Syrian women sew protective masks against the coronavirus COVID-19 at a workshop belonging to humanitarian organisation…
نساء سوريات يصنعن كمامات في إدلب

في 22 مارس، اعترف أخيرا وزير الصحة السوري نزار يازجي من على شاشة التلفزيون بأول إصابة رسمية بفيروس كورونا في البلاد، بعد أسابيع من بدء انتشار شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي عن وصول الوباء إلى هناك. 

وعلى الرغم من أنه لم يتم الكشف عن البلد الأصلي للمريض، إلّا أن العديد من السوريين خشوا أن الوجود المكثف للميليشيات الشيعية الإيرانية والأجنبية على أراضيهم يمكن أن يشكل تهديدا كبيرا للصحة العامة نظرا لدور الجمهورية الإسلامية الموثق جيدا في نشر المرض. 

ومع تنامي الأزمة، ستتعرض كل إدارة من الإدارات الثلاث التي تسيطر على أجزاء مختلفة من البلاد لضغوط شديدة لتجنب وقوع كوارث إنسانية نظرا لافتقارها إلى الموارد والتحديات الرئيسية الأخرى ـ خاصة في منطقة إدلب الحدودية الصغيرة المكتظة بالسكان، والتي تضم الآن مئات آلاف المشردين (النازحين داخليا) مع مأوى غير مناسب إلى حد كبير.

نظام الأسد: التلاعب في حالات الطوارئ

من خلال إنكاره وجود الوباء في سوريا لمدة شهرين كاملين، اعتمد النظام على دعايته المعتادة بأن البلاد "بخير" في ظل زعامة بشار الأسد و"محمية من الله". ومع ذلك، تغيّر فحوى الرسائل في منتصف مارس، عندما أشارت منشورات مواقع التواصل الاجتماعي المحلية والتقارير الإخبارية المستقلة إلى انتشار المرض. وحاليا، يحاول النظام الاستفادة من الأزمة كفرصة لحشد الدعم المحلي والدولي، بينما يدعو إلى رفع العقوبات الاقتصادية، على الرغم من أن أياً من العقوبات المعنية لا تستهدف القطاع الطبي.

وبالفعل، فبالنسبة لكل خطوة منع واحتواء تبدو إيجابية التي اتخذها النظام (في وقت متأخر وبما يخدم مآربه)، يمكن للمرء أن يجد دليلا أكبر على عدم فعاليتها. على سبيل المثال، نشرت "وكالة الأنباء العربية السورية" فيديو بعنوان "معا ضد كورونا"، يشير إلى أن تفشي المرض يشكل تهديدا لجميع المواطنين ويوصي بكيفية تقليل انتشاره. 

وبالمثل، فإن اللوحات الإعلانية والنشرات الإعلانية حول أهمية النظافة الشخصية الجيدة والتشتيت الاجتماعي، بدأت في الظهور في شوارع دمشق لتشجيع الناس على البقاء في منازلهم. ولكن في الوقت نفسه، تسربت صور تُظهر حشود من الأفراد يتلقون رواتبهم والمواد الغذائية الأساسية، مما يشير إلى أن الرسائل لا يتم أخذها على محمل الجد من قبل المواطنين أو السلطات على حد سواء.

على الرغم من الرسائل الصادرة من دمشق ومفادها أن "كل شيء على ما يرام"، إلّا أنه تم بالكامل عزل بلدة الدوير في المحافظة بعد أن خرج الفيروس عن نطاق السيطرة هناك

وبالمثل، تم تعليق وسائل النقل العام، وحتى تم إغلاق جامع السيدة زينب ـ الذي يعتمد عليه النظام والميليشيات المدعومة من إيران لنشر دعايتهم ـ حتى 15 مارس. ومع ذلك، جاءت هذه الخطوة بعد فوات الأوان، حيث أن العديد من المقاتلين والحجاج الأجانب الذين تجمعوا هناك بأعداد كبيرة قبل الإغلاق قد عادوا بالفعل إلى بلدانهم الأصلية (خاصة العراق) مصابين بفيروس كورونا.

