Ramadan Kamel, a 71-year-old Egyptian farmer, prepares tea as he rests in a shack by his farmland in the village of Baharmis in…
رمضان كامل، فلاح مصري يحضر الشاي في مزرعته في الجيزة

في أوائل القرن العشرين، وتحديدا في سنة 1905م انتصرت اليابان عسكريا على روسيا القيصرية. جرى ذلك في وقت كانت روسيا القيصرية تُحْسب ـ في الوعي العربي الإسلامي ـ على الغرب؛ من حيث هي تنتمي إلى ذات ديانة الغرب/ المسيحية، التي أصبحت ـ في سياق ذلك الوعي ـ هي ذاتها حدود الانتماء للعالم الغربي الذي كان قد بدأ يستعمر كثيرا من أقطار العالم العربي، خاصة: مصر، قلب العالم العربي النابض آنذاك.

لم يكن في مشهد الانتصار ما يدعو لأكثر من تأمّلٍ متسائلٍ أو تحليلٍ محايد. لكن، وبمجرد وصول أخبار هذا النصر إلى المشرق العربي، وتحديدا، إلى مصر التي كان قد مضى على وقوعها تحت هيمنة النفوذ الغربي المباشر قرابة ربع قرن، انتفض الشعراء والمثقفون والكتاب وزعماء الإصلاح/ زعماء التحرر؛ للتعبير عن فرحتهم الغامرة بهذا النصر الياباني، حتى ليُخَيَل إليك أنهم كانوا أشد فرحا بهذا النصر من اليابانيين!

كان الشاعران الكبيران: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في قمة مجدهما، وكانا في كثير من أشعارهما يُعَلّقان على الأحداث بما يتناسب والمزاج العام/ الشعور القومي؛ حتى لا يخسرا جماهيرهما، فهما لسان الجماهير، من أكبر كبير إلى أصغر صغير؛ إذا استثنينا خيارات القصر قد لا تكون مفهومة، ولا مُتَفَهّمة بالنسبة للسائد الثقافي العام.

قصيدة حافظ إبراهيم التي مطلعها:

لا تَلُم كَفّي إِذا السَيفُ نَبا       صَحَّ مِنّي العَزمُ وَالدَهرُ أَبى 

من أشهر القصائد في هذا الموضوع: الانتصار الياباني. وهي بداية مُعَبّرة، تستبق الموضوع الأول للقصيدة، وتكشف عن حسرة حارقة جراء الهزائم المتتالية والاندحار المتواصل الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي آنذاك. إنها محاولة للخروج من المسؤولية عن هذا الواقع المأسوي، فقد بذلت الذات ما تستطيع (صحّ مني العزم)، ولكن لم يتحقق المراد. ولا ذنب للذات في هذا الفشل، الذنب هو للظروف/ للدهر الذي تصدّى للعزم، أي أن المسؤولية جرى تحميلها لعالم ماورائي، لظروف غامضة يصعب تتبع مسؤوليتها عما حدث ويحدث.

كراهية العرب للغرب مصدرها الأساس تفوّق الغرب ذاته

في كل هذا، يبدو أن المهم في نظر الشاعر هو أن يخرج بالذات من دائرة اللّوم/ المسؤولية (لا تلم كفي)، فحديثه حديث عن الذات، وعن واقع الذات، بلغة اعتذارية أو إعذاريّة، في مطلع قصيدة تتحدث أساسا عن موضوع لا علاقة له بالذات، من حيث أن كلا طرفيه (اليابان ـ روسيا) يُصَنّف كآخر؛ بالنسبة للذات.

ومما يؤكد أن حافظ كان يتحدث عن ذاته العربية الإسلامية في علاقتها بالغرب؛ من خلال حديثه عن اليابان وروسيا، قوله عن أمّته ـ لائماً ومُسْتَنْهِضَا ـ:

أَنا لَولا أَنَّ لي مِن أُمَّتي       خاذِلاً ما بِتُّ أَشكو النُوَبا
أُمَّةً قَد فَتَّ في ساعِدِها      بُغضُها الأَهلَ وَحُبُّ الغُرَبا

هنا، إلحاح واضح على محاولة إعادة التوازن النفسي للذات من خلال تقديم قراءة لواقعة: التفوق الغربي الكاسح، مقابل الاندحار العربي الإسلامي المذل. إنه يريد التأكيد على أن المآسي/ النُّوَب (وهي مآسي ونُوبٌ لم تطفح على سطح الوعي لولا المقايسة بالغرب) التي تطحن الواقع العربي حتى باتت معينا لا ينضب للشكوى الدائمة، ليست استحقاقا لتشوهات ثقافية مجتمعية عميقة، متوارثة عبر قرون طويلة، كما أن الغرب المتسبب بكل هذه النوب/ المآسي للذات لم يزدهر وينتصر ويسود العالم لتَميّزٍ ثقافي مجتمعي أصيلٍ فيه، فازدهار الآخر، واندحار الأنا، مصدره على التحديد ـ وفق منطق الشاعر هنا ـ خيانة من الداخل، وبالذات من المُستغربين الذين تنكّروا لقومهم/ للأهل، وأحبوا وناصروا وامتدحوا الآخر الغريب/ الغرب.

