A photo taken on March 23, 2020, shows a view of a deserted highway in Kuwait city, a day after authorities declared a…
منذ يوم أحد هذا الأسبوع تم فرض حظر تجول في الكويت من الساعة الخامسة عصرا وحتى الرابعة فجرا

في الهدوء الشديد تسمع نفسك بشكل أفضل، تلاحظ التفاصيل حولك بشكل أدق. كتبت الأسبوع الماضي عن آثار التباعد الاجتماعي عن المحيط الخارجي على حياتي وعلى درجة إدراكي لتفاصيل صغيرة في حيوات من حولي. كان ذلك الأسبوع الماضي، وشتان بين الأسبوع الماضي والحالي.

منذ يوم أحد هذا الأسبوع تم فرض حظر تجول في الكويت من الساعة الخامسة عصرا وحتى الرابعة فجرا، وعلى الرغم من أن هذا الحظر لم يغير من حياتي كثيرا، فأنا لم أخرج من منزلي مطلقا منذ بدأت فترة الحجر المنزلي وإلى ساعة كتابة هذا المقال، إلا أن شيئا ما في الجو العام خبا وتضاءل.

اتسعت الشوارع وصفا الجو، بل أكاد أقول إننا نستشعر انخفاض درجة الحرارة اليوم بشكل ملحوظ، لربما لانخفاض نسبة انطلاق الغازات من عوادم السيارات وتراجع كل مصادر التلوث الأخرى إلى حد غير مسبوق. إلا أنه مع اتساع الشوارع وصفاء الجو، صغرت المساحات وتضاءلت الدنيا. العالم كله أصبح على شاشة التلفون، قرب ما عهدناه من قبل بيننا كأرواح، وبعد ما اختبرناه بيننا كأجساد، كأننا من جهة نتلاصق ومن جهة أخرى ننفصل تماما في حالة شد عصابية جمعية لم تمر بها البشرية من قبل.

فكرة غريبة أن يتصور البشر أن الوباء لا ينتقل لك ممن تحب

وهكذا انفصلت الأجساد وتباعدت الوجودات المادية إلا أن الأرواح اقتربت حين شعر الناس بقسوة التباعد وبحاجتهم الملحة لبعضهم البعض. في الدول الأوروبية حيث يسكن الناس الشقق ذات البلكونات الصغيرة، تشابك الناس غناءً ورقصا من هذه المَطلات المعلقة مترية المساحة. أصبح الغناء تحديدا، في الدول الغربية، وسيلة اتصال يعوض بها الناس اللقاءات والتقاربات الجسدية.

في دولنا الخليجية، حيث نسكن البيوت الكبيرة المحرومة من المطلات والبلكونات، لربما بفعل الطقس أو بفعل العادات الاجتماعية المحافظة، حيث نختفي خلف حوائط متباعدة، وحيث من الندرة أن تجد أصحاب البلد الخليجيين يعيشون في شقق متجاورة يمكنهم التواصل من خلال بلكوناتها، خيمت مشاعر الوحدة والانعزال بقوة. ولأننا شعوب تعودت التزاور الملح والتواصل الاجتماعي الذي يتخذ شكل الواجب المقدس، كانت درجة صعوبة الانعزال الاجتماعي كبيرة جدا على المجتمعات العربية، وتحديدا على الخليجية منها.

لربما هذه الطبيعة التزاورية الملحة هي أحد أهم أسباب فرض حظر التجول في الكويت، حيث لم تتوقف الديوانيات الرجالية عن الالتقاء، وحيث يستمر الأبناء في زيارة منازل أهاليهم يوميا، وهي زيارات لا يجدون في الوباء القاتل سبب كاف أو مقنع لإيقافها.

واعتمادا على اطلاعي وترجمتي لعدد من المقالات والخطابات العلمية المتخصصة التي أجاز لي أطباء كويتيون ترجمتها ونشرها، كتبت توضيحا على حسابي على موقع تويتر بأن التباعد الاجتماعي يفترض أن يشمل كل تحركاتنا، بما فيها الزيارات العائلية: لا تزر أهلك، لا تستقبل أحفادك، لا تتلاقى مع أي كان من غير من يعيشون معك في منزلك. أتت الردود مستغربة مستنكرة حيث لم يتصور الناس أن فكرة التباعد الاجتماعي تشمل حتى زيارات آبائهم وأمهاتهم، وتعني الانقطاع عن الأبناء والأحفاد. إحداهن كتبت تستنكر كلامي الذي لن يمكنها من زيارة والدتها المسنة، وآخر كتب يقول "أسهل ننتحر". في عارض ردي أخبرت الأخير بكلمات مخففة أن الاستمرار في هذا النهج هو الانتحار بحد ذاته، هو ليس انتحارا فقط ولكن لربما "شروع في قتل كذلك".