وفي الوقت نفسه، يقود رجل الأعمال وعضو "مجلس الشعب" السوري محمد حمشو الجهود لتوزيع المواد الغذائية ومعدات التعقيم. ومع ذلك، فهو يخضع لعقوبات دولية وشريك مرتبط بنظام أثبت أنه غير جدير بالثقة طوال الأزمة. وكثيراً ما تعاونت دمشق مع الجهود التي بدأها مواطنون عاديون ونشطاء المجتمع المدني في حلب ودرعا والسويداء ومناطق أخرى لتعكس صورة "التآزر" تحت قيادة الأسد. 

والأسوأ من ذلك أن وزارة الصحة ذكرت بعبثية في 30 مارس أنه تم اكتشاف عشر حالات فقط في جميع أنحاء سوريا، مع وفاة شخصين ـ على الرغم من حقيقة أن الأطباء أخبروا صحيفة "ذي ناشيونال" قبل أربعة أيام من ذلك التاريخ أن ما لا يقل عن خمسين مريضا ماتوا في مستشفى واحد فقط في دمشق.

كما أن رد النظام يدعو للتشكيك في سيادته على البلاد. فوفقا لناشطين مناهضين للنظام، وُضِع الآن العديد من المقاتلين المدعومين من إيران في الحجر الصحي بالقرب من الخطوط الأمامية في إدلب وحلب. وأفادت بعض التقارير أن آلاف المقاتلين الشيعة المنتشرين هناك تجاهلوا إجراءات احتواء تفشي الفيروس التي أصدرها الأسد ـ على سبيل المثال، قامت ميليشيات "كتائب الإمام الحسين" و"قوات الرضا" و"لواء الفاطميون" بتنظيم احتفالات دينية ومسابقات رياضية خلال الأسبوعين الماضيين. وأدّت مثل هذه التقارير إلى دفع السوريين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة إلى الدعوة إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع مناطق النظام.

وبالمثل، قاد "حزب الله" اللبناني المعركة ضد فيروس "كوفيد-19" في مناطق يُفترَض أنها تحت سيطرة النظام في محافظة دير الزور. وعلى الرغم من الرسائل الصادرة من دمشق ومفادها أن "كل شيء على ما يرام"، إلّا أنه تم بالكامل عزل بلدة الدوير في المحافظة بعد أن خرج الفيروس عن نطاق السيطرة هناك.

حكومة الإنقاذ: تكنوقراطية لكنها تفتقر إلى الموارد

قبل تفشي الوباء، كانت "حكومة الإنقاذ" ـ "هيئة تحرير الشام"، الجبهة المدنية للتحالف الجهادي القيادي في إدلب ـ مثّقلة بقلّة الموارد بسبب الهجمات اللانهائية للنظام وللمتحالفين معه. ووفقا لمدير منظمة "الخوذ البيضاء"، رائد الصالح، تم تدمير 70 في المئة من البنية التحتية الصحية/الطبية في أراضيها. 

وتشير مجموعة "منسقو استجابة سوريا"، وهي منظمة غير حكومية محلية، إلى أن سكان المنطقة الذي يزيد عددهم عن 4 ملايين نسمة ليس لديهم سوى 1,689 سرير في المستشفيات و243 وحدة رعاية مكثفة و107 أجهزة إنعاش رئوية و32 وحدة عزل صحي. وبالتالي، هناك احتمال إعطاء الأولوية للمصابين بكورونا وتفضيلهم على أولئك الذين يعانون من الأمراض والإصابات الناجمة عن الحرب في الأشهر المقبلة، مما يؤدي إلى وفاة المزيد من الأفراد بشكل غير مباشر.

