Syrian women sew protective masks against the coronavirus COVID-19 at a workshop belonging to humanitarian organisation…
نساء سوريات يصنعن كمامات في إدلب

في 22 مارس، اعترف أخيرا وزير الصحة السوري نزار يازجي من على شاشة التلفزيون بأول إصابة رسمية بفيروس كورونا في البلاد، بعد أسابيع من بدء انتشار شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي عن وصول الوباء إلى هناك. 

وعلى الرغم من أنه لم يتم الكشف عن البلد الأصلي للمريض، إلّا أن العديد من السوريين خشوا أن الوجود المكثف للميليشيات الشيعية الإيرانية والأجنبية على أراضيهم يمكن أن يشكل تهديدا كبيرا للصحة العامة نظرا لدور الجمهورية الإسلامية الموثق جيدا في نشر المرض. 

ومع تنامي الأزمة، ستتعرض كل إدارة من الإدارات الثلاث التي تسيطر على أجزاء مختلفة من البلاد لضغوط شديدة لتجنب وقوع كوارث إنسانية نظرا لافتقارها إلى الموارد والتحديات الرئيسية الأخرى ـ خاصة في منطقة إدلب الحدودية الصغيرة المكتظة بالسكان، والتي تضم الآن مئات آلاف المشردين (النازحين داخليا) مع مأوى غير مناسب إلى حد كبير.

نظام الأسد: التلاعب في حالات الطوارئ

من خلال إنكاره وجود الوباء في سوريا لمدة شهرين كاملين، اعتمد النظام على دعايته المعتادة بأن البلاد "بخير" في ظل زعامة بشار الأسد و"محمية من الله". ومع ذلك، تغيّر فحوى الرسائل في منتصف مارس، عندما أشارت منشورات مواقع التواصل الاجتماعي المحلية والتقارير الإخبارية المستقلة إلى انتشار المرض. وحاليا، يحاول النظام الاستفادة من الأزمة كفرصة لحشد الدعم المحلي والدولي، بينما يدعو إلى رفع العقوبات الاقتصادية، على الرغم من أن أياً من العقوبات المعنية لا تستهدف القطاع الطبي.

وبالفعل، فبالنسبة لكل خطوة منع واحتواء تبدو إيجابية التي اتخذها النظام (في وقت متأخر وبما يخدم مآربه)، يمكن للمرء أن يجد دليلا أكبر على عدم فعاليتها. على سبيل المثال، نشرت "وكالة الأنباء العربية السورية" فيديو بعنوان "معا ضد كورونا"، يشير إلى أن تفشي المرض يشكل تهديدا لجميع المواطنين ويوصي بكيفية تقليل انتشاره. 

وبالمثل، فإن اللوحات الإعلانية والنشرات الإعلانية حول أهمية النظافة الشخصية الجيدة والتشتيت الاجتماعي، بدأت في الظهور في شوارع دمشق لتشجيع الناس على البقاء في منازلهم. ولكن في الوقت نفسه، تسربت صور تُظهر حشود من الأفراد يتلقون رواتبهم والمواد الغذائية الأساسية، مما يشير إلى أن الرسائل لا يتم أخذها على محمل الجد من قبل المواطنين أو السلطات على حد سواء.

على الرغم من الرسائل الصادرة من دمشق ومفادها أن "كل شيء على ما يرام"، إلّا أنه تم بالكامل عزل بلدة الدوير في المحافظة بعد أن خرج الفيروس عن نطاق السيطرة هناك

وبالمثل، تم تعليق وسائل النقل العام، وحتى تم إغلاق جامع السيدة زينب ـ الذي يعتمد عليه النظام والميليشيات المدعومة من إيران لنشر دعايتهم ـ حتى 15 مارس. ومع ذلك، جاءت هذه الخطوة بعد فوات الأوان، حيث أن العديد من المقاتلين والحجاج الأجانب الذين تجمعوا هناك بأعداد كبيرة قبل الإغلاق قد عادوا بالفعل إلى بلدانهم الأصلية (خاصة العراق) مصابين بفيروس كورونا.

وفي الوقت نفسه، يقود رجل الأعمال وعضو "مجلس الشعب" السوري محمد حمشو الجهود لتوزيع المواد الغذائية ومعدات التعقيم. ومع ذلك، فهو يخضع لعقوبات دولية وشريك مرتبط بنظام أثبت أنه غير جدير بالثقة طوال الأزمة. وكثيراً ما تعاونت دمشق مع الجهود التي بدأها مواطنون عاديون ونشطاء المجتمع المدني في حلب ودرعا والسويداء ومناطق أخرى لتعكس صورة "التآزر" تحت قيادة الأسد. 

والأسوأ من ذلك أن وزارة الصحة ذكرت بعبثية في 30 مارس أنه تم اكتشاف عشر حالات فقط في جميع أنحاء سوريا، مع وفاة شخصين ـ على الرغم من حقيقة أن الأطباء أخبروا صحيفة "ذي ناشيونال" قبل أربعة أيام من ذلك التاريخ أن ما لا يقل عن خمسين مريضا ماتوا في مستشفى واحد فقط في دمشق.

