Nurses wearing protective mask and gear embrace on March 15, 2020 at the Cremona hospital, southeast of Milan, Lombardy, …
كان ولا يزال الأبطال الحقيقيون في كل تلك الأزمة العالمية الفتاكة، هم الأطباء وقطاع التمريض والدواء والعلماء

عام 2012، كنت على أول موعد لألتقي مع دنيا الفيروسات وجها لوجه وبطابع مهني بحت.

تمت دعوتي في ذلك العام إلى ريغا، العاصمة اللاتفية من خلال مركز أبحاث فيروسي طبي، لأكون مستشارا لتسويق علاج "فيروسي" في العالم العربي، وهذا العقار يعالج بعض الأورام السرطانية المحددة، وقد أخذ مراحل العبور اللازمة وحسب الأصول لاعتماده في تلك الجمهورية البلطيقية الصغيرة والوادعة في الشمال الأوروبي.

طبعا، لم أصبح مستشارا بين يوم وليلة، كان المطلوب مني أن أمكث في ريغا فترة من الوقت، وأخضع فيها لدورة تعليمية ومعرفية مكثفة بما يكفيني للحديث عن العقار الفيروسي، وهي دورة فتحت لي نوافذ معرفية مدهشة عن الفيروسات، تصنيعها وتطويرها، والحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة التي كانت في كل مضمار ممكن "وغير ممكن أيضا"، والستار الحديدي الذي كان يغطي لاتفيا وقد احتلها السوفيات وصارت جزءا من جغرافيا الغموض والعتمة الباردة.

كل هذا أتذكره يوميا هذه الأيام، وأنا في قلب الحجر المنزلي، أتابع القنوات والمحطات، وألاحق الأخبار بحثا عما يبعث الأمل فيها، وأستمع لحديث العارفين وغير العارفين عن الفيروسات وعوالمها.

البطل الحقيقي هو هؤلاء العلماء في مختبراتهم يبحثون بجهد استثنائي عن حل ينقذ البشرية

تصادف اليوم، حيث أكتب المقال الآن، ذكرى عيد ميلاد تلك السيدة اللاتفية العظيمة، عالمة الفيروسات البروفسورة آينا موتسنتس.

وبين كل ما أقرأه وأسمعه وأشاهده من سيول الأخبار والتقارير والقصص، أتذكر قصة البروفسورة موتسنتس وتفانيها في السعي للوصول إلى علاج من الفيروسات للأمراض المستعصية.

تلك السيدة اللاتفية التي خدمت في الجيش الأحمر إبان الحرب العالمية الثانية كممرضة، ثم خرجت من الحرب وقد صممت أن تكمل دراستها في الطب، وتلتحق بعدها بدراسات متخصصة في علم الفيروسات، ثم دراستها المتعمقة أكثر في علاج "سرطانات الجلد" التي تنتشر في مناطق الشمال الأوروبي، لتنتهي عام 1956 بالوصول إلى عقار فيروسي قادر على الفتك بالخلايا السرطانية في بعض أنواع السرطان "خصوصا الجلد"، وكيف خبأ الاتحاد السوفياتي خلف ستاره الحديدي هذا العقار بالموازاة مع دفع البروفسورة على تطويره بسرية كبيرة، وكيف وصل العقار إلى مراحله النهائية في مطلع الثمانينيات، وبقي سريا تحت وصاية الستار الحديدي البارد في موسكو حتى سقوط المنظومة كلها، واستقلال لاتفيا مطلع التسعينيات، حيث تبنت الدولة اللاتفية عالمتها الفذة، ودعمتها في مركز أبحاثها، واعترفت بالعقار وتم تسميته على اسم العاصمة ريغا (ريغفير).