وعلى الرغم من هذه التحديات، بدأت وزارة الصحة في "حكومة الإنقاذ" باتخاذ تدابير وقائية في وقت مبكر وبشكل أكثر شمولا من نظام الأسد، بما في ذلك ما يلي:

●      توزيع إشعارات توجيهية على السائقين

●      إصدار شريط فيديو إعلامي ومقالات من قبل وزير الصحة

●      رسم رسوم كاريكاتورية على الجدران لتوضيح ما يفعله الأطفال وما لا يفعلوه

●      إجراء فحوصات لدرجة حرارة الجسم عند المعابر الحدودية مع تركيا

●      تعقيم المدارس والمساجد والمباني الحكومية وغيرها من البنى التحتية

●      إطلاق حملة توعية للنازحين في عفرين وريف إدلب وريف حلب

●      تقديم دروس حول فيروسات كورونا لرجال الدين

●      حمل الأطباء وعمداء كليات الطب على عقد منتديات محلية لشرح خطط "حكومة الإنقاذ" (مع تباعد اجتماعي مناسب بين الحاضرين)

●      إغلاق الأسواق

●      إقامة خيام للحجر الصحي لحاملي الفيروس المشتبه بهم إلى أن يتمكنوا من إجراء الاختبارات المناسبة

●      إطلاق تجربة "التعليم عن بُعد" عبر مقاطع فيديو مسجلة مسبقاً على تطبيق "واتساب" (على سبيل المثال، في الباب)

كما أنشأت السلطات في 23 مارس لجنة استجابة لحالات الطوارئ للتنسيق عبر الإدارة بأكملها، برئاسة عبد الله الشاوي نيابة عن رئيس "حكومة الإنقاذ".

الإدارة الذاتية: الوقاية من الفيروسات وسط ضغوط متعددة

على غرار "حكومة الإنقاذ"، تعاني "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي تسيطر عليها القيادة الكردية من نقصٍ في الموارد، بالإضافة إلى تعاملها مع القضايا التي كانت قائمة مسبقا: وعلى وجه التحديد آثار الغزو التركي في أكتوبر، واحتمال بروز تنظيم "الدولة الإسلامية" من جديد، الذي أصبح من الصعب التعامل مع أعضائه في منطقة دير الزور وداخل نظام السجون. 

وللتخفيف من وطأة هذا الوضع، تم إطلاق سراح بعض المعتقلين السوريين غير الخطرين التابعين لتنظيم "الدولة الإسلامية" خلال الأسبوع الماضي، وذلك بواسطة اتفاقيات بين العشائر. ومن المرجح أن تعطي "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" الأولوية للرد على فيروس كورونا على المدى المتوسط، مما قد يمنح تنظيم "الدولة الإسلامية" مجالا أكبر للعودة.

ومما يزيد الأمور سوءا أنه ليس هناك مراكز لإجراء الفحوصات في المناطق التي تسيطر عليها "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، بعد أن خسرت المركز الوحيد الذي كان متوافرا لديها جرّاء الغزو التركي. لذلك، لا يسع السكان المحليين سوى الاعتماد على نظام الأسد الذي لم يأخذ [خطر] الفيروس على محمل الجد ويتطلب أكثر من أسبوع لإكمال عملية الاختبار. 

وفي تعقيدٍ إضافي، منعت "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عناصر النظام من دخول أراضيها لأنها تدرك أن درجة تفشي الفيروس [بين سكان الأراضي التي يسيطر عليها النظام] أكبر مما يكشف عنه الأسد.

وفي الوقت الحالي، ووفقاً لـ "مركز روج آفا للمعلومات"، لا تملك "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" سوى حوالي 150 جهاز للإنعاش الرئوي و35 سريراً للعناية المركزة، لسكان يبلغ عددهم مليوني نسمة، كما أن 64 في المئة فقط من مستشفياتها البالغ عددها 57 مستشفى تعمل بكامل طاقتها. 

