(FILES) In this file photo taken on April 24, 2009, Iraqi architect Rifat Chadirji is pictured at his home office in the…
المعماري العراقي الراحل رفعة الجاردجي

بالنسبة للمعماري العراقي الراحل رفعة الجاردجي، الذي وافته المنية قبل أيام قليلة في العاصمة البريطانية لندن، كانت العمارة رؤية ووعيا فلسفيا، لنمط علاقة البشر ببعضهم وفهمهم لأحوالهم وقراءتهم لكامل الوجود، أكثر من كونها مهنة أو حرفة، أو حتى صنعة جمالية. فالعمارة حسبه هي جزء من العلوم الإنسانية الأكثر عمقا وتركيبا، وليست مجرد فن أو هندسة.

رؤية الجادرجي كانت تستند على قائمتين مركبتين: فالعمارة هي في المحصلة حوار مجتمعي، تنتجه البنى والطبقات والأمزجة الاجتماعية، تعبر فيها عن ذاتها وخياراتها ومخيلتها الروحية. وهي حينما تفعل ذلك إنما تدخل في حوار متبادل بين مختلف مستويات ونزعات هذا المجتمع. 

العمارة إذ تفعل ذلك، فإنها بدورها تنتج المجتمع بشكل ما، أو تساهم في فعل ذلك. فمثلما تفرز المجتمعات "الكئيبة" أنماطا من العمران المحافظ والمعتم والعشوائي، فإن هذا العمران بدوره يعمل على إنتاج المجتمع، كمجتمع محافظ ومعتم وخال من الرؤية. فالعمارة حاضر وقيمة وذات دائمة في المجال العام، اليومي والمعاش، منظومة من القيم المكثفة ولغة وأداة للفعل الاجتماعي، وواحد من أهم الديناميكيات المؤثرة على الحياة العامة والمجتمعية.

كان العهد القومي المقدمة الموضوعية لانحلال الريف العراقي عبر إفراغه

الداعمة الأخرى كانت ترى أن العمارة جزء من حركة الحياة، يجب أن تستميت من سبيل وعي التحولات والتطورات التكنولوجية والاقتصادية والعلمية، لأنها في المحصلة استجابة لمطالب وتطلعات اجتماعية. 

فالعمارة حسب الجادرجي كانت تصنع التطلع بالضبط مثلما تنسج الذاكرة بالتراكم. فالبشر يعيشون في ذلكم المستويين من العلاقة مع العمران، ما راكمته عبر تاريخها، وما توعد بأن تكون عليه، استجابة لأنماط الحياة التي كانت والتي تعد بأن تكون عليه.

♦♦♦

لأقدار مريعة، فإن كل تفصيل من عمران العراق الراهن، إن كانت تصح كلمة "عمران"، يكاد أن يكون على عكس ما كان يتطلع ويراهن عليه الجادرجي. سواء على مستوى المتن العام الكلي، أو في البيئات المنزلية الذاتية.

إذا تغرق مدن وبلدات هذه البلاد بمزيج رهيب من العشوائيات المعتمة، الخالية من أية قيمة جمالية أو رؤية ذات ذاكرة أو تطلع. يحدث ذلك بالرغم من كميات الأموال والموارد التي تنهمر على البلاد، مما يثبت أن المسألة المعمارية ليس لها من علاقة وطيدة مع القضية الاقتصادي/المالية، بقدر ما هي تعبير وانعكاس لأحوال المجتمع العراقي ومؤسسات دولته، وعلاقة هذين المستويين مع العلوم الإنسانية والأوضاع السياسية والخيارات النفسية والاجتماعية.

عمران العراق الحالي، نتج عن تراكم أنماط من الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت على العراق خلال تاريخه الحديث، التي أفرزت وراكمت هذه الأشكال من العمران.

An Iraqi health worker sprays disinfecting liquid in the streets of the centre of the southern city of Basra on March 25, 2020,…
عن كورونا والصين والإعجاب العربي بها
إذا كانت تجربة فيروس كورونا مثالا صينيا على نوعية الخسارات الكبرى التي يتكبدها المجتمع والعالم عند غياب استقلال المؤسسات وشفافية صناعة القرار، فإن قبول العراق الدخول في صفقة كبرى مع الصين بذات الغياب في الاستقلال والشفافية، يعني أن الانقياد السهل وراء الإغراء الخادع الذي يمثله النموذج الصيني

فمثل كل الدول والكيانات حديثة التشكيل في منطقتنا، فإن العراق كان فضاء ريفيا للغاية في سنوات تشكيله الأولى، ولم تكن تملك مدنه القليلة والصغيرة إلا شيئا قليلا من تراث العمران العثماني، بعض المرافق العمومية المشيدة على شكل دور للخدمة العامة، وبعض منازل كبار الموظفين العموميين.