إذن، الشاعر يُقَدِّم قراءة تؤكد أن اليابان بهذا النصر الكبير تدحض حقيقة التقدم الغربي، والأهم أنها تدحض كونه تقدّماً مشروطا بتشكّل ثقافي عميق متواصل في متتاليات تاريخية مُسَبَّبَةٍ؛ لتؤكد ـ من جهة أخرى ـ أن الشرق بكل تشكلاته الثقافية والمجتمعية قادر على الوقوف بإزاء الغرب موقف الناقد، بل وقادر على الانتصار عليه؛ متى ما "صحّ العزم"، فالمسألة مسألة إرادة، وليست اشتغالا تراكميا مُمَنْهجا يعمل على موضوع الإنسان وعلى موضوع الواقع في آن، وعلى العلاقة بينهما بطبيعة الحال.

ومما يدل على أن حافظ إبراهيم يستحضر العرب والمسلمين في اليابانيين، أنه وهو يدير معاني هذه القصيدة في ذهنه، لا يديرها على صراع بين دولتين: اليابان وروسيا، وإنما على صراع جهوي: شرقي ـ غربي (ينتمي هو إلى الطرف الأول منه)، حتى إنه عندما ذكر إمبراطور اليابان امتدحه على هذا النحو:

مَلِكٌ يَكفيكَ مِنهُ أَنَّهُ       أَنهَضَ الشَرقَ فَهَزَّ المَغرِبا 

لاحظ أنه قال: "يكفيك" بكاف الخطاب، أي يكفي العربي/ قارئ القصيدة/ جمهوره، ولم يقل "يكفيه" على سبيل تقرير المديح لغائب. فكأنه هنا يقول للعربي: هذا الملك/ الإمبراطور الياباني يستحق إعجابك بجدارة، والسبب الذي يستحق به هذا الإعجاب، ليس أنه قاد نصر اليابان على روسيا، أي ليس أنه قاد انتصار دولة في أقصى الشرق على دولة محسوبة على الغرب، بل لأنه قاد نصرَ "الشرق" على "الغرب"، ما يعني أنه نَصَرَك ـ كعربي شرقي ـ على العالم الغربي الذي طالما هزمك واستعمرك أيها العربي، بل وهَزّ ـ من الأعماق ـ ثقتك بنفسك؛ كلما حاولت أن تقيس المسافة الهائلة بين تخلّفك/ انهزامك المتطاول وازدهاره/ انتصاره المتواصل.

إن كل مدائح العرب الباذخة لنماذج النهوض الشرقي، يمكن اختصار بواعثها في معنى هذا الشطر: " أَنهَضَ الشَرقَ فَهَزَّ المَغرِبا"، فهي ليست إعجابا حقيقيا بالشرق؛ بقدر ما هي غضب على الغرب، وابتهاج بهزيمة خصم لا يحلمون بهزيمته.

ويجب التنبّه إلى أن الشعور بالانتماء الشرقي؛ مقابل الغربي، ليس شعورا طارئا، كما أنه ليس شعورا بائدا/ منتهيا، بل هو شعور حاضر حتى الآن في وجدان العرب، ويبدو أنه حاضر في وجدان الشرقيين، أو أن هؤلاء يستثمرن فيه بصورة ما. فالصين قدّمت مساعدات طبيّة لمصر قبل أيام، وذلك في إطار الحملة العالمية لمواجهة فيروس كورونا، وليس هذا بمستغرب، فقد قدمتّ ـ في سياق محاولتها تجميل صورتها ـ مساعدات لكثير من الدول، ولكن الملاحظ أن الوفد الصيني وهو يقدم المساعدة للمصريين، استشهد بقول أحمد شوقي: "ولكن كلنا في الهم شرق" (وفق ما نشرته "اليوم السابع" بتاريخ 16/4/2020)، وذلك لتأكيد عمق العلاقة التي تجعل من المساعد قياما بواجب انتماء، وليس تفضّلا. وهم، أي الصينيين، إما يستحضرون حقا هذا المعنى الذي يؤكد على خصوصية الرابطة الجهوية/ الشرقية مقابل الغرب، أو هم يشعرون أن المصريين يستحضرونه في علاقتهم بالشرق؛ من حيث هو معنى يجري التأكيد عليه ثقافيا/ شعريا منذ السنوات الأولى للقرن العشرين.