كما أن رد النظام يدعو للتشكيك في سيادته على البلاد. فوفقا لناشطين مناهضين للنظام، وُضِع الآن العديد من المقاتلين المدعومين من إيران في الحجر الصحي بالقرب من الخطوط الأمامية في إدلب وحلب. وأفادت بعض التقارير أن آلاف المقاتلين الشيعة المنتشرين هناك تجاهلوا إجراءات احتواء تفشي الفيروس التي أصدرها الأسد ـ على سبيل المثال، قامت ميليشيات "كتائب الإمام الحسين" و"قوات الرضا" و"لواء الفاطميون" بتنظيم احتفالات دينية ومسابقات رياضية خلال الأسبوعين الماضيين. وأدّت مثل هذه التقارير إلى دفع السوريين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة إلى الدعوة إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع مناطق النظام.

وبالمثل، قاد "حزب الله" اللبناني المعركة ضد فيروس "كوفيد-19" في مناطق يُفترَض أنها تحت سيطرة النظام في محافظة دير الزور. وعلى الرغم من الرسائل الصادرة من دمشق ومفادها أن "كل شيء على ما يرام"، إلّا أنه تم بالكامل عزل بلدة الدوير في المحافظة بعد أن خرج الفيروس عن نطاق السيطرة هناك.

حكومة الإنقاذ: تكنوقراطية لكنها تفتقر إلى الموارد

قبل تفشي الوباء، كانت "حكومة الإنقاذ" ـ "هيئة تحرير الشام"، الجبهة المدنية للتحالف الجهادي القيادي في إدلب ـ مثّقلة بقلّة الموارد بسبب الهجمات اللانهائية للنظام وللمتحالفين معه. ووفقا لمدير منظمة "الخوذ البيضاء"، رائد الصالح، تم تدمير 70 في المئة من البنية التحتية الصحية/الطبية في أراضيها. 

وتشير مجموعة "منسقو استجابة سوريا"، وهي منظمة غير حكومية محلية، إلى أن سكان المنطقة الذي يزيد عددهم عن 4 ملايين نسمة ليس لديهم سوى 1,689 سرير في المستشفيات و243 وحدة رعاية مكثفة و107 أجهزة إنعاش رئوية و32 وحدة عزل صحي. وبالتالي، هناك احتمال إعطاء الأولوية للمصابين بكورونا وتفضيلهم على أولئك الذين يعانون من الأمراض والإصابات الناجمة عن الحرب في الأشهر المقبلة، مما يؤدي إلى وفاة المزيد من الأفراد بشكل غير مباشر.

وعلى الرغم من هذه التحديات، بدأت وزارة الصحة في "حكومة الإنقاذ" باتخاذ تدابير وقائية في وقت مبكر وبشكل أكثر شمولا من نظام الأسد، بما في ذلك ما يلي:

●      توزيع إشعارات توجيهية على السائقين

●      إصدار شريط فيديو إعلامي ومقالات من قبل وزير الصحة

●      رسم رسوم كاريكاتورية على الجدران لتوضيح ما يفعله الأطفال وما لا يفعلوه

●      إجراء فحوصات لدرجة حرارة الجسم عند المعابر الحدودية مع تركيا

●      تعقيم المدارس والمساجد والمباني الحكومية وغيرها من البنى التحتية

●      إطلاق حملة توعية للنازحين في عفرين وريف إدلب وريف حلب

●      تقديم دروس حول فيروسات كورونا لرجال الدين

●      حمل الأطباء وعمداء كليات الطب على عقد منتديات محلية لشرح خطط "حكومة الإنقاذ" (مع تباعد اجتماعي مناسب بين الحاضرين)

●      إغلاق الأسواق

●      إقامة خيام للحجر الصحي لحاملي الفيروس المشتبه بهم إلى أن يتمكنوا من إجراء الاختبارات المناسبة

●      إطلاق تجربة "التعليم عن بُعد" عبر مقاطع فيديو مسجلة مسبقاً على تطبيق "واتساب" (على سبيل المثال، في الباب)

كما أنشأت السلطات في 23 مارس لجنة استجابة لحالات الطوارئ للتنسيق عبر الإدارة بأكملها، برئاسة عبد الله الشاوي نيابة عن رئيس "حكومة الإنقاذ".

الإدارة الذاتية: الوقاية من الفيروسات وسط ضغوط متعددة

على غرار "حكومة الإنقاذ"، تعاني "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي تسيطر عليها القيادة الكردية من نقصٍ في الموارد، بالإضافة إلى تعاملها مع القضايا التي كانت قائمة مسبقا: وعلى وجه التحديد آثار الغزو التركي في أكتوبر، واحتمال بروز تنظيم "الدولة الإسلامية" من جديد، الذي أصبح من الصعب التعامل مع أعضائه في منطقة دير الزور وداخل نظام السجون. 

