A handout picture provided by the office of Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei on March 22, 2020 shows him delivering…
بُثَّت كلمة خامنئي عبر شاشات التلفزيون، في غرفة منعزلة لم يكن فيها حضور

في كل عام، يلقي المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي خطابا بمناسبة اليوم الأول من العام الفارسي الجديد. وعادة ما تُلقى كلمة النوروز أمام جماهير المصلين في مدينة مشهد المقدسة، حتى أصبحت اختبارا قاطعا لآراء المرشد الأعلى حول سياسة إيران الخارجية وشؤونها الداخلية على حد سواء.

ولكن خطاب هذا العام كان متجهما إلى حد ما أكثر منه احتفاليا بسبب وباء كورونا المتفشي في البلاد. وعوضا عن مخاطبة حشد غفير في مقام الإمام الرضا، بُثَّت كلمة خامنئي عبر شاشات التلفزيون، في غرفة منعزلة لم يكن فيها حضور متواجد (من المفترض أنها أُلقيت من طهران، حيث يتواجد مكتبه ومحل إقامته). وتم أيضا إلقاء الخطاب في 22 مارس، بعد يوم واحد من المعتاد، كما تم تأطيره على أنه يوم المبعث النبوي الشريف ـ فيما بدا أنه محاولة أخرى من النظام الإيراني للتقليل من شأن عيد النوروز الذي لا يعتبر من الأعياد الإسلامية.

أشار خامنئي إلى أن الموتى نالوا "أعلى درجات الموت والشهادة في سبيل الله"

والأهم من ذلك، وبخلاف الخطابات السابقة ـ التي شددت على مشاكل إيران مع الغرب، ومجّدت تقدمها الاقتصادي رغم العقوبات الأميركية، وما إلى ذلك ـ ركز خطاب هذا العام على الوباء [العالمي]، دون الإشارة إلى قضايا السياسة الخارجية مثل البرنامج النووي، أو التطورات في العراق وسوريا، أو "المقاومة" ضد إسرائيل. وفي محاولته رفع معنويات الشعب وثنيه عن قبول المساعدة الأميركية المتكررة، كان خامنئي واضحا ـ أن الخلاص الوحيد هو في الاتكال على الله وتعزيز الاكتفاء الذاتي للبلاد.

سفينة في مياه عاصفة

عشية عيد النوروز، عادة ما يعد المرشد الأعلى الأرضية لخطابه الرئيسي عبر توجيه رسالة تلخص أحداث العام الذي سبق، وتعلن بداية العام الجديد. وفي الماضي، ركزت هذه الرسائل على نجاحات إيران وصمودها بوجه الضغوط والمصاعب.

لكن نبرة خامنئي كانت مختلفة هذه المرة. فقد أشار إلى أن العام الماضي كان "عاصفا" و"صعبا"، قائلا إنه "بدأ بالفيضانات وانتهى بفيروس كورونا". وبالفعل، كانت التحديات التي تواجهها إيران ضخمة: فقد ضربت الفيضانات الهائلة كل محافظة تقريبا في عام 2019، مما أسفر عن عشرات الخسائر في الأرواح ووقوع أضرار بمليارات الدولارات؛ وتصاعد الضغط الاقتصادي الأميركي على النظام، والذي شمل التصنيف الرسمي لكل من فيلق "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني وخامنئي نفسه على لائحة العقوبات، والاحتجاجات الواسعة النطاق التي اندلعت بعد زيادة أسعار البنزين، ومجددا بعد أن حاول "الحرس الثوري" التستر على إسقاطه طائرة الركاب الأوكرانية، حيث أدت كلتا الحالتين إلى تحفيز النظام على قتل مئات المتظاهرين وإيقاف خدمة الإنترنت؛ وأخيرا، خسرت إيران أبرز عناصرها في لعبة التدخل والنفوذ الإقليميين، وهو قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني.

وبالإضافة إلى رسالة خامنئي بمناسبة النوروز، نشر مكتبه لافتة تصوّر إيران كسفينة في البحار العاصفة تصارع للوصول إلى الساحل. وأوضح خامنئي أن "قبطان" هذه السفينة هو "إمام العصر" الذي سيوجه الأمة إلى شاطئ الخلاص ويساعد شعبها على التغلب على الأزمة.

الصبر ـ والمقاومة

على الرغم من أن خطاب خامنئي بمناسبة النوروز ارتكز على فكرة تقليدية ـ وهي أن الصبر مفتاح الفرج للتغلب على المصاعب ـ فقد أوضح أنه لا يجب على إيران أن تقف مكتوفة الأيدي بانتظار وقوع الأحداث، بل عليها أن تنهض، وتقاوم العدو، وتصحح مسارها في طور ذلك.