صحيح أن العهد الملكي أضاف هوية عمرانية ما، فسيحة وملونة، على مراكز المدن ومؤسساته العامة، والقليل جدا من منازل أبناء الطبقة المستحكمة. إلا أن الملكية بقيت "بخيلة" في توزيع خيارها العمراني، ليكون طبقيا ومدينيا فحسب، حُرمت منه طبقات الضعف العراقية، الريفية الفلاحية، التي تراكم عوزها من مختلف الأشياء، ومنها العمران.

كان الملكيون العراقيون شكلا أقل حدة من العمران الاستعماري، الذي كان يحتكر البهاء العمراني مثلما كان يحتكر سطوة وأداة النفوذ إلى قلب الفعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

البعثنة مثلما سعت لأن تقضي على كل ذاكرة وذات عراقية سابقة لها، وفي كافة القطاعات، وتعتبر نفسها مبتدأ التاريخ

عهد حكم القوميين الشعبويين، الذي شغل كامل عقد الستينيات، وليثبت مناقضته للعهد الملكي بكل تفاصيله، استقدم ملايين الريفيين إلى ضواحي المدن، ليحولهم إلى حطب في ديناميكيات سيطرته السياسية. 

كان العهد القومي المقدمة الموضوعية لانحلال الريف العراقي عبر إفراغه المتقادم، وتشويه المدن عبر إغراقها بالعشوائيات والتشييد المستعجل للأحياء الجديدة، بأية شروط كانت. 

كان ذلك العهد المقدمة الموضوعية التي أفرغت المجتمعات العراقية من شرطها المعماري، وبالتالي الجمالي والحقوقي، ولم يكن صدفة بأنه العهد الذي كرس من جديد نمط الرعايا، على حساب المواطنة.

♦♦♦

عهد البعث الطويل، الذي كان جمعا مريعا بين الاستبداد العسكري المصمم حول عبادة الفرد/القائد، التي أفرزت صدام حسين، بما كان يعنيه في الذات والمتن العراقي. جمع ذلك بالوفرة المالية التي تدفقت على البلاد منذ أوائل السبعينيات، بعد الارتفاع الاستثنائي لأسعار النفط، والذي أنتج "التنمية الانفجارية" طوال ذلك العقد.

كان المماثل العمراني للعهد البعثي الطويل يظهر في ثلاثة اتجاهات أو استعارات. فالبعثنة مثلما سعت لأن تقضي على كل ذاكرة وذات عراقية سابقة لها، وفي كافة القطاعات، وتعتبر نفسها مبتدأ التاريخ، فإنها قضت ومحقت كل منتج ومنجز عمراني سابق لها، بالذات منها تلك التي كانت في الفضاءات العامة.

An image grab from a handout video released by the Iraqi Prime Minster's Office shows Prime Minister-designate Mustafa Kadhemi…
من الزرفي إلى الكاظمي: التبعات على السياسات الأميركية
الزرفي والكاظمي من المعتدلين السياسيين والقوميين العراقيين الذين تربطهم علاقات جيدة بشركاء بغداد الدوليين. وكلاهما أيضا في محل شكوك عميقة من قبل المؤسسة الأمنية الإيرانية بسبب علاقتهما المقرّبة جدا من الولايات المتحدة

كان توجه البعث لتهديم نُصب الجندي المجهول التقليدي، الذي كان في ساحة الفردوس وسط العاصمة بغداد، والذي كان من تصميم المعماري رفعة الجادرجي نفسه، أكبر مؤشر على ذلك. فذلك النُصب الذي كان تعبيرا متخما بالإنسانية وأثار الفِقد في الذاكرة، حيث كان تصميما يشبه جسد أم الشهيد، التي من شدة ألمها ونواحها على أبنها، إنما صارت أشبه بخيمة تظلل جسده هو، تحرس روحه المفقودة. 