وللتخفيف من وطأة هذا الوضع، تم إطلاق سراح بعض المعتقلين السوريين غير الخطرين التابعين لتنظيم "الدولة الإسلامية" خلال الأسبوع الماضي، وذلك بواسطة اتفاقيات بين العشائر. ومن المرجح أن تعطي "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" الأولوية للرد على فيروس كورونا على المدى المتوسط، مما قد يمنح تنظيم "الدولة الإسلامية" مجالا أكبر للعودة.

ومما يزيد الأمور سوءا أنه ليس هناك مراكز لإجراء الفحوصات في المناطق التي تسيطر عليها "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، بعد أن خسرت المركز الوحيد الذي كان متوافرا لديها جرّاء الغزو التركي. لذلك، لا يسع السكان المحليين سوى الاعتماد على نظام الأسد الذي لم يأخذ [خطر] الفيروس على محمل الجد ويتطلب أكثر من أسبوع لإكمال عملية الاختبار. 

وفي تعقيدٍ إضافي، منعت "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عناصر النظام من دخول أراضيها لأنها تدرك أن درجة تفشي الفيروس [بين سكان الأراضي التي يسيطر عليها النظام] أكبر مما يكشف عنه الأسد.

وفي الوقت الحالي، ووفقاً لـ "مركز روج آفا للمعلومات"، لا تملك "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" سوى حوالي 150 جهاز للإنعاش الرئوي و35 سريراً للعناية المركزة، لسكان يبلغ عددهم مليوني نسمة، كما أن 64 في المئة فقط من مستشفياتها البالغ عددها 57 مستشفى تعمل بكامل طاقتها. 

فيروس كورونا يمنح واشنطن فرصة جديدة لإظهار قيادة حقيقية فيما يتعلق بسوريا

ولهذا السبب، أسرعت قوات الأمن الداخلي الكردية ("الأسايش") في إطلاق حملة مصوّرة على "يوتيوب" تحت شعار "ابقوا في منازلكم". واتخذت "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عدة إجراءات وقائية أخرى خلال الشهر الماضي، على النحو التالي:

14 مارس: تم إغلاق جميع المدارس والحدود ومنع التجمعات العامة. كما أنشأت السلطات فرقاً متنقلة ولوحات إعلانية لنشر الوعي حول كيفية احتواء الفيروس
17 مارس: بدأت حملات التعقيم في مختلف المباني الحكومية والدينية والمجتمع المدني
23 مارس: تم فرض حظر تجول، وتم تقييد الحركة بين المدن الكبرى
25 مارس: تم تثبيت أسعار المواد الغذائية من أجل وقف التلاعب
29 مارس: تم تقديم مساعدات مالية لمن فقدوا مصدر رزقهم
31 مارس: تم إنشاء "عيادة افتراضية" مجانية بمشاركة أكثر من خمسين طبيباً على تطبيق "واتساب".

مساعدة المنسيين

إن فيروس كورونا يمنح واشنطن فرصة جديدة لإظهار قيادة حقيقية فيما يتعلق بسوريا، وبشكل أساسي من خلال مساعدة أولئك الذين يعانون في مخيمات مكتظة بالسكان النازحين والمناطق ذات الإمدادات المحدودة. على واشنطن، أكثر من أي شيء آخر، الضغط على روسيا من خلال "مجلس الأمن الدولي" للسماح بتوفير المساعدة الطبية المباشرة وغيرها من المساعدات عبر الحدود التركية ـ السورية، لكي يمكن إيصالها بسرعة إلى كل من اللاجئين في منطقة إدلب الخاضعة لسيطرة "حكومة الإنقاذ" والسكان المحليين المعرّضين للخطر في الشمال الشرقي من البلاد الذي تسيطر عليه "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

وإذا لم يتحقق ذلك، يجب على إدارة ترامب تشكيل تحالف خاص بها لتحدي التعنت الروسي واتخاذ إجراءات إنسانية عن طريق تركيا لمد يد العون لمن هم في أمس الحاجة إلى المساعدات. وتبقى الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة لـ "منظمة الصحة العالمية"، لذا فإن المساعدات الدولية المباشرة لهذه الأجزاء من سوريا يجب أن تشكّل أولوية قابلة للتنفيذ الفوري بالنسبة لقادة العالم، وليس رهناً بموافقة النظام أو عدمها. وبغض النظر عما سيحدث بعد ذلك، فإن نمط التعتيم الذي يعتمده الأسد منذ أمد بعيد سيؤدي بالتأكيد إلى وفيات غير ضرورية، وقد لا يعرف المجتمع الدولي أبداً عدد السوريين الذين سيقعون ضحايا فيروس كورونا.

هارون زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن. عُلا الرفاعي هي زميلة في "برنامج غيدولد للسياسة العربية" في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.