Iraqi shiite pilgrims wearing face-masks make their way to the shrine of Imam Moussa al-Kadhim in Baghdad's northern district…
في طريقهما إلى مقام الإمام موسى الكاظم في بغداد

لا ننتظر حكومة وطنية عراقية، فمجرد تشكيل حكومة عراقية حزبية بات أمرا مستعصيا، فكيف إذا كانت حكومة وطنية تنطبق عليها شروط الاحتجاجات بأن تكون قوية ومستقلة عن الأحزاب وقادرة على إنقاذ العراق من مستنقع التخبط والفوضى وانفلات المليشيات.

الذهاب أخيرا إلى تكليف عدنان الزرفي لتشكيل الحكومة، يندرج ضمن الدوران العراقي في داخل الحلقة المغلقة لا خارجها. ومع أن المكلف حزبي معلن، ومحافظ سابق، وجزء من تركيبة النظام السياسي منذ 2003، فإن التوصل إلى اتفاق حوله مهمة صعبة، خصوصا بين "القوى السياسية الشيعية" التي باتت أكثر صراحة في تصنيف نفسها إلى سبعة أحزاب رئيسية يمتلك كل منها "حق الفيتو" على شخصية رئيس الوزراء. وإذا أخذنا في الاعتبار أن هناك طرفين كرديين وطرفين سنيين يمتلك كل منها هذا الحق فإننا نقف عمليا أمام مهمة مستحيلة لاختيار رئيس حكومة لا يجب أن تختلف عليه 11 قوة سياسية مختلفة التوجهات والأفكار والأهداف والمنطلقات.

عندما يصل الشعب إلى هذه النتيجة سيحاول أن ينتج جلاديه

هذا السياق الفنتازي لما آلت إليه العملية السياسية في العراق، يكشف في الحقيقة عن جوهر الاحتجاجات الشعبية التي تراجع زخمها مؤخرا بسبب انتشار وباء "كورونا" وهي مؤهلة ومستعدة لمعاودة مطالبها بتغيير سياسي شامل ما زالت تعجز عن إنجازه القوى السياسية الحالية بنفسها، لأنها في التحليل المتفائل غير مؤهلة وغير مدركة لفداحة ما وصلت إليه الامور في العراق، أو لأنها، في رؤية أكثر تشاؤما، متورطة بتعمد في المضي بهذه البلاد إلى مصير يتوضح رويدا رويدا، ولن تكون التقسيم والحروب الأهلية والانهيارات الاجتماعية بعيدة عنه.

الأمر لم يعد يجدي، والحديث الصريح الذي طرحه المتظاهرون في اليوم الأول لاحتجاجهم حول عجز النظام السياسي العراقي الحالي عن إنتاج الحلول يثبت دقته بعد مرور نحو خمسة شهور على انطلاق تظاهرات تشرين، من دون أن تقدم الأطراف السياسية الحاكمة أي تنازل فعلي، على مستوى فهم قناعات شعبها في الأقل والتصرف على أساس هذا الفهم.

ليس مهما فعلا أن تتشكل حكومة اليوم، كما يأمل أصدقاء الزرفي، أو لا تتشكل كما يتمنى أعداؤه، أو العودة لتكليف عبد المهدي كما يحلم آخرون، فالأصل أن كل التداعيات التي أعقبت الآمال التي افتتحتها استقالة حكومة عبد المهدي على وقع تضحيات المتظاهرين العراقيين ودمائهم وصرخات غضبهم، بإمكانية افتتاح عصر عراقي جديد يتجاوز نظام تقاسم العراق عن طريق أحزابه المتسلطة على إمكاناته، قد تبددت منذ ذلك الحين، وكل ما حصل منذ ذلك الحين يراكم الإحباط في النفوس ويغلق أبواب الأمل.

ليس مهما أن يتذاكى السياسيون من جديد، فيستعرض الولائيون إمكاناتهم الصاروخية لاتهام الزرفي بأنه مدعوم أميركيا، أو أن يقول الزرفي غدا إن إيران هي من أسقطته، فهذا السيناريو بات مكررا، وثمة قضية أكثر عمقا من اسم رئيس الوزراء الحالي أو الذي سوف يليه، تتعلق بهدم ثقة الناس بأن الديمقراطية التي جلبتها الدبابات الأميركية ومعها أفواج من المعممين والأفندية وصانعي الأوهام وبائعي الكلام يمكن أن تكون حلا.

علينا كعراقيين أن نخشى بقوة ذلك التنامي المضطرد لليأس في قلوب الناس

عندما يصل الشعب إلى هذه النتيجة سيحاول أن ينتج جلاديه كما فعل في ظروف لا تكاد تكون مختلفة عام 1958 عندما قادت سلسلة من الحكومات الضعيفة المتساقطة والخلافات العميقة حول الهوية القومية، وفي ظل رعاية بريطانية انتهازية وتكالب إقليمي وسوفياتي حينها إلى هدم التجربة التي أنتجها الاحتلال البريطاني.

نعم.. علينا كعراقيين، وعلى المنطقة، والمجتمع الدولي، أن نخشى بقوة ذلك التنامي المضطرد لليأس في قلوب الناس، ولجوئهم في لحظة إحباط وطيش إما لتدمير بلدهم وتقسيمه أو تسليمه لدكتاتورية جديدة سيمضي الكثير من الوقت قبل مراجعة نتائجها.

في الغالب سيلتحق عدنان الزرفي بمحمد توفيق علاوي، والواقع أن ذلك غير مهم أيضا، فلم يكن أيا منهما ليصبح علاجا للتعفن الذي أصاب الرئة العراقية على يد زعماء الأحزاب من الشخصيات الهامشية الذين أصبحوا أمراء حرب وصناع ملوك وأصحاب أموال ومصالح في ظل ورعاية الاحتلال الأميركي قبل أن يكتبوا قصائد الشعر في هجاء هذا الاحتلال مع تبدل مصالحهم.

الحكومة الوحيدة التي يمكنها إنجاز المهمة، عليها أن تكون مستعدة لهدم إرث العملية السياسية الحالية بكل تقاليدها الخاطئة، واعتباراتها، وشخصياتها، والبدء بإنتاج حوار وطني شامل ومسؤول يفضي إلى عقد اجتماعي جديد للدولة العراقية من أجل إنقاذها من مآلاتها الخطيرة، وفتح أفق للمستقبل يمكن أن يجتمع عليه العراقيون.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: صراع من أجل الدولة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!