فيروس كورونا يمنح واشنطن فرصة جديدة لإظهار قيادة حقيقية فيما يتعلق بسوريا

ولهذا السبب، أسرعت قوات الأمن الداخلي الكردية ("الأسايش") في إطلاق حملة مصوّرة على "يوتيوب" تحت شعار "ابقوا في منازلكم". واتخذت "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عدة إجراءات وقائية أخرى خلال الشهر الماضي، على النحو التالي:

14 مارس: تم إغلاق جميع المدارس والحدود ومنع التجمعات العامة. كما أنشأت السلطات فرقاً متنقلة ولوحات إعلانية لنشر الوعي حول كيفية احتواء الفيروس
17 مارس: بدأت حملات التعقيم في مختلف المباني الحكومية والدينية والمجتمع المدني
23 مارس: تم فرض حظر تجول، وتم تقييد الحركة بين المدن الكبرى
25 مارس: تم تثبيت أسعار المواد الغذائية من أجل وقف التلاعب
29 مارس: تم تقديم مساعدات مالية لمن فقدوا مصدر رزقهم
31 مارس: تم إنشاء "عيادة افتراضية" مجانية بمشاركة أكثر من خمسين طبيباً على تطبيق "واتساب".

مساعدة المنسيين

إن فيروس كورونا يمنح واشنطن فرصة جديدة لإظهار قيادة حقيقية فيما يتعلق بسوريا، وبشكل أساسي من خلال مساعدة أولئك الذين يعانون في مخيمات مكتظة بالسكان النازحين والمناطق ذات الإمدادات المحدودة. على واشنطن، أكثر من أي شيء آخر، الضغط على روسيا من خلال "مجلس الأمن الدولي" للسماح بتوفير المساعدة الطبية المباشرة وغيرها من المساعدات عبر الحدود التركية ـ السورية، لكي يمكن إيصالها بسرعة إلى كل من اللاجئين في منطقة إدلب الخاضعة لسيطرة "حكومة الإنقاذ" والسكان المحليين المعرّضين للخطر في الشمال الشرقي من البلاد الذي تسيطر عليه "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

وإذا لم يتحقق ذلك، يجب على إدارة ترامب تشكيل تحالف خاص بها لتحدي التعنت الروسي واتخاذ إجراءات إنسانية عن طريق تركيا لمد يد العون لمن هم في أمس الحاجة إلى المساعدات. وتبقى الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة لـ "منظمة الصحة العالمية"، لذا فإن المساعدات الدولية المباشرة لهذه الأجزاء من سوريا يجب أن تشكّل أولوية قابلة للتنفيذ الفوري بالنسبة لقادة العالم، وليس رهناً بموافقة النظام أو عدمها. وبغض النظر عما سيحدث بعد ذلك، فإن نمط التعتيم الذي يعتمده الأسد منذ أمد بعيد سيؤدي بالتأكيد إلى وفيات غير ضرورية، وقد لا يعرف المجتمع الدولي أبداً عدد السوريين الذين سيقعون ضحايا فيروس كورونا.

هارون زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن. عُلا الرفاعي هي زميلة في "برنامج غيدولد للسياسة العربية" في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

People eat their Iftar meal provided by a group of volunteers in a damaged neighbourhood, amid fear for the coronavirus disease…

في الأسبوع الماضي، أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، أن اللجنة الدستورية السورية التي أنشأت في سبتمبر 2019 تستطيع عقد اجتماعها المقبل حالما تسمح بذلك الظروف المتعلقة بالوباء العالمي الذي يسببه فيروس كورونا. 

ولم يتم تصميم هذه الآلية الضيقة لحل النزاع الدائر منذ سنوات عبر الحلول القانونية، بل لفتح نقاشٍ سياسي بين السوريين. ولكن على الرغم من قيود اللجنة، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها بذل المزيد من الجهود فيها، وإلا ستكون روسيا حرة في استغلال العملية الدستورية كوسيلة لتطبيع نظام الأسد دون معالجة أي من الأسباب الجذرية للحرب.

