Egyptian farmer Mohamed Omar (L), 65, supplies his farmland with water from a canal, fed by the Nile river, in the village of…
استرسل الشعراء والكتاب في أهمية نهر النيل لمصر ووجوده في وجدانهم

قالوا عن مصر إنها هبة النيل!

استرسل الشعراء والكتاب في أهمية هذا النهر لمصر ووجوده في وجدانهم. قال سيد دروش في نشيد "بلادي بلادي" عنه "كم لنيلك من أيادي". وغنت له فيروز

"كتب النيل على شطه قصصا بالحب تلتهب"، ومن الصعب أن ننسى في هذا المضمار أغنية "ماشربتش من نيلها.. جربت تغنيلها" التي غنتها الفنانة شيرين عبد الوهاب.

فمصر تعتمد تقريبا بصورة تكاد تكون كلية على مياه النيل في الزراعة والشرب ـ على عكس دول أخرى مثل أثيوبيا والسودان، اللتين تعتمدان بدرجة كبيرة على مياه الأمطار.

ولذا فكان موضوع سد النهضة ومياه النيل هو قضية حياة أو موت بالنسبة للمصريين، وكان التراجع الأثيوبي عن اللجوء إلى وسيط رابع لحل مشكلة الاتفاق على قواعد ملء سد النهضة صدمة كبيرة لنا جميعا.

تدخل ترامب والولايات المتحدة لحل هذا النزاع هو تدخل تاريخي قد ينقذ المنطقة من ويلات الحروب

وفي لحظة لن ينساها الملايين اتصل الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يتردد لحظة في التدخل وبصورة تاريخية في هذا الأمر الذي يمس حياة ووجود أكثر من مئة مليون مصري.

وكنتيجة لهذا التدخل فقد دعيت جميع الأطراف المعنية في موضوع سد النهضة إلى واشنطن لتتم المباحثات برعاية الحكومة الأميركية ممثلة بوزير الخزانة الأميركي برعاية البنك الدولي أيضا.

وقامت وزارة الخزانة الأميركية بإعداد الصياغة النهائية للاتفاق النهائي، وكان في كل المقاييس اتفاقا تاريخيا يحفظ الكثير من حقوق مصر في المياه ويضغط على الجانب الأثيوبي ليتراجع عن طموحاته التي تكاد أن تكون مدمرة لدولة المصب مصر.

فعلى سبيل المثال أقر تقرير وزارة الخزانة الأميركية نقاطا محورية ومصيرية لمياه النيل وسد النهضة هي:

أولا: أقرت وزارة الخزانة الأميركية مبدأ أن قبول تشغيل السد لن يتم إلا بضمان أو تبعا لمبدأ أنه لن يتسبب في أذى مؤثر أو ضرر للجانب المصري، كما جاء في الاتفاق الإطاري الموقع عام 2015 من جانب مصر وأثيوبيا والسودان، والإقرار بمبدأ "لا ضرر ولا ضرار" هو شيء في غاية الأهمية لمصر في هذا الشأن لأنها قد تتضرر من طريقة ومدة ملء السد.

ثانيا: أقرت وزارة الخزانة الأميركية أن إجراء تجارب لملء السد أو محاولة ملئه لا تتم إلا بعد موافقة الجانب المصري والاتفاق النهائي على ذلك.

ثالثا: أصرت وزارة الخزانة الأميركية على أن درجة الأمان لسد النهضة الأثيوبي لا بد وأن تكون مقبولة بالمعايير الدولية.

والنقاط الثلاث أعلاه نقاط فارقة في أمر سد النهضة، وتشير بوضوح إلى عدالة الجانب الأميركي في ضمان أمن وسلامة هذا السد والتأكد أنه لن يصيب الجانب المصري ـ أي دولة المصب ـ بأضرار ذات تأثير.

ومن الصعب على أي مصري أن ينسى هذا الموقف للولايات المتحدة الأميركية لأن ترك الأمر من دون مثل هذا التدخل كان قد سينتهي بحروب شرسة وصراعات مريرة في المنطقة بأسرها.

ومن الجدير بالذكر هنا أنه من الصعب التكهن بالمآلات النهائية للنزاع؛ والسؤال الأساسي المطروح هنا: هل ستلجأ مصر للخيار العسكري لحل المشكلة، أم أن الضغط الأميركي والدولي سيكونان كافيان لحل النزاع؟ فالوضع الآن مختلف بالنسبة للمصريين لأن التدخل الأميركي والدولي بجانب مصر أعطى درجة من الشرعية لرد فعل مصري قد يصل لأن يكون عسكريا لو اقتضى الأمر.

مصر تعتمد تقريبا بصورة تكاد تكون كلية على مياه النيل في الزراعة والشرب

ومن الجدير بالذكر هنا أن مشروع توصيل مياه نهر الكونغو للنيل والذي يعتقد البعض أو ربما الكثيرون في مصر أنه قد يغنيهم عن الاحتياج للمياه القادمة من أثيوبيا هو مشروع غير مجزٍ اقتصاديا على الإطلاق، لأنه يحتاج إلى رفع المياه من نهر الكونجو وضخها ضد الجاذبية الأرضية لتصل للنيل الأبيض، وهذا الأمر يجعل تكلفة إرسال المياه إلى مصر أكثر بكثير من تكلفة تحلية مياه البحر!

هذا بالإضافة إلى أن مد المياه من نهر الكونغو إلى النيل الأبيض محاط بصعاب رهيبة جيولوجية وسياسية وقانونية وتقنية تجعله يقارب المستحيل في تنفيذه حتى لو كان ذا جدوى اقتصادية.

والخلاصة أن تدخل ترامب والولايات المتحدة لحل هذا النزاع على مياه النيل ليس تدخلا سياسيا واقتصاديا فقط، بل وبكل المعايير هو تدخل تاريخي قد ينقذ المنطقة من ويلات الحروب والصراعات ويحمي الملايين من مواجهة الجفاف والعطش.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.