Student protesters, some wearing protective face masks, march with Iraqi national flags during an anti-government demonstration…
تتميز مواقف هؤلاء العراقيين من الشباب أيضا بخبرتهم السياسية النابعة من حقبة ما بعد صدام في العراق

شهدت الأيام الماضية الكثير من الحراك السياسي الذي أنتج المشهد الذي نحن عليه الآن. وكعادة اللاعبين السياسيين التقليديين في العراق الذين ظلت تصرفاتهم غير واضحة، فإن نهاية فيلم الإثارة لم تكن معروفة وظلت مفتوحة على كل الاحتمالات، وذلك على الرغم من أن التغيير نفسه أمر لا مفر منه.

في حين أنه من غير الممكن استقراء مستقبل العملية السياسية في العراق، إلا أنه يمكن للمرء إجراء استنباط حول شكلها العام من خلال الحاضر. وعلى وجه الخصوص، كشف التعيين المتنازع عليه مؤخرا لعدنان الزرفي في منصب رئيس الوزراء في أعقاب استقالة عبد المهدي والترشيح الفاشل لمحمد علاوي لهذا المنصب، عن بعض الحقائق المحددة حول المشهد السياسي العراقي.

على الرغم من أن الجيل القادم الذي سيشكل النخبة السياسية الجديدة للعراق لم يتقرر بعد إلا أن من المؤكد أن البلد يشهد تغييرا في الأجيال الحاكمة. إن فشل وتراجع النخبة الحالية في العراق ـ التي شكلها ماض سياسي لم يعد مناسبا في عراق ما بعد 2003 ـ هو نتيجة تبدو أكثر وضوحا يوما بعد آخر على المسرح السياسي العراقي.

أولا وقبل كل شيء، أصبح من الواضح أن ما كان يعرف (سياسيا) بالبيت الشيعي يعاني من التشظي، ليس بسبب خلافات مصلحية فحسب بل بسبب غياب القيادة الكارزمية عن المشهد السياسي، حيث كشف كثير من قادة هذا البيت أنهم لا زالوا يعيشون في عقلية المعارضة المسلحة، وأن كلْ ما تعلموه من تلك الحقبة هو القتال وليس السياسة. هنا تكمن المفارقة فمعظم قادة هذا البيت ترعرعوا في الحضن الإيراني. ورغم تغنيهم المستمر بالسياسة والدهاء الإيرانيين وبالبراغماتية التي يتمتع بها مدربيهم لكنهم فشلوا في تقليدهم وأصروا على عقلية المغالبة في المغنم والمناكفة في المغرم.

نسبة العراقيين الشيعة الذين يرون في إيران شريك موثوق انخفضت إلى أدنى مستوى منذ عام 2003

باستثناء الكرد، أظهرت الطبقة الحاكمة التقليدية في العراق بعد سبعة عشر عاما من الحكم، أنها لم يتمكنوا بعد من الاستغناء عن تعليمات الخارج للمضي في صنع قرارات الداخل. وهذا نابع أساسا من تآكل شرعيتهم الشعبية. حتى تلك القوى التي كانت تتمتع بتأييد شعبي واسع في الوسط الشيعي (كالدعوة والمجلس الأعلى والصدريين) شهدت تآكلا كبيرا في شعبيتها. لقد بات واضحا أن العامل الخارجي كان العامل الرابط بين مختلف مكونات البيتين الشيعي والسني. وعندما قل تأثير ذلك العامل، لأسباب خارجية وداخلية تفتت تلك الكتل ولم تعد تشكل كتلة مفيدة.

إن حالة الإنكار أو العجز عن قراءة حقائق الوضع الحالي فضلا عن انخفاض زخم الانتفاضة جعل هؤلاء الساسة يتوهمون أنهم ما زالوا قادرين على توجيه سياسة العراق حسب مصالحهم الضيقة. وتوهموا أن العراقيين يمكن أن ينسوا السبب الذي من أجله خرجوا في أكتوبر 2019 (الفساد والمحاصصة). وعوضا عن استغلال الظروف التي خفّفت من زخم الانتفاضة لكي يستعيدوا بعضا مما فقدوه، عادوا لممارسة ذات المسرحية القديمة متناسين غياب المُخرج والجمهور الذي تعودوا عليه سابقا.

من جانب آخر، يشهد العراق الآن صعود جيل شاب (أقل محافظة وأكثر ليبرالية) نشأ في ظروف العراق الحالية ولم يتعود الرعاية الخارجية مقابل تمسك جيل الشيوخ الذين تربوا في الخارج على عقلية الرعاية والولاية الخارجية. إن هؤلاء السياسيون أجبرتهم تجربة المعارضة لنظام صدام على التقوقع والانغلاق السياسي والاجتماعي والديني والفكري للمحافظة على أمنهم يبدون عاجزين عن إدراك هذا التغيير الحاصل في الأجيال.

هذا الفشل الذي واجه الحرس القديم للنخبة السياسية بعد 2003 حفز على صعود جيل جديد من أحزاب السلطة عاش معظم ممارساته السياسية بعد تغيير النظام وليس قبله. هذا الجيل الجديد يمتاز بتجربة الانفتاح على كل أطياف المجتمع من جهة والانفتاح على العالم نتيجة السفر ووسائل الاتصال من جهة أخرى، وهو ما لم يكن متاحا للحرس القديم.