الدستور كأداة لانخراط روسيا

طوال سنوات، حاول مبعوثو الأمم المتحدة إيصال الأحزاب السورية إلى تسوية سياسية، ولكنهم وجدوا مساعيهم مشلولة بسبب موسكو التي دأبت بثبات على حماية النظام السوري من عواقب رفض التفاوض مع المعارضة. ورفضت الولايات المتحدة وأوروبا والدول الإقليمية المعنية التصدي لهذه الحماية من خلال تصعيد الأعمال العسكرية مع روسيا عند تدخّلها على الأرض، وبدلا من ذلك اقتصرت ضغوطها على العقوبات الاقتصادية والانخراط الدبلوماسي.

وبالتالي، اكتسب الإصلاح الدستوري زخما لأنه كان أحد المواضيع القليلة التي أبدى الدبلوماسيون الروس اهتماما بها. وفي الواقع كان العمل على وضع دستور جديد في محور النقاشات التي دارت بين الولايات المتحدة وروسيا في مارس 2015. وبعد شهرين من ذلك التاريخ، قدمت موسكو المسودة الأولى من الدستور التي تم رفضها بشكل قاطع من قبل جميع أطراف المعارضة السورية. 

من الضروري أيضا إجراء نوع من التشاور الأوسع مع الجالية السورية في الشتات للتعويض عن نقص الشفافية في عملية تعيين أعضاء اللجنة

وفي يناير 2017، قوبِلت المسودة الثانية بردٍّ مماثل. ومع ذلك، اقترح المسؤولون الروس في مايو 2017 عقد "مؤتمر مصالحة وطنية" في سوتشي، ثم ساعدوا النظام على اختيار الفصائل السورية التي ستتم دعوتها لمناقشة الدستور الجديد خلال المؤتمر. وبحلول نهاية ذلك العام، كان الإصلاح الدستوري أحد المقومات الجوهرية في مذكرة دانانغ المشتركة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب.

ويبدو أن موسكو كانت ولا تزال تنظر إلى الإصلاح الدستوري كإطار عمل مرن لإطلاق عملية دبلوماسية دولية وإسكات النقّاد في الغرب مع الحفاظ على نهجها السياسي والحد من نطاق ما قد يتضمنه "التغيير" في سوريا في نهاية المطاف. وعلى الرغم من دعوة قرار مجلس الأمن رقم 2254 إلى قيام عملية سياسية مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية ـ حكومة انتقالية، انتخابات حرة ونزيهة، ودستور جديد ـ إلا أن روسيا عملت تدريجيا على تخفيف النقاش وحصره بالعنصر الأخير وحده.

الدستور كـ "غموض بَنّاء"

بينما تعمل الأطراف الفاعلة الدولية على حث السوريين على الاهتمام بالقضايا التي يجب عليهم اتخاذ القرارات بشأنها بأنفسهم ـ أي المبادئ الدستورية، وإصلاح الدولة، وترتيبات تقاسم السلطة ـ إلا أن هذه الأطراف، من كلا المقلبَين الموالي لنظام الأسد والمعارض له، تدرك جيدا أن طريقة فهمها لهذه الأمور تختلف فيما بينها. ومع ذلك، اعتبر المسؤولون الأجانب أنه من المفيد الحفاظ على هذا الغموض في الوقت الحالي كمحطة على الطريق المؤدي إلى المزيد من المناقشات المفصّلة.

وهكذا، عندما اقترحت روسيا وتركيا وإيران تشكيل لجنة دستورية خلال مؤتمر سوتشي في يناير 2018، تم قبول الفكرة لاحقا من قبل "المجموعة الصغيرة" (بريطانيا ومصر وفرنسا وألمانيا والأردن والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة) شريطة أن تبقى تحت الرعاية الكاملة للأمم المتحدة. وأظهرت هذه المجموعة تجاوبا مع العملية، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى قبول نظام الأسد بها، وبذلك أصبحت هذه الحالة الوحيدة التي تنخرط فيها دمشق في مفاوضات بشأن أي موضوع منذ عام 2011.

