In this picture taken on April 2, 2019, surveillance cameras are seen above tourists as they visit Tiananmen Square in Beijing…
النظام الصيني الشمولي يضع أكثر من 300 مليون كاميرا مراقبة في الفضاءات العامة

يتميز التفكير المنطقي/ المنهجي بأنه تفكير متعدد الأبعاد. ومهما تجاوز أو تجوّز أو تجاهل؛ فلن يتجاوز أو يتجاهل "السياق" الذي يشترط البُعْدَ التاريخي؛ كما لن يتجاوز أو يتجاهل العلائق الضرورية/ عناصر البنية الأساسية في موضوع التفكير. فهو/ التفكير المنهجي لا يتحقق إلا من خلال كونه تفكيرا تاريخيا وبنيويا في آن، إذ بمقدار ما يتجاوز ـ بتاريخيّته ـ اللحظةَ/ الظرفَ العابر/ الآني؛ ينفتح على أهمِّ مكونات الظاهرة، وأهم علائقها، التي قد يكون بعضها غير ظاهر للعيان.

التفكير اللّحْظَوي ليس "تفكيرا" من الأساس. وصفه بـ"بالتفكير" هو من باب التجوّز؛ لا الحقيقة. هذا التفكير في حقيقته مجرد تعبير عن مشاعر/ عن وجدانيات آنية، لَحْظيّة مشدودة إلى هذا الحدث أو ذاك، بل مشدودة إلى زاوية واحدة أو بُعْدٍ واحد من أبعاد الحدث. وهي لا تَنْشَدُّ إليه إلا لأنه هو الذي صادف متطلبات "التفكير الرغبوي" في ظرف ما/ في لحظة ما. ومن ثمَّ، ليس غريبا أن يضطرب، بل ويتناقض صاحب هذا "التفكير!" بين اللحظة واللحظة التي تليها؛ لأن المُنَبِّهَات السلوكية/ العاطفية التي تُثِير رُدودَ أفعاله ليست متسقة في معظم الأحوال.

يظهر هذا "التفكير اللحظوي" أشد ما يظهر في ردود أفعال الجماهير التي لا تهتم ـ من حيث هي ردود أفعال وجدانية ـ بالسياقات المنهجية/ العقلية؛ بقدر ما تهتم بالتعبير الحيّ المباشر عن مشاعرها تجاه الأحداث التي تُسْتَثار بواسطتها. وطبعا، يدخل في مصطلح "الجماهير": الأغلبية الساحقة من أولئك الذين يظنون أنهم "يُفَكِّرُون" إذ يطرحون آراءهم إعلاميا في هذا الحدث أو ذاك، فليس كل مقول/ كل مكتوب هو "تفكير" في الحقيقة؛ ما دام ليس أكثر من رد فعل عاطفي يُعبِّر به صاحبه عن موقفه الذي هو موقف وجداني في الأساس.

يُدير النموذج الصيني الشمولي مجاله السيادي بطريقة تنفي الفرد لحساب الجماعة

لهذا، تجد أن كثيرين (ومنهم كثير من أولئك الذين يتوهّمون أنفسهم مفكرين/ باحثين) لا يتجاوزون التفكيرَ الجماهيريَّ الرغبويَّ اللحظويَّ، ومن هنا، فهم مضطربون متناقضون تجاه الحادثة/ الواقعة ذاتها؛ ما بين لحظة وأخرى؛ فضلا عن تناقضهم واضطرابهم تجاه الوقائع المتشابهة في اللحظات المتباينة. وفي مثل هذه الحال، تجد أن أساس تغيّر السلوك (تغيّر التفكير!) ليس مُتغيّرا منهجيا، فلا شيء استجد في الواقعة، أو حتى في منهج "الباحث"، بل هو مجرد رد فعل وجداني على متغيرات جزئية/ أحادية البعد في الظاهرة/ الواقعة التي استثارت ردود الأفعال.

فمثلا، يكون الرئيس العراقي/ صدام حسين طاغية دكتاتورا عند هذا "المفكر" أو عند ذاك الإعلامي. لكن، قد يكون هذا المفكر/ الإعلامي "سنيّا"؛ فيستثار عاطفيا بفعل المسلكيات الطائفية لعراق ما بعد صدام. وهنا ينقلب على توصيفه الأول؛ ويُعيد تقييمه لـ"صدام"، ليس على أساس معلومات جديدة توفرت له بشأنه، أو على أساس متغيرات نسقية في منهجه، بل فقط كـ"رد فعل لحظي" عابر على مُسْتَفزات الحراك الطائفي الآني/ اللحظي/ المباشر الذي تحوّل ـ بفضله، وبفضل التفكير اللحظوي المُسْتفَزّ المُعَاين لهذا الحراك ـ صداّم حسين من طاغية مجرم إلى بطل مجيد!

