Nurses work to prepare the Intensive care unit in the new Covid-19 Hospital on March 29, 2020 in Verduno, near Alba,…
ممرضان يحضران أسرة للعناية المشددة في الشمال الإيطالي

ظهر فيروس كورونا المستجد/ كورونا 2019 في الصين أواخر العام الماضي، وبدأ في الانتشار السريع/ المتعولم بداية هذا العام، ليخلق له بُؤرا جديدة؛ في الوقت الذي كانت البؤرة الصينية/ مصدر الفيروس تتراجع فيها متواليات العدوى، وتبدأ بالانحسار التدريجي، وصولا إلى عودة الحياة  لطبيعتها تقريبا؛ بعد أن أعلنت الحكومة الصينية سيطرتها التامة على الأوضاع؛ كما تقول البيانات الرسمية، مع أنه لا أحد يستطيع التأكّد/ التثبّت مما يجري هناك، وبالتالي، لا يمكن أخذ ما تقوله الحكومة الصينية الشمولية على محمل الجد؛ إلا في أضيق نطاق؛ وبشيء غير قليل من الحذر والارتياب.

هكذا، بينما كانت البؤرة الصينية (البؤرة الأم: مصدر "الفيروس الصيني" حسب تعبير الرئيس الأميركي) تتعرض للانكماش؛ بقوة الإجراءات الحاسمة/ القاسية التي اتخذتها الحكومة الصينية ذات الطابع الشمولي، كانت البؤرة الإيطالية تتفجر على نحو مأساوي/ كارثي، ثم تلتها فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وأخيرا الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت الأولى في أعداد المصابين.

لقد استمر صعود المؤشر الوبائي في هذه "الدول الغربية"، واتخذ مسارات كارثية بشكل غير متوقع؛ جراء ردود أفعال لم تكن ـ في البدايات ـ على مستوى الحدث رسميا وشعبيا، بل كان التراخي ـ وخاصة على المستوى الرسمي/ الحكومي ـ هو سيد المشهد، مما يُوحي بقدر غير قليل من اللاّمبالاة بمصير الإنسان؛ قياسا بالاهتمام الهوسي بمصير الاقتصاد، وهو الاهتمام الذي حجب الرؤية عن كثير من أصحاب القرار الذين كان بإمكانهم تدارك الأمر في بداياته الأولى.

انفجر الوباء في الغرب على حين غفلة أو تغافل. هنا، بدا وكأن طوفان الوباء يجتاح المدن والقرى في أوروبا والولايات المتحدة دونما سدود تقف في طريقه أو تُحوّر مجراه. بدا وكأن ما يُسمّى بـ"الغرب" عُرفا، أصبح هو بؤرة الفيروس على مستوى العالم، ومنه يتم تصديره للجميع. الغرب (قلب الحضارة الغربية/ الحضارة الإنسانية المعاصرة) ظهر وكأنه يغرق، أو ينهار أمام هجوم "الفيروس الصيني" الذي اقتحم كل القلاع، ووصل رعبه إلى مقرّات القيادة العليا في كثير من دول العالم، والعالم الغربي منه على وجه خاص.

الغرب إذ ينحاز إلى نموذجه: الرأسمالي، الفرداني، الحرياتي، يدرك ثمن هذا الانحياز في الأوقات الاستثنائية

وَبَاء شرقي بات يُهدّد الغرب أكثر مما يهدد الشرق/ موطنه الأصلي. هذا عكس المتوقع بفعل عوامل كثيرة، فالمتوقع أن تفشل الصين أولا في محاصرة الفيروس؛ لأنه انتشر فيها ابتداء، حتى قبل أن تستطيع فَكّ كثيرٍ من شفراته؛ ولأنها ـ بمقاييس التحضر العلمي/ التقني، وبمقاييس الحساسية الإنسانية ـ تقف دون الغرب درجات ودرجات. كما أن المتوقع ـ ابتداء ـ أن تكون دُوَل الجِوَار الصيني (التي تتشابك مع الصين في علاقات تواصلية مباشرة ومكثّفة) هي البُؤر التالية للبؤرة/ للمصدر الصيني.

اليابان وتايوان وبقية دول الجنوب الشرق آسيوي، كانت هي المرشحة لتكون البُؤرَ الوبائية اللاحقة، لتكون بُؤرا أسبق وأوسع انتشارا. ولكن، هذا لم يحدث، بل ما حدث هو العكس تماما، إذ نجحت في الصدّ والمحاصرة والاحتواء منذ البداية؛ في صورة مملوءة بعلامات الاستفهام التي تمنح كثيرا من العناصر المساعدة لِمَنْ يُريد بناء مِعْمار نظرية مؤامراتيّة واسعة الخيال!

