(FILES) In this file photo taken on April 24, 2009, Iraqi architect Rifat Chadirji takes a night walk by the sea near his house…
رفعة الجادرجي، إذ التزم توجيهات والده على مدى حياته، لم يفهم التواضع على أنه الرضوخ

عندما يتحقق الإنجاز، حين يتضح الإبداع، يمتنع الإنكار، ويحصل الإقرار. رفعة الجادرجي أنجز وأبدع، لعراقه ولعالمه.

في الإعلام، وعلى مختلف وسائط التواصل الاجتماعي، والتي عادة ما تنضح بالإسقاط والتجريح، الغالب في التعليقات حول وفاته هو التقدير والاحترام. يبدو أن هذا الراحل، بميراثه الباقي، قد صحّح بعض ما اعتل.

وإذا كان ثمة من لا يروقه بعض ما رآه هذا المعماري الكبير والمفكّر الفذ والناشط الكريم فإن اعتراضه يبقى همسا وحسب، لا يعكّر صفو الحِداد.

رحيل رفعة الجادرجي هو لحظة تأمل واعتبار، استحقها الرجل، ويستوجبها القرن، أو ما يقارب، والذي عاشه وعايشه. قرن الأمل، وخيبة الأمل. قرن التعويل على التقدم والتطور والعلم، وقرن الإمعان بالغيبية والأهوائية والعقائدية. من هذا القرن الملتبس، اختار رفعة الجادرجي الأمل والعلم. بإصرار، بل بقطعية.

اسمه هو "رفعة"، وليس "رفعت". كان قوله: لفظها كما العادة مع إظهار التاء، ولكن كتابتها بالعربية، لا التركية!

العراق هو أصل الحضارة. لا بمقياس الجوار والمنطقة، بل على مستوى العالم ككل. ليس أن الحضارة لم ترَ النور من بعده خارجه. فالصين أنتجتها دون عودة إلى العراق. وكذلك بزغت حضارة المايا في أميركا الوسطى، وإن اندثرت لاحقا بفعل الغزو والتدمير. أما ما عدا هذه وتلك، فالحضارة في العالم أجمع تعود بأشكالها وأطرها ورموزها وأحرفها إلى هذا العراق بين النهرين.

ليس أن العراق بقي القلب النابض للحضارة العالمية التي أشرقت منه. بل كان قلب الحضارة جوالا، يغرّب طورا لحقبات تطول ويجنح شرقا لوهلات تكاد اليوم ذكراها أن تغيب، في ترحال يبدو أنه تعب في القرون الماضية فكاد أن يستقر في الغرب. على أن الغرب غرب، لأنه غرب العراق.

وهذا العراق، وإن طال سباته، يستفيق بين الحين والآخر ليذكّر العالم بأصوله. وَمَضَ في أواسط القرن الماضي، ليطلق العنان لزخم فني ثم معماري، خارج عن سياق تغليب الكلمة على حساب الصورة، والمعنى على حساب الرمز، والوعي على حساب الروح.

رفعة الجادرجي هو نتاج هذه الومضة. وكذلك محمد مكية. وكذلك زها حديد. إضافات معمارية من أرض الرافدين للأرض جمعاء.

(FILES) In this file photo taken on April 24, 2009, Iraqi architect Rifat Chadirji is pictured at his home office in the…
الجادرجي والعراق اليباب
بالنسبة للمعماري العراقي الراحل رفعت الجاردجي، الذي وافته المنية قبل أيام قليلة في العاصمة البريطانية لندن، كانت العمارة رؤية ووعيا فلسفيا، لنمط علاقة البشر ببعضهم وفهمهم لأحوالهم وقراءتهم لكامل الوجود، أكثر من كونها مهنة أو حرفة، أو حتى صنعة جمالية

رفعة الجادرجي، إذ أبصر النور في عراق ناهض يعتنق الحضارة التي كان أول من أعلاها، أبصر الأنوار في الغرب الذي اعتلى بها، فجاءت مساهمته لتعارض بين هذا وذاك، ولتوافق بين هذا وذاك. هو هنا ابن عراق متصالح مع الغرب. ولكنه أولا ابن والده، كامل الجادرجي.

أهمية كامل الجادرجي في تاريخ العراق الحديث هي في دعوته إلى وطنية سابقة لأي طرح يتجاوزها. في زمن كانت الدولة الوطنية فيه، في نظر العديدين، وليدة استعمار يسعى إلى تفتيت كلٍ غير متضح السمات والملامح (قومي؟ ديني؟ مكاني؟ ولائي؟)، كانت، بالنسبة لكامل الجادرجي، هي الإطار الواقعي البنّاء للسير قدما، دون أن ينتفي التواصل مع ما عداها، ودون أن ينقطع التعاقب مع ما سبقها.