وكما يتفاعل هؤلاء "اللحظويون" السذّج مع "ظاهرة صدام" بما يشبه الصدمة الظرفية، تجدهم يتفاعلون مع الغرب أيضا على هذا النحو من الاستغراق في اللحظة أو الغرق فيها. فمثلا، في لحظة ابتعاث دراسي، في سياقٍ تعليميٍ مُبهر، أو في سياق استشفاء مُنقذٍ من قبضة موت محتوم، أو في لحظة إنصاف دولي يقف الغرب وراءه بقوته المادية والمعنوية (والإنصاف هنا تصور ذاتي!)، يكون الغرب هو العالم المتقدم، هو رمز الحضارة، ومصدر الاستنارة، وميزان العدل والإنصاف. ولكن هذا الغرب ذاته، إن قال عنّا ما لا يرضينا، إن وقف موقفا لا نراه منصفا (والإنصاف في تصوراتنا الذاتية الرغبوية هو ـ فقط ـ أن يقف معنا، وأن يُعبّر عن وجهة نظرنا)؛ فهو الغرب المتوحش العدواني المتآمر...إلخ هلوسات التفكير المأزوم.

إن التفكير اللحظوي بطبيعته تفكير جزئي. فجزء ـ ولو صغير أو هامشي ـ من الظاهرة، يستولى على مُجْمل الاهتمام، ويغطي على كل الأجزاء. مثلا، موقف يعجبني لشخص ما؛ يجعلني أحوّله من عدو إلى صديق، وموقف آخر لم يعجبني، يجعلني أحوّل به الصديق إلى عدو؛ جاهلا/ متجاهلا كل الحيثيات التي تُعبّر عن عشرات الألوف من المواقف المضادة لذلك الموقف اليتيم.

إن"اللحظويّة" هي ابنة اللحظة التي تكون بها كتاب كامل رهين صفحة. صفحة واحدة قادرة على إلغاء مئات الصفحات، وربما آلاف الصفحات. صفحة واحدة قد لا تُعْجبني من كتاب، أجعلها مدارَ الحكم على الكتاب كله بأنه كتاب سيء أو تافه، والعكس صحيح، فصفحة واحدة قد تعجبني؛ تجعلني أحكم على الكتاب كله بأنه كتاب عظيم وفريد في بابه؛ حتى ولو كان كتابا مليئا بالثغرات والمغالطات والأحكام الاعتباطية التي تدل على خلل منهجي واضح.

وكما تظهر كارثية "التفكير اللحظوي" على مستوى تقييم الأفراد ومنجزاتهم، تظهر أيضا على مستوى تقييم "اللحظويين" للمجتمعات والحكومات والدول، بل وللحضارات، فاللحظوي يبدو عاجزا ـ وربما غير راغب ـ عن رؤية الصورة الكاملة في رحلتها التاريخية الطويلة نحو الكمال/ نحو التكامل، أي عن رؤية الصورة بعمومها؛ بعيدا عن استثناءاتها الجزئية الهامشية العابرة. وهذا ما يجعلنا لا نعجب من كون تصريح لفرد غير مسؤول في دولة ما، يُثير غضبَ واستنكار شعب (أكثرية الشعب: الجماهير/ الدهماء) في الدولة أخرى، ويصل الغضب إلى حد الحكم على كل فرد في تلك الدولة التي صدر منها التصريح الغاضب بأنهم "أعداء"، بينما يستطيع تصريح آخر مضاد، وعلى لسان فرد أيضا، أن يقلب هذا الحكم اللحظوي الجماهيري إلى نقيضه؛ ليتحول "الأعداء" إلى "أصدقاء" بمجرد تصريح فردي، هو في النهاية تصريح جزئي ولحظوي عابر كالتصريح الأول.

وتتضاعف مستويات التأزم في التفكير عندما يتفاعل "التفكير اللحظوي" مع "التفكير الرغبوي". وهما ـ في معظم الأحيان ـ متفاعلان، بحيث يُغَذِّي أحدهما الآخر؛ بقدر ما يشترطه؛ لأنهما ـ في الأصل ـ صادران عن منطق عاطفي/ وجداني مشدود إلى "رغبة"؛ هي ـ بطبيعتها الوجدانية ـ "لحظية"، وبالتالي، متقلبة بتقلب العواطف والمشاعر ذات الارتباط الوثيق بالذاتي/ باللاماضوي.

وحقا، لا يوجد موضوع تتجلى فيه معالم "التفكير اللحظوي" بالتعالق مع "التفكير الرغبوي"؛ كما هو حاصل في موضوع: علاقة الذات العربية/ الإسلامية بالغرب؛ إذ هو ـ في هذا السياق ـ تفكير لحظوي رغبوي صادر عن إرادة واعية في الغالب، وعن مسلك فكري/ وجداني غير واع في معظم الأحيان.