الآن، عشرات الألوف من حالات الإصابة بهذا الفيروس تُسجّل في الغرب كل يوم، يتبعها بضعة آلاف من توابيت الموتى الذين فتك بهم هذا الفيروس الشرس، أو ـ وفق تعبير الشامتين بالغرب ـ فتك بهم الفشل الغربي الذريع في التصدي لهذا الفيروس.

طبعا، هذا ظاهر الصورة/ المشهد في منطقه الساذج. وهو ـ وفق القراءة الساذجة المدفوع بحقد مضمر ـ يوحي بأن ثمة نجاحا شرقيا: صينيا، يابانيا، سنغافوريا...إلخ في مكافحة/ محاصرة الوباء؛ مقابل فشل غربي كبير يأخذ طابع الفضيحة الحضارية في سياق شماتة المتخلفين.

نعم، ظهرت كثير من حكومات الغرب ـ وبالتالي مجتمعاته/ ثقافة/ وعيه ـ وكأنها فاشلة، أو في طريقها لإعلان فشلها أمام تحدي هذا الوباء، وهو الفشل الذي يعني ـ فيما يُروّج له المتخلفون ـ فشلا للنمط الحضاري الغربي، بل هو أكثر من فشل، إنه إشعار أخير بقرب نهاية الحضارة الغربية في خطها الرأسمالي الليبرالي.

يغيب عن أذهان كثير من هؤلاء المستبشرين بما يسمونه "فشل الغرب"، أو قرب سقوط/ نهاية الغرب أن الغرب واجه ما هو أشد وأقسى من هذه الظروف الصعبة بعشرات المرات، وخرج منها كالمارد من تحت الرماد، خرج منها أكثر قوة وألقا واستشعارا للقيم/ المبادئ الإنسانية التي تأسست عليها حضارته منذ بداياته الأولى.

الغرب ليس مجرد كيانات عابرة، ليس مجرد حكومات تذهب وتجيء، بل ليس مجرد دول تنشأ وتزول، وأكثر من ذلك؛ الغرب ليس مجرد دورة حضارية سرعان ما تتلاشى، الغرب ليس عرقا يضعف أو يندثر، الغرب ليس تشكلا إرادويا قابلا للتفكك والاضمحلال عند أول أزمة عاصفة، بل إن حضارة الغرب ـ وفي سياق تاريخ الغرب ذاته ـ ليست نتوءا طارئا، ليست صدفة مجانية، الغرب/ حضارة الغرب هي تاريخ طويل من النمو المتعاضد ذي الجذور الراسخة التي يستحيل على العواصف انتزاعها/ اجتثاثها؛ مهما كانت قادرة على مشاكسة الأغصان، بل وعلى تكسير بعضها، إذ البقاء ـ قبل كل شيء، وبعد كل شيء، ـ هو لأصل الشجرة التي لن يضيرها مرور الخريف بها كفصل عابر في دورة حياة تمتد لآلاف السنين.

Italian military trucks and soldiers are seen by Bergamo's cemetery after the army were deployed to move coffins from the…
عن الفيروس كاشف العورات
يصعب التكهن بصورة العالم بعد "تسونامي كورونا"... ما زلنا في قلب الوباء، وتقديرات الخبراء تذهب للقول بأننا لم نبلغ ذروة انتشاره وتفشي تداعياته بعد... بيد أن ذلك لم يمنع الكثيرين ولا يمنعنا، من إجراء بعض التمارين الذهنية، لاستشراف بعضٍ من السيناريوهات المحتملة، فـلطالما كان "المخيال" البشري قادرا على التنبؤ بالمستقبل، وملء الفراغ المعرفي، أليست هذه هي حال الفلاسفة والمفكرين الرؤيويين على امتداد التاريخ المكتوب للإنسان؟

يبدو مشهدا كاريكاتوريا أن يشمت المُتخَلِّفون الموغلون في التخلف/ في الجمود/ في ضمور المعنى الحياتي/ الإنساني، بالمتقدمين/ المتحضرين الذين صنع آباؤهم وأجدادهم كلَّ مسارات هذه الحضارة المعاصرة، هذه الحضارة الباذخة جمالا وجلالا ووُعُودا للإنسان بما يسبق خيال الإنسان، هذه الحضارة التي يَتفيّأ العالمُ ظلالَها، وينعم بنعيمها، ويتمثّلها فِرْدَوسا أرضيا؛ قياسا بحياة آبائه الغابرين التي لم تكن أكثر من قطعة عذاب.

