قالوا عن مصر إنها هبة النيل!
استرسل الشعراء والكتاب في أهمية هذا النهر لمصر ووجوده في وجدانهم. قال سيد دروش في نشيد "بلادي بلادي" عنه "كم لنيلك من أيادي". وغنت له فيروز
"كتب النيل على شطه قصصا بالحب تلتهب"، ومن الصعب أن ننسى في هذا المضمار أغنية "ماشربتش من نيلها.. جربت تغنيلها" التي غنتها الفنانة شيرين عبد الوهاب.
فمصر تعتمد تقريبا بصورة تكاد تكون كلية على مياه النيل في الزراعة والشرب ـ على عكس دول أخرى مثل أثيوبيا والسودان، اللتين تعتمدان بدرجة كبيرة على مياه الأمطار.
ولذا فكان موضوع سد النهضة ومياه النيل هو قضية حياة أو موت بالنسبة للمصريين، وكان التراجع الأثيوبي عن اللجوء إلى وسيط رابع لحل مشكلة الاتفاق على قواعد ملء سد النهضة صدمة كبيرة لنا جميعا.
تدخل ترامب والولايات المتحدة لحل هذا النزاع هو تدخل تاريخي قد ينقذ المنطقة من ويلات الحروب
وفي لحظة لن ينساها الملايين اتصل الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يتردد لحظة في التدخل وبصورة تاريخية في هذا الأمر الذي يمس حياة ووجود أكثر من مئة مليون مصري.
وكنتيجة لهذا التدخل فقد دعيت جميع الأطراف المعنية في موضوع سد النهضة إلى واشنطن لتتم المباحثات برعاية الحكومة الأميركية ممثلة بوزير الخزانة الأميركي برعاية البنك الدولي أيضا.
وقامت وزارة الخزانة الأميركية بإعداد الصياغة النهائية للاتفاق النهائي، وكان في كل المقاييس اتفاقا تاريخيا يحفظ الكثير من حقوق مصر في المياه ويضغط على الجانب الأثيوبي ليتراجع عن طموحاته التي تكاد أن تكون مدمرة لدولة المصب مصر.
فعلى سبيل المثال أقر تقرير وزارة الخزانة الأميركية نقاطا محورية ومصيرية لمياه النيل وسد النهضة هي:
أولا: أقرت وزارة الخزانة الأميركية مبدأ أن قبول تشغيل السد لن يتم إلا بضمان أو تبعا لمبدأ أنه لن يتسبب في أذى مؤثر أو ضرر للجانب المصري، كما جاء في الاتفاق الإطاري الموقع عام 2015 من جانب مصر وأثيوبيا والسودان، والإقرار بمبدأ "لا ضرر ولا ضرار" هو شيء في غاية الأهمية لمصر في هذا الشأن لأنها قد تتضرر من طريقة ومدة ملء السد.
ثانيا: أقرت وزارة الخزانة الأميركية أن إجراء تجارب لملء السد أو محاولة ملئه لا تتم إلا بعد موافقة الجانب المصري والاتفاق النهائي على ذلك.
ثالثا: أصرت وزارة الخزانة الأميركية على أن درجة الأمان لسد النهضة الأثيوبي لا بد وأن تكون مقبولة بالمعايير الدولية.
والنقاط الثلاث أعلاه نقاط فارقة في أمر سد النهضة، وتشير بوضوح إلى عدالة الجانب الأميركي في ضمان أمن وسلامة هذا السد والتأكد أنه لن يصيب الجانب المصري ـ أي دولة المصب ـ بأضرار ذات تأثير.
ومن الصعب على أي مصري أن ينسى هذا الموقف للولايات المتحدة الأميركية لأن ترك الأمر من دون مثل هذا التدخل كان قد سينتهي بحروب شرسة وصراعات مريرة في المنطقة بأسرها.
ومن الجدير بالذكر هنا أنه من الصعب التكهن بالمآلات النهائية للنزاع؛ والسؤال الأساسي المطروح هنا: هل ستلجأ مصر للخيار العسكري لحل المشكلة، أم أن الضغط الأميركي والدولي سيكونان كافيان لحل النزاع؟ فالوضع الآن مختلف بالنسبة للمصريين لأن التدخل الأميركي والدولي بجانب مصر أعطى درجة من الشرعية لرد فعل مصري قد يصل لأن يكون عسكريا لو اقتضى الأمر.
مصر تعتمد تقريبا بصورة تكاد تكون كلية على مياه النيل في الزراعة والشرب
ومن الجدير بالذكر هنا أن مشروع توصيل مياه نهر الكونغو للنيل والذي يعتقد البعض أو ربما الكثيرون في مصر أنه قد يغنيهم عن الاحتياج للمياه القادمة من أثيوبيا هو مشروع غير مجزٍ اقتصاديا على الإطلاق، لأنه يحتاج إلى رفع المياه من نهر الكونجو وضخها ضد الجاذبية الأرضية لتصل للنيل الأبيض، وهذا الأمر يجعل تكلفة إرسال المياه إلى مصر أكثر بكثير من تكلفة تحلية مياه البحر!
هذا بالإضافة إلى أن مد المياه من نهر الكونغو إلى النيل الأبيض محاط بصعاب رهيبة جيولوجية وسياسية وقانونية وتقنية تجعله يقارب المستحيل في تنفيذه حتى لو كان ذا جدوى اقتصادية.
والخلاصة أن تدخل ترامب والولايات المتحدة لحل هذا النزاع على مياه النيل ليس تدخلا سياسيا واقتصاديا فقط، بل وبكل المعايير هو تدخل تاريخي قد ينقذ المنطقة من ويلات الحروب والصراعات ويحمي الملايين من مواجهة الجفاف والعطش.