ما التزم به كامل في الفكر والسياسة، مارسه ابنه رفعة في التصميم والمعمار. إبداعه يمد الأيدي ليبقى ممسكا بالتراث زمانيا ومتآلفا مع الآخر في الخارج مكانيا، ولكنه لا يخسر مادته وما تقتضيه، ولا صوته وصورته، بل يأتي تعبيرا ناضجا حديثا عن أصالة متجددة.

حتى في المعمار، ثمة من يختلف، بين من يرى بأن التأصيل قاصر، ومن يعتبر أنه في استدعاء الخارج تقصيرا.

على أن الميراث الأول من كامل لابنه هو أنه قد أتاح له التفكير والاعتبار خارج الأطر القائمة.

العراق هو أصل الحضارة. لا بمقياس الجوار والمنطقة، بل على مستوى العالم ككل

عند المقارنة بين ثبات الإسلام في المجتمعات التي يغلب انتشاره فيها، وتراخي المسيحية في الغرب مثلا، يطيب للعديد من المفكرين المسلمين الإشارة إلى الزخم الإيماني السائد في أوساط المسلمين، والناتج عن القناعة بصواب هذا الدين، كسبب رئيس لنجاح الإسلام حيث فشل غيره. لا حاجة لنقد هذه المقولة أو نقضها. على أنه ثمة ما يصلح بديلا عنها، أو على الأقل يتممها، وهو مدى الاستثمار الذي تقتضيه الأشكال السائدة من الدين الإسلامي، من كل مسلم، في الوقت والجهد والسلوك، ما يضمن الالتزام والثبات، بغضّ النظر عن المحتوى، إذ في الشك والتراجع إقرار بهدر هائل يصعب على معظم الناس القبول به.

القرن الماضي لم يأتِ بالجديد في شأن اقتصار الالتزام الديني الأقصى على القلة. فهذا هو حال الناس على مدى العصور. جديد القرن الماضي، بمساهمة من أنوار الغرب والتي جاءت إلى "الشرق" لتؤكد المستتب وتمنحه لغة التعبير، هو أن التصريح بغياب الإيمان لم يعد إعلانا بالخروج عن الجماعة. وجديده أيضا بأنه ثمة جيل قد نشأ دون الإيغال بالاستثمار الذي يقتضي الذب دون اعتبار. فالجماعة بالأمس، إذ كان زعم تعريفها يصرّ، اختزالا وتعسفا، على أنها جماعة قائمة على الدين والإيمان، لم تخلُ قط من اعتبارات العصب والنسب والجوار والمصلحة، مهما كانت الصيغة التي يجري ضمنها تضويب هذه الاعتبارات. أما الجماعة مع قيام الدولة الوطنية، فلم تعد قائمة على زعم الوحدة الإيمانية، بل واقع الوحدة المكانية.

رفعة الجادرجي، إذ أعلن رفضه للإيمان بالغيبيات والأديان، دون تحفظ والتفاف، وإذ مارس الخير والإحسان بسلوكه وتفاصيل حياته، يعكس النتاج غير القابل للإعادة لهذا القرن.

ليس هذا النتاج "نشر الإلحاد" (على الالتباس بمعنى كلمة الإلحاد والتي تقتصر في الاستعمال الاصطلاحي الإسلامي على نفي النبوة، لا للإله، والتي تقوم اليوم مقام مصطلحات أكثر دقة وأقل انتشاراً، الدهرية، اللاإلهية، اللاأدرية، اللافقهية، وغيرها). هذا النتاج هو وحسب الإقرار بأن وجود المسجد أو الكنيسة أو المعبد في بلدة أو تجمع سكني لا يعني الإجماع في أوساط السكان على الإيمان. بل الحقيقة الدائمة، أمس واليوم وغدا، هي أن البعض مؤمن وسوف يستمر على إيمانه مهما تكاثر التشكيك بقناعاته، والبعض رافض للإيمان ولن يرغم عليه مهما ارتفع التهديد بسوء العاقبة.