كما أنّ هذا الاقتراح منح النظامَ وداعميه الوقت الكافي لاستعادة الأراضي في مختلف أنحاء سوريا (نفس الديناميكية التي نشهدها اليوم في إدلب)، وفي الوقت نفسه إحباط الضغوط التي تمارَس عليه قبل الانتخابات الرئاسية في البلاد عام 2021. ومن جهتها، اعتبرت أوروبا وتركيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة اللجنة بمثابة "مفتاح" يتيح لها إعادة المعارضة السورية إلى المسار السليم وبناء الثقة دون مناقشة المصير الشخصي لبشار الأسد.

الإعداد غير الشفاف والأهداف غير الواضحة

على الرغم من أن اللجنة الدستورية كانت قائمة على تفاهم ضمني بأنها ستعمل على تنشيط العملية السياسية السورية المنصوص عليها في القرار 2254، إلا أن الأسد وإيران وروسيا وتركيا ماطلوا ثمانية عشر شهرا حتى الموافقة على تشكيلتها. وتم التوصل إلى حل وسط مبهم بشأن ثلاث فئات من الممثلين، هي: خمسون ممثلا من النظام، وخمسون من المعارضة، وخمسون من المجتمع المدني السوري، علما بأن أفراد هذه الفئة الأخيرة هم في الظاهر مرشحون من الأمم المتحدة ولكن بمعظمهم مفروضون إلى حد كبير من قبل موسكو وأنقرة.

لا يخفى أن الآمال في قيام عملية دستورية وانتخابية شفافة في سوريا ليست كبيرة

وكانت المشكلة الرئيسية الأخرى هي استبعاد شمال شرق سوريا، الذي نجم عن النزاع المفتوح بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"، الميليشيا الكردية التي تهيمن على المنطقة. وقد منعت أنقرة أي عضو من "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي تقودها "وحدات حماية الشعب" من المشاركة في اللجنة ـ وهي فرصة تم تضييعها لتهدئة التوترات بين الجانبين وتوضيح أهداف "وحدات حماية الشعب" فيما يتعلق باللامركزية مقابل الانفصالية.

ومن غير الواضح أيضا الهدف الرئيسي العام للجنة: هل تهدف إلى إصدار دستور جديد، أم مجرد الاكتفاء بتعديل الدستور الحالي؟ وما هي الآلية التي ستستعين بها للمصادقة على الميثاق الجديد: أهي استفتاء عام أو تصويت في البرلمان؟ وإذا كان الأخير هو الجواب، فهل سيتم انتخاب برلمان جديد قبل التصويت على الدستور؟

النظام مستمر في عرقتله وموسكو تسايره

على الرغم من أن الغموض البنّاء قد يسهّل أحيانا التقدم بشأن العناصر الأقل حساسية من العملية السياسية، إلا أنه يتعيّن على الأطراف المعنية في النهاية معالجة العناصر الجوهرية من النزاع، مهما بدت مستعصية. 

ومع ذلك، فبحلول نوفمبر 2019، وبعد عقد اجتماعَين للجنة الدستورية، منع النظام مجددا مناقشة القضايا الجوهرية وركّز محور المحادثات على محاربة "الإرهاب". وهذه المسألة بعيدة كل البعد عن القضايا الدستورية، وشكلت في أغلب الأحيان أداة استخدمها النظام للخلط بين المعارضة السياسية والتنظيمات الجهادية المسلحة في سوريا. 

كما رفضت دمشق مناقشة أي مسألة مرتبطة بالإشراف على الجيش، معتبرة هذا الأمر "خطا أحمر" ـ على الرغم من أن السلطة المدنية على القوات العسكرية هي قضية دستورية أساسية في البلدان في جميع أنحاء العالم. 

وفي الآونة الأخيرة، ألمح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى أنه تم إيجاد ترتيبات جديدة لاستئناف المحادثات الجوهرية، ولكن الوباء العالمي منع الأطراف المعنية من تحديد موعد اجتماع جديد.

