يحور ويتهرب من حقيقة إصابات كورونا

في هذه الخانة أيضا لبنان القابع تحت شبح الانهيار وأفرج عن السجين الأميركي ذو الأصول اللبنانية عامر فاخوري الاثنين. صفقة الفاخوري هي مؤشر من "حزب الله" وحلفائه في الحكومة على الاستعداد لإبداء المرونة والعمل مع الأميركيين لطالما أن مكاسبه الداخلية على حالها. هل توصل هذه اللعبة إلى قبول شروط صندوق النقد الدولي؟ ليس هناك مهرب منها. فإما تقبلها الحكومة الحالية، أو يمضي لبنان إلى الانهيار وتشكيل حكومة أخرى على الأرجح تعود للقبول بهذه الشروط.

في الخليج، يطرح وباء كورونا أزمة متشابكة ومتلاصقة بأسعار النفط والسوق العالمي. فجمود الحركة اليوم، وانخفاض الأسعار والتشنج مع روسيا حول هذا الأمر، يوحي بحالة ركود اقتصادي في دول مجلس التعاون تتطلب تعاضدا أكبر بينها. فعائدات النفط هي مصدر الخدمات الحكومية وشريان الحياة في العديد من هذه الدول.

المنطقة بأسرها كانت تمضي ببطء نحو مرحلة انكماش اقتصادي وجمود سياسي، استعجلها اليوم وباء كورونا. التعامل مع الأزمة يوجب نظرة استراتيجية والعمل المشترك لاحتواء الوباء ومن ثم النظر بحوار جدي نحو حلول إقليمية بدل منازلات أيديولوجية تغرق المنطقة ومن فيها.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