Medical staff, wearing protective suits and face masks, work at the intensive care unit for coronavirus disease (COVID-19)…
ممرض في قسم العناية المشددة في أحد المستشفيات الفرنسية

سمعت وشاهدت وقرأت الكثير من النظريات والسيناريوهات عن فيروس كورونا ونشأته وأسبابه، بعضها يطرح أسئلة ويبحث عن إجابات علمية، وأخرى تأخذها وتُسيطر عليها الخرافات والخزعبلات.

ما بين من يقول إن كورونا تطور جيني لا علاقة له بالتدخلات البشرية الخبيثة، تكثر وتتزاحم نظرية المؤامرة التي تُرجع كل ما حدث ويحدث إلى حرب بيولوجية بين الدول الكبرى، أو لعبة اقتصادية من اختراع شركات الأدوية، وقد ينتهي الأمر بأصوات تعتبر كل ما حدث عقوبة إلهية.

آخر النظريات التي علقت في ذاكرتي وأقلقتني أن فيروس كورونا من "ثمار" تقنية الجيل الخامس للاتصالات، وأن آخر جائحة وبائية قبل قرن من الزمان كانت بفعل اختراع موجات الراديو العابرة للحدود.

هذه السيناريوهات الجامحة الخيال لم تغب عن هوليوود؛ فقبل عقد من الزمان قدم المخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ في فيلمه "العدوى" عن فيروس يجتاح الصين، ويُفني مدنا بأكملها.

كل هذه الهلوسات والتنظير والجدل لا تهم معظم الناس المُنشغلين في الهرب من موت محتوم، وما يُسيطر على تفكيرهم طريقة الخلاص والنجاة.

صافرات الإنذار تسمع في العواصم مُعلنة عن عالم جديد قيد التشكل

أسئلة المستقبل رغم أهميتها مؤجلة، فهزيمة فيروس كورونا هي الحرب التي تخوضها المجتمعات، والقلق الأكبر كيف تنصب الجهود لحماية الدول من الانهيار، فهذا "العدو" القادم نحوهم يقهر الجغرافيا، ولا تصمد أمامه الحدود، وحتى الحلول المُتاحة بالعزلة والاختباء خلف الجدران قد لا تنجح.

"مئة عام من العزلة" ليس عنوانا سرياليا في ظل هذه الجائحة التراجيدية التي يعيشها العالم، فقلاع العولمة التي شُيدت تنهار، والناس تتقوقع، والدولة الوطنية التي كان هناك من ينعيها تعود كخيار للبقاء والحياة.

فيروس كورونا يجتاح العالم بسرعة، وحين بدأ في الصين كانت الكثير من دول العالم مُسترخية ومُطمئنة على أنها بعيدة عن شره، وما هي إلا أيام حتى تهاوت أحجار الشطرنج، وصارت "الإمبراطوريات" تتصدع جدرانها وتستغيث.

ما هي مآلات الحاضر والمستقبل؟ هل أصبح السلم المجتمعي مُهدد بعد أن اقتربت دول كبرى من الفشل في احتواء الوباء، والناس قد تخرج إلى الشوارع لتعم الفوضى؟ وما هي الخيارات المُتاحة حتى الآن لبناء شبكة أمان تصون كرامة الناس، وخاصة الفقراء والفئات المُستضعفة، والأكثر عرضة للخطر؟

حالة الهلع والخوف التي تعم العالم بسبب فيروس كورونا لا يفهمها بعض خبراء الصحة الذين يرصدون ويتابعون الأمراض التي تفتك بالبشر، هؤلاء يذكّرون بحقائق ماثلة أمامنا كل يوم، فالتدخين يودي بحياة 6 ملايين شخص سنويا، وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية، وذات الأمر 3 ملايين توفوا بسبب الإفراط بشرب الكحول عام 2016، و770 ألف حالة وفاة ناتجة عن مرض الإيدز عام 2018، وفق أرقام برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز.

الأصوات التي تُهدئ من روع العالم، وتُطالبه برباطة الجأش والثبات، والتوقف عن الهلع؛ لا تجد من يُصغي لها، والدول تُغلق حدودها، والناس يختبئون خلف جدران بيوتهم، وصافرات الإنذار والطوارئ تُسمع في العواصم مُعلنة عن عالم جديد قيد التشكُل.

العالم سيُصبح أقل انفتاحا وأقل نموا وأقل حرية

مجلة "فورين بوليسي" طرحت سؤالا عن الوضع الذي سيؤول له العالم بعد القضاء على جائحة كورونا؟ أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "هارفرد" ستيفن والت لخص المشهد بالقول "العالم سيُصبح أقل انفتاحا، وأقل نموا، وأقل حرية"، في حين أن مدير مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن روبن نيبليت اعتبر أن فيروس كورونا "القشة التي قصمت ظهر العولمة الاقتصادية".

