Egyptian farmer Mohamed Omar (L), 65, supplies his farmland with water from a canal, fed by the Nile river, in the village of…
نهر النيل يؤمن أكثر من 90 في المئة من حاجات مصر من مياه الشرب والري

انتشرت في القرن العشرين حركات سياسية قالت إن العرب أمّة واحدة، وإن الاستعمار هو الذي قسّمها إلى دويلات حتى يسهل عليه احتلالها ونهب خيراتها. وكان دعاة القومية العربية مؤمنين بأن دولة واحدة ستقوم بفعل نضالهم وستجمع العرب من المحيط إلى الخليج. في النصف الثاني من القرن العشرين استقلّت الدول العربية من الاستعمار الذي "قسّمها"، دون أن تقوم هذه الوحدة المنشودة، بل انقسمت بعض هذه الدول إلى دويلات أصغر.

وفي ذلك الوقت كانت خريطة الوطن العربي الكبير ترتفع في الكثير من المدن العربية، وفي قلب هذه الخريطة تربّعت مصر مركز أهم الحركات القومية، حيث تمّت كتابة الكثير من أدبيات القومية العربية وتأليف الأشعار والأغاني الحماسية التي تتغنّى بهذه العروبة. وهذا أمر طبيعي، فمصر هي الكيان السياسي الحقيقي في هذه المنطقة وواحدة من أقدم الدول في تاريخ الإنسانية إن لم تكن أقدمها على الإطلاق، وكان سبب حضارتها العظيمة هو نهر النيل الذي يجتازها من الجنوب إلى الشمال وعليه اعتمدت حياتها ولذلك سمّيت مصر "هبة النيل".

ونتيجة الترابط المصيري بين مصر ونهرها الخالد أبرمت عدة اتفاقيات دولية بين دول المنبع ودول المصب تهدف لضمان مقومات حياة كريمة لجميع الشعوب التي تعتمد حياتها عليه، منها اتفاقية عام 1929 التي نصّت على: "لا تقام بدون موافقة الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد قوي ولا تتخذ إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي ينبع منها يكون من شأنها إنقاص مقدار المياه التي تصل إلى مصر، أو تعديل تاريخ وصولها أو تخفيض منسوبها على أي وجه يلحق ضررا بمصالح مصر". ثم وقعت اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان والتي نصت على أن تحتفظ مصر بحقها في 55.5 مليار متر مكعب من مياه النهر سنويا.

أغلب العلاقات العربية البينية على مستوى الحكومات والشعوب لم تكن يوما على ما يرام

ولكن في العقد الثاني من القرن الحالي بدأت أثيوبيا ببناء سد ضخم على النيل الأزرق لتوليد الكهرباء والذي من المتوقّع أن يكتمل بناؤه وتبدأ عملية تعبئة خزانه في يوليو 2020. وقد رفضت أثيوبيا الاعتراف بالاتفاقيات السابقة حول نهر النيل واعتبرتها من صنع المستعمرين، وقالت إن هناك حاجات متزايدة لدول المنبع يجب تلبيتها، وبما أن نهر النيل يؤمن أكثر من 90 في المئة من حاجات مصر من مياه الشرب والري يأتي 85 في المئة منها من النيل الأزرق، وبما أن هذا السد سيقلل حصتها من المياه بين 10 و25 في المئة فإن هذا يعتبر أكبر تهديد وجودي تعرضت له مصر في تاريخها الطويل.

ولذلك قامت مصر بالكثير من المبادرات الدبلوماسية للدفاع عن حقوقها وعقدت اجتماعات عديدة مع القادة الأثيوبيين لتوضيح مخاوفها المشروعة دون نتيجة، كما استجابت لعدة وساطات دولية لحل هذا الخلاف وجميعها لم يكتب لها النجاح، إلى أن جاءت قبل بضعة أشهر الوساطة الأميركية بين أثيوبيا والسودان ومصر بإشراف الرئيس دونالد ترامب شخصيا ومشاركة وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي كأطراف تحكيمية، والتي توصلت إلى حلول وسط حول نقاط الخلاف التي تدور حول طول الفترة الزمنية اللازمة لملء السد مع مراعاة سنوات الجفاف، ووقّع الوفد المصري على إعلان المبادئ لكن الوفد الأثيوبي غاب عمدا عن التوقيع وشكّك في نزاهة الوساطة الأميركية.

الخلاف بين أثيوبيا ومصر ليس مستغربا فلكل منهما مصالحه المتباينة أو المتناقضة مع الآخر، لكن الأمر غير المفهوم كان وقوف السودان إلى جانب أثيوبيا واعتراضها على إعلان المبادئ، مع أن "الأخوّة والقومية العربية" كان من المفروض أن تدفع السودان للوقوف مع شقيقته مصر التي تعتمد حياتها على نهر النيل، بالإضافة إلى أن السودان مثل مصر من دول المصب أي يجب أن تكون للبلدين مصالح متطابقة في مواجهة دول المنبع. وحتى بدون هذه العوامل فإن المخاوف من انعكاسات سد النهضة على الحياة في وادي النيل ليست مصرية أو عربية فقط بل تشمل الإنسانية جمعاء، لأن الحضارة التي ولدت في مصر على ضفاف النيل كان لها دور رئيسي في تشكيل ثقافة ووعي ومعارف البشرية كلها، ولا يجب أن يقبل أي إنسان مهما كانت قوميته أو جنسيته بتهديد هذا الإرث الإنساني.

