عام 2012، كنت على أول موعد لألتقي مع دنيا الفيروسات وجها لوجه وبطابع مهني بحت.
تمت دعوتي في ذلك العام إلى ريغا، العاصمة اللاتفية من خلال مركز أبحاث فيروسي طبي، لأكون مستشارا لتسويق علاج "فيروسي" في العالم العربي، وهذا العقار يعالج بعض الأورام السرطانية المحددة، وقد أخذ مراحل العبور اللازمة وحسب الأصول لاعتماده في تلك الجمهورية البلطيقية الصغيرة والوادعة في الشمال الأوروبي.
طبعا، لم أصبح مستشارا بين يوم وليلة، كان المطلوب مني أن أمكث في ريغا فترة من الوقت، وأخضع فيها لدورة تعليمية ومعرفية مكثفة بما يكفيني للحديث عن العقار الفيروسي، وهي دورة فتحت لي نوافذ معرفية مدهشة عن الفيروسات، تصنيعها وتطويرها، والحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة التي كانت في كل مضمار ممكن "وغير ممكن أيضا"، والستار الحديدي الذي كان يغطي لاتفيا وقد احتلها السوفيات وصارت جزءا من جغرافيا الغموض والعتمة الباردة.
كل هذا أتذكره يوميا هذه الأيام، وأنا في قلب الحجر المنزلي، أتابع القنوات والمحطات، وألاحق الأخبار بحثا عما يبعث الأمل فيها، وأستمع لحديث العارفين وغير العارفين عن الفيروسات وعوالمها.
البطل الحقيقي هو هؤلاء العلماء في مختبراتهم يبحثون بجهد استثنائي عن حل ينقذ البشرية
تصادف اليوم، حيث أكتب المقال الآن، ذكرى عيد ميلاد تلك السيدة اللاتفية العظيمة، عالمة الفيروسات البروفسورة آينا موتسنتس.
وبين كل ما أقرأه وأسمعه وأشاهده من سيول الأخبار والتقارير والقصص، أتذكر قصة البروفسورة موتسنتس وتفانيها في السعي للوصول إلى علاج من الفيروسات للأمراض المستعصية.
تلك السيدة اللاتفية التي خدمت في الجيش الأحمر إبان الحرب العالمية الثانية كممرضة، ثم خرجت من الحرب وقد صممت أن تكمل دراستها في الطب، وتلتحق بعدها بدراسات متخصصة في علم الفيروسات، ثم دراستها المتعمقة أكثر في علاج "سرطانات الجلد" التي تنتشر في مناطق الشمال الأوروبي، لتنتهي عام 1956 بالوصول إلى عقار فيروسي قادر على الفتك بالخلايا السرطانية في بعض أنواع السرطان "خصوصا الجلد"، وكيف خبأ الاتحاد السوفياتي خلف ستاره الحديدي هذا العقار بالموازاة مع دفع البروفسورة على تطويره بسرية كبيرة، وكيف وصل العقار إلى مراحله النهائية في مطلع الثمانينيات، وبقي سريا تحت وصاية الستار الحديدي البارد في موسكو حتى سقوط المنظومة كلها، واستقلال لاتفيا مطلع التسعينيات، حيث تبنت الدولة اللاتفية عالمتها الفذة، ودعمتها في مركز أبحاثها، واعترفت بالعقار وتم تسميته على اسم العاصمة ريغا (ريغفير).

من الذاكرة، وبتداعيات غير مرتبة على خلفية كل ما يحدث اليوم في أزمة فيروس كورونا، أتذكر ذلك اليوم الربيعي البارد قليلا، وتلك الزيارة "التعريفية" لأحد المختبرات السرية أيام الاتحاد السوفياتي، المبنى متوسط الحجم ومهجور ولا يمكن أن تراه بالعين المجردة من الجو أو من الأفق على مدى منظور، فهو قابع بين أكثر الأماكن كثافة في أكثر غابات أوروبا كثافة، الغابات اللاتفية.
في هذا المختبر، وبالقوة أجبرت السلطات السوفياتية البروفسورة موتسنتس وفريق طاقمها المساعد أن يعيشوا ويعملوا لشهور طويلة، في أبحاث الفيروسات لكن بهدف تطوير العقار الفيروسي المعالج للسرطان.
أدركت البشرية فعلا، أنه بالعلم وحده يحيا الإنسان
وقد كتبت البروفسورة في مذكرات منشورة لها، عن تلك الأيام العصيبة التي "اختطفت بها" كعالمة، في ظل نطام تسلطي استبدادي أراد توظيف العلم لمصلحة استبداده، حتى أنه منعها من السفر والمشاركة في مؤتمرات عالمية تم دعوتها إليها.
هذه الذكرى، جعلتني أفكر، بهذا التاريخ التسلطي الطويل والقديم، بخلق الأسلحة كما يتم خلق الأدوية، ومن المنطقي أن تتصور وجود مختبرات مشابهة لهذا المختبر الذي زرته، مخفية ومحروسة من العين والرقابة، وهي تحاول أن تنتج أبشع الشرور الفتاكة، وليس من الضرورة أن يكون ذلك حكرا على الجغرافيا السوفياتية، ولا الروسية.. فالأرض مليئة بالغابات، والجغرافيا فيها تضاريس خبيثة قادرة على أن تخفي مشاريع خبيثة.
♦♦♦
في أزمة كورونا التي نعيشها اليوم، ويبدو أنها ستطول أكثر مما نعتقد، أدرك أغلبية البشر، ممن غلبوا العقل والمنطق، أن السياسيين ليسوا إلا نخبة الصف الأول من المشعوذين لكن بربطات عنق، أما الصف الثاني من هؤلاء المشعوذين فقد كان متمثلا بالدجل الديني الذي تعرى أمام فيروس لا يرى بالعين المجردة، ورغم ذلك، كانت هناك في كل مكان وبكل اللغات والأديان والمذاهب رسائل الدجل والشعوذة، التي لم تصمد طويلا رغم كثير من الأتباع المغفلين.
لقد أدركت البشرية فعلا، أنه بالعلم وحده يحيا الإنسان، وحسب السياق ذاته، فبالعلم أيضا يمكن أن يموت الإنسان.
لقد كان ولا يزال الأبطال الحقيقيون في كل تلك الأزمة العالمية الفتاكة، هم الأطباء وقطاع التمريض والدواء والعلماء.
هؤلاء الذين لم يقدموا وصفات الدجل، ومنهم من تعرض للفيروس وهو يحمي الناس بعلمه ومعرفته.
وبعيدا عن سباق الشركات في احتكار الدواء والسبق فيه، فإن البطل الحقيقي هو هؤلاء العلماء في مختبراتهم يبحثون بجهد استثنائي عن حل ينقذ البشرية.
حينها، تذكرت زيارتي لذلك القبر الصغير في غابة لاتفية صغيرة وقد ضم رفات البروفسورة موتسنتس التي وافاها الأجل عام 2010، وقد أوصت بكتابة الكلمات التالية على شاهد قبرها:
"يا علماء العالم، اتحدوا من أجل الإنسانية".