كوميديا ساخرة أن يتباشر أولئك المتخلفون الذين يزعمون ـ صراحة أو ضمنا، نصا بصريح اللفظ، أو كناية بظلال المعنى ـ أنهم أبناء الله وأحباؤه/ أنهم خير أمة...إلخ بالمتقدمين. والأكثر سخريا وبؤسا أن يتصور هؤلاء المتخلفون أن الله انتصر لهم بهذا الوباء على أعدائهم الغربيين/ أعدائهم التاريخيين الذين هم ـ في المِخْيَال المُتْخَم بالأوهام ـ سبب تخلف الأنا العربية ـ الإسلامية/ عِلّة تخلّف المتخلفين.

الغرب واجه ما هو أشد وأقسى من هذه الظروف الصعبة بعشرات المرات، وخرج منها كالمارد من تحت الرماد

بل إن الخيال الجامح الشاطح المحلق بعيدا في متاهات تخلفه وانحطاطه، بدأ ـ على لسان "مُثقّفيه"! ـ يتحدث عن نهاية/ عن اندثار/ عن دمار الغرب، لصالح نهضة/ صعود الشرق، ويقصدون ـ بالدرجة الأولى ـ شرقهم، أو يقصدون ـ في أقل الأحوال/ في أدنى درجات الطموح ـ الشرقَ الصيني الذي يبدو وكأنه المقابل الضدي ـ أيديولوجيا وجغرافيا...إلخ ـ للغرب، هذا الغرب الذي كان ـ ولا زال حتى اليوم ـ يُمثّل الخنجرَ الوهمي الذي ينكأ الجرجَ النرجسي النازف؛ منذ بدأ الوعي بتخلف الذات؛ كوجه آخر ـ مقابل وحتمي ـ للوعي بتقدم الآخرين.

مقابل النموذج الغربي: الرأسمالي، الحرياتي، الفرداني، يطرح المتخلفون ـ بدافع الفرح/ الانتشاء الغبي بتفشي كرونا في الغرب ـ نموذجا آخر للنجاح، وهو النموذج الصيني. الحلم بانهيار الغرب، أو ـ على الأقل ـ بتضعضعه وتراجعه، وتواريه عن سيادة المشهد الإنساني، يُقابله الحلم بسيادة النموذج الصيني (الذي هو تمظهر لعناصر الروح الصينية/ الشرقية)، كنموذج آخر/ نموذج غير غربي يملك قدرة أكبر على الصمود، في الوقت الذي ينطوي فيه على عناصر روحية/ ثقافية تنتمي إلى عالم الشرق، الذي هو أيضا ـ وإنْ بِتَداخُلات نِسْبوية ـ عَالَمُ المتخلفين الشامتين ـ الآن ـ بالغرب.

إن الغرب إذ ينحاز إلى نموذجه: الرأسمالي، الفرداني، الحرياتي، يدرك ثمن هذا الانحياز في الأوقات الاستثنائية/ الطارئة؛ بقدر ما يدرك ثمن النموذج الصيني الكلياني الشمولي في كل الأوقات. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، وإلى اليوم: 75 عاما، لم يُواجِه الغرب مثل هذا التحدي الذي يُوَاجِهُه اليوم. وهو يدرك ـ في تفاصيل ليس هنا مجال سردها ـ أنه مُصيبٌ عندما لم يَعِش كل هذه الـ 75 عاما في حالة طوارئ/ قوانين طوارئ من أجل التصدي لحالة عابرة، قد تأتي؛ وقد لا تأتي. فهي ـ في كل الأحوال ـ ستبقى حالة عابرة؛ مهما طال أمدها واتسع نطاق تأثيرها. بمعنى أن الغرب يُدرك خطأ وضع الاستثناء/ الطارئ، مكانَ الطبيعي/ الدائم، وأنه لا يُقاس بخطأ وضع الطبيعي/ الدائم، مكان الاستثناء. فالحياة باتساعها وعمقها هي ـ في النهاية ـ أكبر من طوفان، أكبر من زلزال، أكبر من موجة إرهاب، أكبر من تسونامي، بل وأكبر من حرب طاحنة، وبطبيعة الحال، هي أكبر من وباء.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.