اليوم، وفي سياق الشماتة بالغرب جراء وباء الفيروس الصيني، ومع الإشادة بالشرق/ الصين (الشرق/ الصين: النموذج القريب من التصورات الثقافية العربية العميقة)، نجد ملامح "التفكير اللحظوي ـ الرغبوي" واضحة في ردود أفعال جماهيرنا وإعلامنا، بل هي فاقعة الألوان في تعبيرها عن هذا المنحى اللاّعقلاني. ثمة "رغبة" راسخة في الأعماق تنتشي بسقوط الغرب، أو بما يشي بسقوط الغرب، وفي الواقع، ثمة "لحظة" يتفوق فيها الشرق/ الصين على الغرب في قدرته على درء خطر وباء داهم، هو ـ في مصدره ـ وباء صيني.

في النظام الشمولي، الفرد مراقب على مدار الساعة، كل تفاصيل حياته تحت التوجيه والرصد

التفكير اللحظوي مشدود (باندهاش يتغذى في أعماقه اللاواعية من رغبة في مداواة الجرح النرجسي) بلحظة تفوّق شرقي، أي هو مشدود إلى جزء: مقطع زمني/ مقطع إجرائي/ هامش تنظمي، متجاهلا ملايين المعطيات السلبية التي تكتنف ـ تسبق وتحيط ـ الجزء/ الجانب الإيجابي. وفي المقابل، يتجاهل/ يجهل هذا التفكير منجز حضاري تطوري/ تراكمي يمتد لأكثر من سبعة قرون، ويتمدد معناه الإيجابي في ملايين المعطيات الإيجابية التي غيرّت وجه الأرض بالكلية، وقلبت حياة البشر، كل البشر ـ بِنِسَبٍ مُتفاوتة ـ من حال إلى حال.

يُدير النموذج الصيني الشمولي مجاله السيادي بطريقة تنفي الفرد لحساب الجماعة، وهي الجماعة التي تتحوّل ـ في النهاية ـ إلى مجرد شعار؛ لا مُتعيّنات فردية تُحَقّقه في الواقع. يسلب هذا النموذج الشمولي من الفرد "كل الحياة"؛ من الميلاد (بل من ما قبل الميلاد) إلى الموت، (بل وإلى ما بعد الموت)؛ ليمنح الجماعة لحظة إنقاذ عام في ظرف طارئ محدود في الزمان والمكان.

في هذا النظام الشمولي، الفرد مراقب على مدار الساعة، كل تفاصيل حياته تحت التوجيه والرصد، هو مُسَيّر في كل شيء بالأوامر والنواهي، الصارمة والقامعة، ثم الجزاء ثوابا لـ"الموطن الجيّد"، و عقابا "المواطن غير الجيد"، وكل شيء بمقدار دقيق. وهنا يتحول التطور التقني الذي أصبح عين السلطة التي لا تنام ولا تغفل ولا تسهو، إلى أداة لنفي حياة الإنسان، لاختصار الحياة إلى أبعد حد، ربما إلى درجة الصفر، بدل أن يكون هذا التطور أداة لتوسيع دائرة الحيوية الفردية، ومن ثم لتوسيع دائرة وجود الفرد، أي ليعيش وجوده على أوسع نطاق.

نعم، النظام الصيني الشمولي الذي يضع أكثر من 300 مليون كاميرا مراقبة في الفضاءات العامة (فضلا عن غيرها من تقنيات الرصد والتتبع التي وصل بعضها لاختراق أخص خصوصيات الأسر بضيوف/ مراقبين غرباء) قد ينقذ حياة لا تتعدى كونها مجرد أرقام، أقصد قد ينقذ حياة في مستوى وجودها البيولوجي، ولكنها حياة ـ في جوهرها ـ كموت، أو هي دون الموت.

أخيرا، النظام الشمولي الصيني الذي يُشيد به "التفكير اللحظوي" بالتعاضد مع "التفكير الرغبوي" لم ينشأ ويترسخ ويتعمق من فراغ، بل من ثقافة شرقية/ صينية داعمة للمسلك الجمعاني/الكلياني على حساب الفردي، ثقافة تتسامح مع القمع والإلغاء؛ إن لم تدعمه وتشيد به. ولم يوجد ـ في سياق التطور الثقافي الذي لم ينجز بعد ـ ما ينتقد هذه الثقافة، فضلا عما يدينها، فهي ثقافة لا تزال محصنة ضد كل نقد يمكن أن ينقلها من طورها اللاإنساني في مجمله إلى طور حداثي بحق، طور يتعانق مع آخر تطورات حقوق الإنسان على المستوى العالمي.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.