Egyptian farmer Mohamed Omar (L), 65, supplies his farmland with water from a canal, fed by the Nile river, in the village of…
نهر النيل يؤمن أكثر من 90 في المئة من حاجات مصر من مياه الشرب والري

انتشرت في القرن العشرين حركات سياسية قالت إن العرب أمّة واحدة، وإن الاستعمار هو الذي قسّمها إلى دويلات حتى يسهل عليه احتلالها ونهب خيراتها. وكان دعاة القومية العربية مؤمنين بأن دولة واحدة ستقوم بفعل نضالهم وستجمع العرب من المحيط إلى الخليج. في النصف الثاني من القرن العشرين استقلّت الدول العربية من الاستعمار الذي "قسّمها"، دون أن تقوم هذه الوحدة المنشودة، بل انقسمت بعض هذه الدول إلى دويلات أصغر.

وفي ذلك الوقت كانت خريطة الوطن العربي الكبير ترتفع في الكثير من المدن العربية، وفي قلب هذه الخريطة تربّعت مصر مركز أهم الحركات القومية، حيث تمّت كتابة الكثير من أدبيات القومية العربية وتأليف الأشعار والأغاني الحماسية التي تتغنّى بهذه العروبة. وهذا أمر طبيعي، فمصر هي الكيان السياسي الحقيقي في هذه المنطقة وواحدة من أقدم الدول في تاريخ الإنسانية إن لم تكن أقدمها على الإطلاق، وكان سبب حضارتها العظيمة هو نهر النيل الذي يجتازها من الجنوب إلى الشمال وعليه اعتمدت حياتها ولذلك سمّيت مصر "هبة النيل".

ونتيجة الترابط المصيري بين مصر ونهرها الخالد أبرمت عدة اتفاقيات دولية بين دول المنبع ودول المصب تهدف لضمان مقومات حياة كريمة لجميع الشعوب التي تعتمد حياتها عليه، منها اتفاقية عام 1929 التي نصّت على: "لا تقام بدون موافقة الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد قوي ولا تتخذ إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي ينبع منها يكون من شأنها إنقاص مقدار المياه التي تصل إلى مصر، أو تعديل تاريخ وصولها أو تخفيض منسوبها على أي وجه يلحق ضررا بمصالح مصر". ثم وقعت اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان والتي نصت على أن تحتفظ مصر بحقها في 55.5 مليار متر مكعب من مياه النهر سنويا.

أغلب العلاقات العربية البينية على مستوى الحكومات والشعوب لم تكن يوما على ما يرام

ولكن في العقد الثاني من القرن الحالي بدأت أثيوبيا ببناء سد ضخم على النيل الأزرق لتوليد الكهرباء والذي من المتوقّع أن يكتمل بناؤه وتبدأ عملية تعبئة خزانه في يوليو 2020. وقد رفضت أثيوبيا الاعتراف بالاتفاقيات السابقة حول نهر النيل واعتبرتها من صنع المستعمرين، وقالت إن هناك حاجات متزايدة لدول المنبع يجب تلبيتها، وبما أن نهر النيل يؤمن أكثر من 90 في المئة من حاجات مصر من مياه الشرب والري يأتي 85 في المئة منها من النيل الأزرق، وبما أن هذا السد سيقلل حصتها من المياه بين 10 و25 في المئة فإن هذا يعتبر أكبر تهديد وجودي تعرضت له مصر في تاريخها الطويل.

ولذلك قامت مصر بالكثير من المبادرات الدبلوماسية للدفاع عن حقوقها وعقدت اجتماعات عديدة مع القادة الأثيوبيين لتوضيح مخاوفها المشروعة دون نتيجة، كما استجابت لعدة وساطات دولية لحل هذا الخلاف وجميعها لم يكتب لها النجاح، إلى أن جاءت قبل بضعة أشهر الوساطة الأميركية بين أثيوبيا والسودان ومصر بإشراف الرئيس دونالد ترامب شخصيا ومشاركة وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي كأطراف تحكيمية، والتي توصلت إلى حلول وسط حول نقاط الخلاف التي تدور حول طول الفترة الزمنية اللازمة لملء السد مع مراعاة سنوات الجفاف، ووقّع الوفد المصري على إعلان المبادئ لكن الوفد الأثيوبي غاب عمدا عن التوقيع وشكّك في نزاهة الوساطة الأميركية.

الخلاف بين أثيوبيا ومصر ليس مستغربا فلكل منهما مصالحه المتباينة أو المتناقضة مع الآخر، لكن الأمر غير المفهوم كان وقوف السودان إلى جانب أثيوبيا واعتراضها على إعلان المبادئ، مع أن "الأخوّة والقومية العربية" كان من المفروض أن تدفع السودان للوقوف مع شقيقته مصر التي تعتمد حياتها على نهر النيل، بالإضافة إلى أن السودان مثل مصر من دول المصب أي يجب أن تكون للبلدين مصالح متطابقة في مواجهة دول المنبع. وحتى بدون هذه العوامل فإن المخاوف من انعكاسات سد النهضة على الحياة في وادي النيل ليست مصرية أو عربية فقط بل تشمل الإنسانية جمعاء، لأن الحضارة التي ولدت في مصر على ضفاف النيل كان لها دور رئيسي في تشكيل ثقافة ووعي ومعارف البشرية كلها، ولا يجب أن يقبل أي إنسان مهما كانت قوميته أو جنسيته بتهديد هذا الإرث الإنساني.