إن هدف النظام واضح، ويتمثل بتأجيل اللجنة لفترة كافية إلى حين قيام الأسد بإجراء الانتخابات الرئاسية لعام 2021 بموجب الدستور الحالي (والفوز بها). ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستكون روسيا مستعدة لاستخدام أسلوب الترهيب والترغيب لإقناع دمشق بضرورة المشاركة في المحادثات المشروعة. وهذه هي نفس الظروف التي عرقلت مفاوضات الأمم المتحدة في جنيف على مدى سنوات طويلة ـ بمباركة موسكو، فدمشق تحاول خنق العملية ببطء، بينما يحكم الأسد بلدا مدمرا، ويسمح مؤقتا ببقاء بعض أجزائه تحت النفوذ التركي.

الاستثمار في اللجنة ـ أو إنهائها إذا لزم الأمر

لا يوجد حل سحري للجمود الراهن، خاصة إذا قررت واشنطن مواصلة انسحابها العسكري الذي بدأته في خضم التوغل التركي إلى شمال شرق سوريا في أكتوبر 2019. وسيؤدي عدم انخراط الولايات المتحدة وحلفائها بحزمٍ أكبر في مسألة اللجنة الدستورية وغيرها من القضايا السياسية، إلى إضعاف موقفها بصورة أكبر. وفي غضون ذلك، تستغل روسيا والنظام السوري كل فرصة ممكنة لتعزيز نفوذهما في المجتمع الدولي، كما أظهرت بوضوح مفاوضات مجلس الأمن الدولي في يناير بشأن وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود.

لذلك، من الضروري بشكل طارئ أن تتخذ واشنطن وحلفاؤها قرارا حاسما بشأن اللجنة الدستورية ـ أولا لدعمها وإعطائها فرصة حقيقية للنجاح، ومن ثم إنهائها إذا لم تحقق الهدف الذي أُنشأت من أجله خلال الشهرين المقبلين. ويشمل ذلك ربط عقوبات إضافية بكل حالة من حالات العرقلة من قبل النظام، وتقديم الدعم التقني والمالي لممثلي اللجنة من المعارضة والمجتمع المدني. 

كانت المشكلة الرئيسية الأخرى هي استبعاد شمال شرق سوريا، الذي نجم عن النزاع المفتوح بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"

ومن الضروري أيضا إجراء نوع من التشاور الأوسع مع الجالية السورية في الشتات للتعويض عن نقص الشفافية في عملية تعيين أعضاء اللجنة ـ على وجه الخصوص، يجب على أوروبا وتركيا والولايات المتحدة توفير أُطرا [تآزرية] للسوريين خارج سوريا للتعبير عن آرائهم بشأن الإصلاح الدستوري.

ومن شأن هذه الخطوات أن تضع الكرة بحزم في ملعب روسيا، مما يجبرها على دفع النظام إلى المساهمة في صياغة مسودة دستورية جادة. وإذا لم تكمّل اللجنة عملها قبل موسم الانتخابات بوقت طويل في عام 2021، ينبغي على المسؤولين الأميركيين والأوروبيين أن يكونوا على استعداد للمطالبة بحلّ اللجنة.

فيما يتخطى الدستور

بطبيعة الحال، حتى الدستور الجديد المُصاغ بوساطة شرعية لن يمثل سوى الخطوة الأولى في عملية طويلة ـ وبمفرده، لن ينهي الميثاق معاناة الشعب ولن يمكّن مئات آلاف اللاجئين من العودة إلى ديارهم. لذلك يجب على الأمم المتحدة وضع الخطوات التي يمكن أن تلي نجاح اللجنة الدستورية، مثل تصميم آلية رقابة قوية على الانتخابات الرئاسية، وإعداد خيارات تصويت آمنة وحيادية للمغتربين.

ولا يخفى أن الآمال في قيام عملية دستورية وانتخابية شفافة في سوريا ليست كبيرة. ومع ذلك، ستزداد حظوظها إذا بذلت الولايات المتحدة وأوروبا جهود مصممة بعناية وإتقان ـ أو على الأقل إذا مُنِعت روسيا من إعطاء صورة مزيفة عن عملية غير مشروعة.

المصدر: منتدى فكرة