في هذا المختبر، وبالقوة أجبرت السلطات السوفياتية البروفسورة موتسنتس وفريق طاقمها المساعد أن يعيشوا ويعملوا لشهور طويلة، في أبحاث الفيروسات لكن بهدف تطوير العقار الفيروسي المعالج للسرطان

في هذا المختبر، وبالقوة أجبرت السلطات السوفياتية البروفسورة موتسنتس وفريق طاقمها المساعد أن يعيشوا ويعملوا لشهور طويلة، في أبحاث الفيروسات لكن بهدف تطوير العقار الفيروسي المعالج للسرطان

من الذاكرة، وبتداعيات غير مرتبة على خلفية كل ما يحدث اليوم في أزمة فيروس كورونا، أتذكر ذلك اليوم الربيعي البارد قليلا، وتلك الزيارة "التعريفية" لأحد المختبرات السرية أيام الاتحاد السوفياتي، المبنى متوسط الحجم ومهجور ولا يمكن أن تراه بالعين المجردة من الجو أو من الأفق على مدى منظور، فهو قابع بين أكثر الأماكن كثافة في أكثر غابات أوروبا كثافة، الغابات اللاتفية.

في هذا المختبر، وبالقوة أجبرت السلطات السوفياتية البروفسورة موتسنتس وفريق طاقمها المساعد أن يعيشوا ويعملوا لشهور طويلة، في أبحاث الفيروسات لكن بهدف تطوير العقار الفيروسي المعالج للسرطان.

أدركت البشرية فعلا، أنه بالعلم وحده يحيا الإنسان

وقد كتبت البروفسورة في مذكرات منشورة لها، عن تلك الأيام العصيبة التي "اختطفت بها" كعالمة، في ظل نطام تسلطي استبدادي أراد توظيف العلم لمصلحة استبداده، حتى أنه منعها من السفر والمشاركة في مؤتمرات عالمية تم دعوتها إليها.

هذه الذكرى، جعلتني أفكر، بهذا التاريخ التسلطي الطويل والقديم، بخلق الأسلحة كما يتم خلق الأدوية، ومن المنطقي أن تتصور وجود مختبرات مشابهة لهذا المختبر الذي زرته، مخفية ومحروسة من العين والرقابة، وهي تحاول أن تنتج أبشع الشرور الفتاكة، وليس من الضرورة أن يكون ذلك حكرا على الجغرافيا السوفياتية، ولا الروسية.. فالأرض مليئة بالغابات، والجغرافيا فيها تضاريس خبيثة قادرة على أن تخفي مشاريع خبيثة.

♦♦♦

في أزمة كورونا التي نعيشها اليوم، ويبدو أنها ستطول أكثر مما نعتقد، أدرك أغلبية البشر، ممن غلبوا العقل والمنطق، أن السياسيين ليسوا إلا نخبة الصف الأول من المشعوذين لكن بربطات عنق، أما الصف الثاني من هؤلاء المشعوذين فقد كان متمثلا بالدجل الديني الذي تعرى أمام فيروس لا يرى بالعين المجردة، ورغم ذلك، كانت هناك في كل مكان وبكل اللغات والأديان والمذاهب رسائل الدجل والشعوذة، التي لم تصمد طويلا رغم كثير من الأتباع المغفلين.

لقد أدركت البشرية فعلا، أنه بالعلم وحده يحيا الإنسان، وحسب السياق ذاته، فبالعلم أيضا يمكن أن يموت الإنسان.

لقد كان ولا يزال الأبطال الحقيقيون في كل تلك الأزمة العالمية الفتاكة، هم الأطباء وقطاع التمريض والدواء والعلماء.

هؤلاء الذين لم يقدموا وصفات الدجل، ومنهم من تعرض للفيروس وهو يحمي الناس بعلمه ومعرفته.

وبعيدا عن سباق الشركات في احتكار الدواء والسبق فيه، فإن البطل الحقيقي هو هؤلاء العلماء في مختبراتهم يبحثون بجهد استثنائي عن حل ينقذ البشرية.

حينها، تذكرت زيارتي لذلك القبر الصغير في غابة لاتفية صغيرة وقد ضم رفات البروفسورة موتسنتس التي وافاها الأجل عام 2010، وقد أوصت بكتابة الكلمات التالية على شاهد قبرها:

"يا علماء العالم، اتحدوا من أجل الإنسانية".

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