وتابع كلامه في هذا المنطق موضحا أن التماس المساعدة من واشنطن ليس الحل المناسب لفيروس كورونا. وردّا على رغبة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلنت استعدادها لإرسال أدوية لإيران لمكافحة الوباء، شكّك خامنئي في قدرة واشنطن على المساعدة حتى وإن كانت راغبة بحق في ذلك، حيث قال: "نقلا عن مسؤوليكم أنفسهم، لديكم نقص [في المواد الطبية]، فاستخدموا ما لديكم لمعالجة مرضاكم". ثم قام ببث نظريات مؤامرة سخيفة حول الحرب البيولوجية/الجينية الأميركية ضد إيران، محذرا مستمعيه من أنه لا يمكن الوثوق بأي أدوية ترسلها واشنطن لأنها قد تنشر الفيروس بصورة أكثر أو تتسبب في بقائه.

بدلا من المساعدات الخارجية، دعا خامنئي الأمة إلى الاعتماد على طاقاتها المحلية

وفي المقابل، وبدلا من المساعدات الخارجية، دعا خامنئي الأمة إلى الاعتماد على طاقاتها المحلية الهائلة. كما ذكّر الشعب بضرورة التقيّد بالتوجيهات الصارمة مثل إلغاء جميع التجمعات الدينية، لافتا إلى أن هذه التدابير غير مسبوقة ولكنها "حتمية لا مناص منها".

وتردد هذا الموقف في الرسالة التي وجّهها عشية عيد النوروز، والتي خصص حيزا كبيرا منها للإشادة بتضامن الأمة وتمجيد عمل الطاقم الطبي الإيراني، واصفا إياهم بـ "المجاهدين"، مشيرا إلى أن الموتى نالوا "أعلى درجات الموت والشهادة في سبيل الله". وبالمثل، في وقت سابق من هذا الشهر، نشر مكتبه ملصقا يقارن الطاقم الطبي الذي يحارب الوباء بالجنود الذين واجهوا الحرب البيوكيميائية أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية.

زيادة في الإنتاج

عندما يتحدث خامنئي عن المصاعب، عادة ما يوعز جمهوره لخلق الفرص للخروج من التحديات. ولم تبتعد رسائله في عيد النوروز عن هذه العادة، بل أعادت التشديد على أن الأمة تصبح قوية حين تتخطى الصعوبات، وليس من خلال "الانغماس في الذات والبحث ببساطة عن الراحة". ووفقا لنظرته للعالم، فإن القوة ليست مجرد مظهر من مظاهر العظمة العسكرية للدولة، بل مزيج من النمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والتماسك السياسي، والتقدم العلمي، والأيديولوجية أيضا.

ركز خطاب هذا العام على الوباء [العالمي]، دون الإشارة إلى قضايا السياسة الخارجية

ودعما للمساعي التي تبذلها إيران لاكتساب هذه القوة، يضع خامنئي التركيز كل عام من خلال الشعارات السنوية التي يطلقها في عيد النوروز. وليس مفاجئا أن كل شعار أُطلق خلال العقد المنصرم كان مرتبطا بـ"اقتصاد المقاومة" الإيراني في مواجهة العقوبات. ووفقا لخامنئي، كان شعار العام الماضي هو "تعزيز الإنتاج"، والذي هو جهد زاد من قدرات الإنتاج والمخرجات في البلاد. ومع ذلك، أشار أيضا إلى أن هذا الارتفاع في الإنتاجية كان أقل من عُشر ما تحتاجه البلاد، وبالتالي لم يكن له تأثيرات كبيرة على حياة معظم المواطنين.

ومن هذا المنطلق، أعلن خامنئي أن هذا العام سيركّز على المزيد من "الطفرة في الإنتاج"، فأمر المسؤولين بالتأكد من أن ذلك سيُحدِث "تغيرا ملموسا" في حياة الشعب. وبعد اعترافه بأن العقوبات القاسية تسببت في "بعض الضرر" للبلاد، قال إنها جعلت إيران تفكر في الاعتماد على مواردها المحلية. ثم وعد بأنه إذا تطوّر الإنتاج، فستساعد السوق المحلية الإيرانية في إنهاء المشاكل الاقتصادية وزيادة الاكتفاء الذاتي للبلاد. ولم تكن مثل هذه التصريحات مفاجئة بالنظر إلى المأزق الحالي الذي تعانيه طهران ـ فلا شك أن خامنئي يدرك أنه بعد زوال أزمة الوباء، لا يزال على النظام مواجهة الاقتصاد المتدهور في الوقت الذي يصل فيه الدعم الشعبي له إلى أدنى مستوياته.

عومر كرمي، هو زميل زائر سابق في معهد واشنطن، قاد سابقا الجهود التحليلية والبحثية لـ "جيش الدفاع الإسرائيلي" المتعلقة بالشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