هل لدى العرب والهنود والأفارقة مناعة ضد كورونا؟
تابع العالم طوال الأشهر الثلاثة الماضية لحظة بلحظة الانتشار المتسارع لوباء كورونا والارتفاع المتواصل بأعداد الإصابات والوفيات به، وظهرت ضمن هذه المتابعة بعض الأمور اللافتة، منها أن المرض يقفز من بلد إلى آخر دون المرور على بلدان فاصلة بينهما

ولم يكتف السودان بالامتناع عن التوقيع على الاتفاق الذي أعدّته واشنطن، بل تحفّظ بعد ذلك على بيان وزراء الخارجية العرب الذي دعم موقف مصر ورفض الإجراءات الأحادية التي تقوم بها أثيوبيا، ثم كشف المهندس تيجاني آدم أمين عام هيئة الطاقة السودانية عن موقف حكومته الحقيقي من سد النهضة عبر تصريح لوكالة الأنباء الأثيوبية قال فيه إن تدويل سد النهضة يعقد الموضوع، وأوضح "أنا مسلم وفي الإسلام يجب أن تبحث دائما عن مصلحة جيرانك دون أن تنسى نفسك"، وتابع "بما أن أصل النهر من أثيوبيا فدع شعب أثيوبيا يأخذ احتياجاته ويذهب الباقي إلى السودان وما تبقى بعدها يذهب إلى مصر، هذه هي الحلول الصريحة".

ولكن هذا الموقف التبسيطي لتيجاني آدم لا ينسجم مع القانون الدولي المتعارف عليه في حالات الأنهار المتشاطئة، إذ رغم عدم وجود قاعدة قانونية آمرة ومانعة لتقاسم المياه، فإن هناك العديد من الاجتهادات للقانونيين والمنظمات الدولية التي أقرّت عددا من المعايير والأسس التي ترقى إلى مستوى المبادئ التي يتم على أساسها تقاسم المياه بطرق عادلة بين الدول، وتتفق جميعها على عدم إقامة مشاريع مائية بدون التشاور مع الدول المتشاطئة الأخرى، وأن يتم عند الخلاف عرض القضايا على التحكيم الدولي.

السد سيقلل حصة مصر من المياه بين 10 و25 في المئة ويعتبر أكبر تهديد وجودي تعرضت له

وتم توضيح ذلك تفصيليا في قواعد هلسنكي عام 1966 التي تضمّنت مجموعة اعتبارات يجب مراعاتها في تقاسم مياه الأنهار الدولية منها: عدد سكان كل بلد واحتياجاته المائية، ومدى توفّر مصادر مائية أخرى لديه، والظروف المناخية في كل دولة، كما يراعى فيها الحجم السابق لاستخدام المياه ونصيب كل دولة قبل النزاع، أي الحقوق التاريخية لكل بلد، مع التأكيد على مسؤولية كل دولة في أن لا تقوم باستغلال النهر بشكل يضر ببقية الدول.

الموقف السوداني الحالي الذي لا يتماشى مع الأخوة القومية ولا مع مصلحة السودان من ناحية أمنها المائي، ولا حتى مع القانون الدولي كان استمرارا لموقف حكومة البشير، الذي قال في خطاب جماهيري بحضور رئيس وزراء أثيوبيا في ولاية القضارف بشرق السودان في ديسمبر عام 2013: "ساندنا سد النهضة لقناعة راسخة بأن فيه فائدة لكل الإقليم، وأن الحكومة السودانية تدعم الموقف الأثيوبي في إنشاء سد النهضة لأنها تحظى بنصيب من كهرباء السد".

ما بين مصر والسودان ليس حالة استثنائية، بل أن أغلب العلاقات العربية البينية على مستوى الحكومات والشعوب لم تكن يوما على ما يرام، فطوال العقود الماضية ليس بين المغرب والجزائر سوى التوتر والخلافات التي لا تنتهي، ولا تختلف عنها كثيرا العلاقات السعودية اليمنية أو السورية اللبنانية أو الفلسطينية الأردنية وغيرها، ومن الملاحظ أنه لا توجد علاقة بين أي دولتين عربيتين يمكن تشبيهها مثلا بالعلاقات بين فرنسا وبلجيكا أو ألمانيا أو إيطاليا، لأن حركات القومية العربية لم تنجح طوال العقود الماضية في زرع مشاعر المحبة والتضامن بين "الأخوة"، بينما نجحت في الترويج لمشاعر الكراهية تجاه الآخر المختلف إثنيا أو ثقافيا، لأنها كانت في طروحاتها أقرب إلى الحركات العنصرية التي عفا عليها الزمن.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.