وتتميز مواقف هؤلاء العراقيين من الشباب أيضا بخبرتهم السياسية النابعة من حقبة ما بعد صدام في العراق. لذلك، بدأ هؤلاء الشباب ينتقدون علنا الفشل الذي تسبب به جيل الشيوخ ويحاول تصحيحه لكن من داخل النظام. وبشكل منفصل، بدأ الجيل الأصغر من خارج النخبة في تنظيم نفسه كقوة متماسكة، مستفيدا من تجربة خمسة أشهر من التظاهر والتنسيق لإدامة زخم الانتفاضة.

لذا يتبلور الآن تنافس جديد بين الجيل الثاني من معارضة صدام الذي يريد التصحيح من داخل النظام (كما هو الحال مع تيار الحكمة) وبين جيل الانتفاضة الذي يريد هدم الأسس والقواعد التي قام عليها نظام الحكم الحالي.

التاريخ السياسي للعراق سيؤرخ لمرحلة ما قبل الانتفاضة وما بعد الانتفاضة في قاموسه الجديد

في الوقت نفسه، تشكلت السياسة العراقية منذ عام 2014 أيضا من خلال صعود للحركة الشيعية المسلحة الراديكالية والقوية. فقد استثمرت القوى الشيعية الراديكالية المدعومة من إيران ظروف احتلال تنظيم "داعش" لمناطق واسعة في العراق لتبسط نفوذها على الساحة السياسية العراقية مستفيدة من الانهيار الذي أصاب الدولة وقواتها المسلحة من جهة ومن فتوى الجهاد الكفائي من جهة أخرى.

وقد عززت هذه القوى الشيعية المسلحة سطوتها على السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد انتخابات 2018 التي شهدت تزييفا واسعا وعزوفا كبيرا للناخب العراقي. كما ساهم الأداء السيء للمبعوث الأميركي ماكغورك والأداء الممتاز لقاسم سليماني في تعزيز تلك القوة الشيعية المسلحة من خلال تعيين الرئاسات الثلاث بمباركة إيرانية.

بذلك، تحولت هذه القوى لممارسة دور صانع الملوك وحتى سياسيو السنة والكرد أدركوا أن أي خروج عن النص الإيراني سيجعلهم يفقدون مناصبهم. إلا أن الأداء السيء لحكومة عبد المهدي وفشلها في التعامل مع انتفاضة الشباب العراقي وضع هذه القوى المسلحة ومن ورائها إيران في مواجهة مباشرة مع قوى الشعب المنتفضة التي باتت تراها أداة للنفوذ الإيراني ولعدم السيادة العراقية.

وطبقا لآخر الاستطلاعات فإن نسبة العراقيين الشيعة الذين يرون في إيران شريك موثوق انخفضت إلى أدنى مستوى منذ عام 2003 لتصل إلى 15 في المئة تقريبا كما انخفضت أرقام شعبية الفصائل المسلحة وقياداتها إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2014.

والغريب في الأمر أن إيران، الداعم القوي لهذه القوى المسلحة أدركت عمق التحولات الحاصلة في المشهد العراقي خاصة بعد غياب سليماني عن ذلك المشهد في حين أن تلك القوى ما زالت تعيش بعيدة عن الواقع. وفي زيارته الأخيرة لتوحيد الصف الشيعي، اجتمع السفير الإيراني في بغداد ايرج مسجدي بمدير المخابرات (مصطفى الكاظمي) الذي طالما اتهمته بعض الفصائل الشيعية المسلحة بالعمالة ليرسل لتلك الفصائل رسالة واضحة بضرورة تغيير سياستها وقراءة الواقع الجديد للعراق.

يشهد العراق الآن صعود جيل شاب أقل محافظة وأكثر ليبرالية

لكن تلك القوى وحتى الآن تحاول عدم إرسال أي رسالة توحي بمرونتها، فمنذ تعيين الزرفي رئيسا للوزراء ـ وهو منصب متنازع عليه الآن من قبل مجلس القضاء الأعلى العراقي ـ حاولت تلك المليشيات ـ دون رضى إيران ـ أن تلعب دور المفسد لاتفاقات الشراكة المعطِّل الذي لعبته حركة أمل في لبنان لسنوات عديدة بعد أن فشلوا في دور صانع الملوك.

إن من غير المنصف القول إن الشيعة فشلوا في حكم العراق كما نسمع دوما، فمن فشل هم ساسة العراق بعد 2003. وهؤلاء نتيجة لظروف النشأة والحكم باتوا غير قادرين على الإمساك بدفة العراق وصار مرسوم تقاعدهم ينتظر توقيعه فحسب. إن جيلا جديدا من العراقيين (شيعة وسنة وكردا) قد اجتاز مرحلة المراهقة وسيستلم مقاليد الأمور في بضع سنين، وسواءً كان هذا الجيل يحظى بموافقة الحرس القديم أم لا. وبغض النظر عما إذا كان هذا الجيل ينتمي للصف الثاني من القوى الحاكمة حاليا أو من جيل شباب الانتفاضة فإن التاريخ السياسي للعراق سيؤرخ لمرحلة ما قبل الانتفاضة وما بعد الانتفاضة في قاموسه الجديد.

يمتلك منقذ داغر سجلا مميزا من الدراسات الاستقصائية المتعمقة حول الشرق الأوسط، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالصراعات الحالية في كلا من العراق وسوريا، حيث قام بالتعاون على نطاق واسع مع العديد من مؤسسات استقصاء الرأي الدولية الرئيسية وقام بنشر تلك الدراسات على نطاق واسع باللغة العربية.

المصدر: منتدى فكرة

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.