مُجمل إجابات الخبراء لمستقبل العالم والاقتصاد يسود عليها طابع التشاؤم، وتتلخص بتوجه الحكومات لتبني إجراءات وتدابير طارئة، وتزايد الصراع الأيديولوجي والدولي، وتقويض كبير للصناعات العالمية، وتدخل الدول للسيطرة على الصناعات الاستراتيجية، وتراجع الترابط العالمي.

يُفهم مما تقوله "فورين بوليسي" أن التاريخ الجديد يكتبه المنتصرون من أزمة كورونا؛ فالأنظمة التي ستصمد سياسيا، واقتصاديا، وصحيا ستفرض إرادتها ووجودها، وتضع أقدامها على الطاولة.

جائحة كورونا علامة فارقة في التاريخ، ستترك أثرها وتداعياتها مثلما فعل سقوط جدار برلين، واجتياح "البيروسترويكا" الاتحاد السوفياتي، وكانت مسمارا أخيرا في نعشها.

يعصف فيروس كورونا بالدول، ويتحدى إرادتها السياسية، وها هو الاتحاد الأوروبي أول الضحايا المُحتملين لهذا الفيروس؛ فالدول الأوروبية لم تهب لنجدة إيطاليا التي تئن من الألم، وكذا الأمر في إسبانيا والعديد من البلدان، وحين وصلت المساعدات الطبية الصينية والروسية إلى صربيا وإيطاليا؛ نُسب للرئيس الصربي قوله "لقد رأينا، لا يوجد تضامن، ولا تكاتف في أوروبا، أثق أن الصين هي الدولة التي يُمكن أن تُساعدنا".

الظرف الصعب الذي تمر به إيطاليا دفع بعض الإيطاليين إلى نزع علم الاتحاد الأوروبي، ووضع علم الصين؛ ولهذا دعت وزير الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية أميلي دي مونشالان الصين وروسيا إلى عدم استخدام المُساعدة الطبية كأداة لغايات دعائية، محذرة من تأثيرات سلبية مُحتملة لأزمة كورونا على العلاقات الأوروبية إذا لم يخرج الاتحاد الأوروبي مُتحدا، وهو ما كرره رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق جاك ديلور حين قال "انعدام التضامن خطر مُميت على الاتحاد الأوروبي".

الخطر الذي يُشكله فيروس كورونا ليس بالضحايا الذين سنودعهم كما قال رئيس الوزراء البريطاني، وإنما أيضا بالفوضى التي تُهدد العالم، والركود و"الموت" الاقتصادي الذي يُخيم في أنحاء المعمورة.

انعدام التضامن خطر مميت على الاتحاد الأوروبي

في دراسة تحليلية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" تتنبأ بانخفاض نسبة النمو الاقتصادي العالمي إلى ما دون 2.5 بالمئة، وهو السيناريو الأسوأ، وتُقدر العجز في الدخل العالمي بقيمة تريلييون دولار، ويرى أكبر البنوك الأميركية "جولدمان ساكس" أن قيودا مالية ستُفرض على النشاط الاقتصادي لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية.

السجال حول المستقبل الاقتصادي، وتهاوي أسعار النفط لم يهدأ، والتجاذبات السياسية ألقت ظلالها أيضا، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعو لاستئناف الأعمال من أجل الاقتصاد، قبل أن يتراجع، فيرد عليه حاكم ولاية نيويورك بقوله "لا يجوز المُقايضة بين الاقتصاد والأرواح".

في هذه الأزمة التي تُهدد العولمة، تتغير الدول، وتتبدل الشعارات، ويخبو بعضها، وبدل التباهي بشعار التجارة الحرة؛ ترتفع وتطغى الشعارات الأخلاقية التي تُنادي بـ "تجارة عادلة".

فيروس كورونا يضرب الدول الفقيرة والغنية، والأخبار الواردة من وكالة رويترز تُفيد أن صناديق الثروة السيادية الخليجية قد تشهد انخفاضات في أصولها يبلغ نحو 300 مليار دولار، وأن صناديق الدول المُنتجة للنفط تتجه للتخلص من أسهم بقيمة 225 مليار دولار، وهنا يصدق قول بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت "العزلة الذاتية ستكون كارثة للاقتصاد".

أزمة فيروس كورونا أثبتت أن أعظم إمبراطوريات العالم المُعاصر هشة، ولم تصمد في مواجهة "غزو وبائي"، وليس هجوما نوويا، وأن ترساناتها من الأسلحة لم تنفعها، وأن معدي حروب النجوم والفضاء عاجزون، وأن استراتيجية العزلة قد لا تحمي قلاعهم بالصمود.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.