هل لدى العرب والهنود والأفارقة مناعة ضد كورونا؟
تابع العالم طوال الأشهر الثلاثة الماضية لحظة بلحظة الانتشار المتسارع لوباء كورونا والارتفاع المتواصل بأعداد الإصابات والوفيات به، وظهرت ضمن هذه المتابعة بعض الأمور اللافتة، منها أن المرض يقفز من بلد إلى آخر دون المرور على بلدان فاصلة بينهما

ولم يكتف السودان بالامتناع عن التوقيع على الاتفاق الذي أعدّته واشنطن، بل تحفّظ بعد ذلك على بيان وزراء الخارجية العرب الذي دعم موقف مصر ورفض الإجراءات الأحادية التي تقوم بها أثيوبيا، ثم كشف المهندس تيجاني آدم أمين عام هيئة الطاقة السودانية عن موقف حكومته الحقيقي من سد النهضة عبر تصريح لوكالة الأنباء الأثيوبية قال فيه إن تدويل سد النهضة يعقد الموضوع، وأوضح "أنا مسلم وفي الإسلام يجب أن تبحث دائما عن مصلحة جيرانك دون أن تنسى نفسك"، وتابع "بما أن أصل النهر من أثيوبيا فدع شعب أثيوبيا يأخذ احتياجاته ويذهب الباقي إلى السودان وما تبقى بعدها يذهب إلى مصر، هذه هي الحلول الصريحة".

ولكن هذا الموقف التبسيطي لتيجاني آدم لا ينسجم مع القانون الدولي المتعارف عليه في حالات الأنهار المتشاطئة، إذ رغم عدم وجود قاعدة قانونية آمرة ومانعة لتقاسم المياه، فإن هناك العديد من الاجتهادات للقانونيين والمنظمات الدولية التي أقرّت عددا من المعايير والأسس التي ترقى إلى مستوى المبادئ التي يتم على أساسها تقاسم المياه بطرق عادلة بين الدول، وتتفق جميعها على عدم إقامة مشاريع مائية بدون التشاور مع الدول المتشاطئة الأخرى، وأن يتم عند الخلاف عرض القضايا على التحكيم الدولي.

السد سيقلل حصة مصر من المياه بين 10 و25 في المئة ويعتبر أكبر تهديد وجودي تعرضت له

وتم توضيح ذلك تفصيليا في قواعد هلسنكي عام 1966 التي تضمّنت مجموعة اعتبارات يجب مراعاتها في تقاسم مياه الأنهار الدولية منها: عدد سكان كل بلد واحتياجاته المائية، ومدى توفّر مصادر مائية أخرى لديه، والظروف المناخية في كل دولة، كما يراعى فيها الحجم السابق لاستخدام المياه ونصيب كل دولة قبل النزاع، أي الحقوق التاريخية لكل بلد، مع التأكيد على مسؤولية كل دولة في أن لا تقوم باستغلال النهر بشكل يضر ببقية الدول.

الموقف السوداني الحالي الذي لا يتماشى مع الأخوة القومية ولا مع مصلحة السودان من ناحية أمنها المائي، ولا حتى مع القانون الدولي كان استمرارا لموقف حكومة البشير، الذي قال في خطاب جماهيري بحضور رئيس وزراء أثيوبيا في ولاية القضارف بشرق السودان في ديسمبر عام 2013: "ساندنا سد النهضة لقناعة راسخة بأن فيه فائدة لكل الإقليم، وأن الحكومة السودانية تدعم الموقف الأثيوبي في إنشاء سد النهضة لأنها تحظى بنصيب من كهرباء السد".

ما بين مصر والسودان ليس حالة استثنائية، بل أن أغلب العلاقات العربية البينية على مستوى الحكومات والشعوب لم تكن يوما على ما يرام، فطوال العقود الماضية ليس بين المغرب والجزائر سوى التوتر والخلافات التي لا تنتهي، ولا تختلف عنها كثيرا العلاقات السعودية اليمنية أو السورية اللبنانية أو الفلسطينية الأردنية وغيرها، ومن الملاحظ أنه لا توجد علاقة بين أي دولتين عربيتين يمكن تشبيهها مثلا بالعلاقات بين فرنسا وبلجيكا أو ألمانيا أو إيطاليا، لأن حركات القومية العربية لم تنجح طوال العقود الماضية في زرع مشاعر المحبة والتضامن بين "الأخوة"، بينما نجحت في الترويج لمشاعر الكراهية تجاه الآخر المختلف إثنيا أو ثقافيا، لأنها كانت في طروحاتها أقرب إلى الحركات العنصرية التي عفا عليها الزمن.

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.