يجتمع الناس لأنهم لا يستطيعون أن يحيوا بلا ذلك، لأنها حاجة إنسانية عربية خليجية

فكرة غريبة أن يتصور البشر أن الوباء لا ينتقل لك ممن تحب، أنك لا تستطيع أن تنقله لمن تحب، فقط الغرباء يضرونك، أما أحبابك، فهؤلاء لا يلتقطون مرضا ولا يوردونه، آمنين ومؤتمنين فقط لأنهم أبناؤك، أحفادك أو والداك. نحن البشر نريح أنفسنا بأفكار غريبة كوميدية غاية في اللامنطقية.

تلح عليّ اليوم قيمة البيوت الصغيرة ذات البلكونات المتلاصقة. اليوم أرسلت لجاراتي أسأل عنهن. أما كان أجمل لو أنني استطعت أن أطل من شباكي أو بلكونتي فأناديهن وأرى وجوههن وأتسامر معهن؟ لربما ذات القرب هذا مصدر للخطر، ولكنه يبدو الآن مصدر لحمة ورحمة.

يلح عليّ كذلك ضميري تقييما لأحكامي المسبقة، حيث كنت أعتقد الزيارات الاجتماعية العصابية التي لا تتوقف في مجتمعاتنا معظمها استعراضي، مبالغ في مظاهره، مسرحي في تصرفات أفراده، إلا أنه تجلى اليوم حاجة ملحة، ضرورة من ضرورات حياة الإنسان العربي، الخليجي بالذات.

لا يجتمع الناس استعراضا أو استسلاما لواجبات مجتمعية مفروضة غالبا عندنا، هم يجتمعون لأنهم لا يستطيعون أن يحيوا بلا ذلك، لأنها حاجة إنسانية عربية خليجية التكوين الجيني تحديدا، لا يمكن للحيوات هنا أن تستمر طبيعيا دونها. وعليه، تجد المعاناة متصاعدة بين الناس التزاما بأوامر الحجر والحظر، حيث مقاييسهم بعيدة عن الوضع القائم، ممارساتهم غير المسؤولة كوميدية المنطق، تواقة البواعث، لا يجدي معها معلومة طبية أو تفسير علمي.

إنها حرب من أجل البقاء، فلنعي حجم المعركة، ولنتثقف في أدوات خوضها

حين قلت لصديقة ألا تزور، قالت: عشر دقائق فقط؛ وحين قلت لقريب لي أن يبقى في البيت رد أن ديوانية واحدة فقط، و"ما راح يطول"؛ وحين نصحت عزيزة عليّ أن تمنع زيارات أحبتها تحججت بعدم قدرتها منع الأولاد والأحفاد من الزيارة، "لا بد أن يتغدوا عندي كل كم يوم". تؤرقني وتغضبني هذه الردود، لكنني لا أملك عليها سلطة ولا على أصحابها حق، رغم أنهم يملكون على صحتي وسلامة بلدي وكل من فيها كل السلطة. إنها معضلة ثقافية اجتماعية بامتياز.

بالعموم، نفسيتي طيبة راضية، مقدرة تماما الإجراءات العظيمة التي تتخذها دولة الكويت والخدمات الرائعة التي تقدمها. أخجل الشكوى من ملل أو ضجر وأنا آمنة في بيتي وحياتي، فيم إخوة لي في البشرية في بقاع أخرى من العالم يموتون بالآلاف دون أن يكون لهم شيء من حظي في الحياة. إنها الحياة بقسوتها وانعدام عدالتها و"حظية" توجهاتها وأحكامها. يسوؤني تضجر الناس وشكواهم، البشرية كلها تمر بمحنة مهيبة، الكرة الأرضية كلها تأن (أم هي تصفي نفسها وتتنفس؟) والبعض لا يرى أبعد من حرمانه من الخروج أو زيارة، وآخر لا يرى أهم من تكديس المواد الغذائية والتموينية.

أعلم أن لكل هذه المظاهر تفسيرات نفسية علمية، وأدرك أنني ربما قاسية الأحكام، ولكن الوقت لا يحتمل والمحنة لا تتعاطف، الوقت وقت ضبط النفس، رفع درجة التراحم والإنسانية، وخفض درجة الدلال الاجتماعي والممارسات العاداتية. إنها حرب من أجل البقاء، فلنعي حجم المعركة، ولنتثقف في أدوات خوضها، ولنعترف بضعف موقفنا فيها. إذا حكمنا العقل، وأعملنا رحمة القلب، وفعلنا الإرادة والضمير... سننتصر.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