An image grab from a handout video released by the Iraqi Prime Minster's Office shows Prime Minister-designate Mustafa Kadhemi…
من الزرفي إلى الكاظمي: التبعات على السياسات الأميركية
الزرفي والكاظمي من المعتدلين السياسيين والقوميين العراقيين الذين تربطهم علاقات جيدة بشركاء بغداد الدوليين. وكلاهما أيضا في محل شكوك عميقة من قبل المؤسسة الأمنية الإيرانية بسبب علاقتهما المقرّبة جدا من الولايات المتحدة

لا شك أن رفعة الجادرجي كان قطعيا في رفضه للإيمان. على أن القطعية سمة شخصية له وحسب. أستعيد هنا حادثة رواها لي الراحل حول اعتراضه إذ كان شابا على شعيرة دينية لإحدى قريباته، في حضور والده، فما كان من كامل الجادرجي إلا أن نبّه ابنه إلى وجوب التواضع والاحترام، وإلى أن القناعات عرضة للنقد لا للتسفيه.

كامل الجادرجي كان هو أيضا من أصحاب الفكر الحر. جالس معروف الرصافي وعمل على تدوين كتاب "الشخصية المحمدية"، وهو محاولة استشفاف لنشأة الإسلام، محكومة بالتوجهات الفكرية التي كانت شائعة في منتصف القرن العشرين.

ولكن رفعة الجادرجي، إذ التزم توجيهات والده على مدى حياته، لم يفهم التواضع على أنه الرضوخ. واقعة أخرى من حديثه تكشف عن أسلوبه في التعامل مع الآخر، إذ يمنح الاحترام ويطالب به في آن واحد.

كان رفعة الجادرجي قد دعي لإلقاء محاضرة في إحدى الجامعات الأردنية، ومحاضراته مشهورة بطول مدتها وعمق مضمونها، وما تقتضيه من حاجة للتركيز من جانب المحاضر والحضور في آن واحد. وصادف أن المحاضرة كانت في شهر رمضان. وصل رفعة الجادرجي إلى المنبر، وكاد أن يهمّ بإلقاء المحاضرة، إذ لاحظ غياب كوب الماء. طلب من المعدّين أن يحضروه له. رفضوا، مشيرين إلى أن الوقت هو وقت صيام، ولا بد من مراعاة الصائمين. هل هي مراعاة طوعية، أم هل هي حكم مفروض؟ أما أن يحضر كوب الماء، وألقي المحاضرة، أو أن يغيب كوب الماء ولا محاضرة. حضر كوب الماء، وفي وسط المحاضرة الطويلة، شرب منه رفعة الجادرجي.

أستاذ رفعة، لمَ الإصرار؟ جوابه أن المسألة ليست تحديا، بل هي دوما اختيار وموازنة للاعتبارات. هو لم يطالب أحد بألا يصوم ولا أرغم أحد أن يأتي للاستماع إليه. أما أن يطالب هو بأن يعطش، ليوهم من يريد هذا الوهم أنه صائم، فهو أمر لا يقبله.

حياة رفعة الجادرجي، وإنجازه، وفكره، ومواقفه، هي الدليل على أن الحضارة مستمرة

رفعة الجادرجي كان صارما في تنظيمه لحياته، كصرامته في ترتيبه لأفكاره، مدركا لموقعه عند تقاطع الأزمنة والأمكنة والتوجهات، ومصرا على انتظام التفصيل قبل الإجمال. حتى اسمه. هو "رفعة"، وليس "رفعت". كان قوله: لفظها كما العادة مع إظهار التاء، ولكن كتابتها بالعربية، لا التركية!

عام 2004، يوم أريد للعراق علم جديد لإخراجه من سلالة الإعلام البعثية، والتي أقحم فيها طاغية الأمس عبارة دينية، بلغته الدعوة باقتراح تصميم. علم رفعة الجادرجي كان خروجا كاملا عن المألوف، باختيار الألوان والرموز، وتجاوزا للقواعد المتبعة في صياغة الأعلام. زال توالي الأبيض والأسود والأحمر والأخضر، والذي اشترطته التوجهات القومية العربية بأمسها، وزال التوازن في توزيع الشرائط، كما هو حال معظم أعلام العالم، لتحل محلها رواية بالرموز لوطن وحضارة وموقع في العالم وفي التاريخ.

البعض، لهوسه بإسرائيل، ضاع في أوهامه حول مؤامرة جديدة يسعى إليها الرجل على ما يبدو، وأضاع قراءة ما كتبه الرجل في اعتباره للتراث الثري لوطنه.

علم العراق اليوم هو علم البعث، وإن شُتتت النجوم. بل هو علم صدام، فما خطته يده بعد أم معاركه ما زال في صدر العلم. العزاء، على ما يبدو، هو أن المؤامرة قد فشلت.

لا بأس. حياة رفعة الجادرجي، وإنجازه، وفكره، ومواقفه، هي الدليل على أن الحضارة مستمرة. طابت ذكراك، أستاذ رفعة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.