حُطم ذلك التعبير العمراني واستبدل بكتلة خرسانية بكماء وقاسية، كانت تمثالا للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. ذلك التمثال الذي كان إسقاطه عام 2003 لحظة تعبيرية عن نهاية الحقبة الصدامية.

استعارة البعث الثانية كانت في تشييد الصروح، الساحات والنُصب والمساحات شديدة الضخامة وقاسية التعبير، شيء بصري مناظر لما كانت تفعله الإمبراطوريات العسكرية التقليدية. إذ ثمة على الدوام سيوف وخوذ عسكرية وخيول وأعلام وعبارات مطلقة ومغلقة، تستميت في سبيل تكريس سطوة الحكم العسكري في المجال العام. 

كان نُصب "قوس النصر"، الذي كان على شكل سيفين ضخمين جدا، وقيل إنهما صُنعا من صهر خوذ الجنود الإيرانيين خلال سنوات الحرب الطويلة بين البلدين، كان تعبيرا عن ذلك الاستبداد والقسوة الرمزية العمرانية، التي كانت انعكاسا لما يماثلها في عالم الاجتماع السياسي الذي كان في البلاد.

في كل تفصيل من العمارة العراقية المنتجة في السنوات الأخيرة يمكن ملاحظة كمية البؤس وفقر المخيلة

كان تشييد نصب "قوس النصر"، المؤلف من السيف ومشهد صدام حسين وهو يعبره بخيله، إيذانا بنكوص العراق إلى ماضيه ما قبل المديني، فتلك العمارة أنتج العودة إلى القوانين والقضاء العشائري والحملة الإيمانية، التي غطت كامل عقد التسعينيات.

أخيرا، فإن العمران البعثي كان أسيرا لصندوق الثكنة، ما كان قادرا على مغادرتها في كل تفصيل. فمن قصور صدام التي كانت بالعشرات، مرورا بأبنية المؤسسات العامة والرسمية، وصولا لآلاف المجمعات السكنية المتناثرة، كان قانون الثكنة هو المسيطر على الذهن العمراني. فهي مجرد مربعات إسمنتية مغلقة، دون شرفات وتنويع وتفاوت في التشكيل، غارقة من مزيج من الألوان البنية والزيتية العسكرية. كانت الثكنة، كشكل مغلق ومكتمل، هي الحكم النهائي على فناء الحوار والمخيلة، وبالتالي التخلي عن مطلب ودعوة.

♦♦♦

عراق السنوات الأخيرة، الذي انهمرت عليه الأموال والصراعات الطائفية والتدخلات الإقليمية والحروب الأهلية، أفرز خرابا عموميا. يكاد معه التمييز صعبا، بين تلك المدن التي دمرتها حروب السنوات الأخيرة، وتلك التي لم يمسها الحرب.

في كل تفصيل من العمارة العراقية المنتجة في السنوات الأخيرة يمكن ملاحظة كمية البؤس وفقر المخيلة. من واجهات المباني إلى المباني قليلة الشمس، من الشرفات المصممة وكأنها أسطح، إلى الشوارع المستقيمة والخلاء، وكأنها ميادين للمسابقات الأولمبية، مرورا بالفروق الهائلة بين أحياء المنعمين الجدد المغلقة وما يناظرها من عشوائيات الفقراء، ولوحات صور القادة الملهمين في الساحات العامة.

الأرصفة هي التعبير الأبرز عن أحوال العمارة العراقية الراهنة. ففي كل مدن وبلدات العراق، ثمة اعتقاد مطلق بأن الأرصفة إنما هي أملاك خاصة وليست فضاء عموميا. فأرصفة العراق كلها مشغولة من قبل مالكي الدور والمنازل، هي أماكن لمواقف سياراتهم ومستودعات لحاجاتهم الزائدة ومحولاتهم الكهربائية التي تعمل على الديزل، بالضبط كما صارت أرصفة الفضاء العام ملكا لقادة الدوريات الشرطية والبلدية، تبعها وتؤجرها للباعة المتجولين. خصخصة الأرصفة التي هي ملك وحق عام، هي استعارة تحول العراق ككيان وفضاء ومجتمع عمومي إلى ملكية خاصة للمتمكنين من أبنائه، أو حتى من غيرهم. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.