على أي حال، لم تكن المعاني التي أكّد عليها حافظ إبراهيم إلا معاني متداولة، عميقة في مستوى الشعور القومي العام، وخاصة ما يرتبط منها بتبرئة الذات من عار الانحطاط، وتجريد الآخر الغربي من مجد الازدهار. ولهذا، عندما تحدّث الشاعر الآخر/ أحمد شوقي عن هذا النصر الياباني، وجدناه يحرص على تأكيد ذات المعاني التي أكدها حافظ. يقول أحمد شوقي:

 لله في نصرة اليابان حكمته          لا يُسأل الله عن فعل ولا شان
رأى اليهود أقاموا المال ربَّهم              وآل عيسى أجلّوه كديان
وقوم أحمد قد ضلوا شريعته             وضيعوا كل إسلام وإيمان
تفرّق الكل في أديانهم شيعا             وأحدثوا بدعا في كل أزمان
فقال أنصر خلقا لا إله لهم              أنا الغنيّ عن العُبّاد سبحاني

طبعا، التكتيك الذي انتهجه أحمد شوقي يختلف قليلا عن حافظ، فشوقي يريد تأكيد النصر الياباني، وفي الوقت نفسه تأكيد هزيمة الغرب. ولكون العرب موضوع هزيمة من الأصل، تجده يضعهم في سياق الهزيمة لأتباع الديانات الثلاث (يلاحظ استحضار المكون الديني في مقاربة الغرب)؛ ليوهم أن الجميع، العرب والغرب ليسوا أهلا للنصر. وطبعا، في هذا تغافل عن حقيقة أن الغرب كان في أوج تألقه قوته، بينما الهزيمة العسكرية كانت من نصيب "الشرق غربي/ روسيا"؛ لا الغرب الغربي.

لا تتحمل ثقافة العرب والمسلمين مسؤولية واقعهم، بل على العكس، السبب في كل ما أصابهم، وإن جرى على يد الآخرين

المهم هنا، أن شوقي يفعل هنا ما فعله حافظ من قبل، وهو الحرص على الخروج بالذات العربية الإسلامية من تَحمّل مسؤولية التخلف/ الانحطاط/ الهزيمة، الواقع المزري الذي يعيشه العرب والمسلمون.

لا تتحمل ثقافة العرب والمسلمين ـ وفق منطق شوقي، كما هو منطق حافظ من قبل ـ مسؤولية واقعهم، بل على العكس، السبب في كل ما أصابهم، وإن جرى على يد الآخرين، هو عدم وفائهم لثقافتهم، وتنكرهم لموروثهم الذي انتصر به أسلافهم. وفي النهاية، ما أصابهم قدر من الله، والله له حكمة في ذلك، وبالتالي ـ وهو الأهم هنا في سياق التبرير للذات ـ أن ازدهار الآخر وانتصاره ليس استحقاقا لذكاء وجهد وعمل متواصل، ليس نتاج ثقافة نوعية على مستوى الوعي العام، بل مجرد قَدَرٍ غَيْبي، ما ورائي، يقع خارج إدراك/ حكمة الإنسان، كما هو خارج إرادة الإنسان.

من هنا نفهم أن المكونات الأساسية للكل هذا العداء المستشري للغرب ليس مبعثه ديني في الأساس، كما أنه ليس عرقيا، بل ولا هو ـ بالدرجة الأولى ـ من نتاج ذاكرة الصراع التاريخي بين ضِفَّتي المتوسط. كراهية العرب للغرب مصدرها الأساس تفوّق الغرب ذاته، فلو لم يكن الغرب متفوقا، مزدهرا، متربعا على عرش الحضارة الكونية التي جعلت من كل الحضارات السابقة مجرد مسودات فاشلة لمحاولات يائسة؛ لم يكن مكروها.

الانحياز العربي للشرق، والإعجاب به، أو محاولة إبداء الإعجاب به، ليس وعيا علميا موضوعيا؛ بقدر ما هو نتيجة استبطان وَهْمٍ مفاده أن "استعادة دور القيادة العالمية يفترض أن يسقط الغرب، أن يرتفع سحر خمسة قرون من الإبداع العلمي والتكنولوجي، أن تنهار الثورة الصناعية كما انهار عجل السامري برجوع موسى من الجبل، أن تنهزم الأسلحة النووية والتقنيات الحربية الحديثة أمام الجهاد المقدس، أن يفشل التخطيط المعقلن أمام المبادرات الإيمانية، أن ينهزم العقل أمام البطولة. لم تفكر الثقافة النمطية السائدة في النهضة إلا مستبطنة أمل انهيار الغرب وانهيار الحضارة الحديثة". لهذا، ليس غريبا أن "تلتقي مختلف الخطابات الأيديولوجية العربية على أن مشكلة العرب والمسلمين الأولى هي الغرب" (الإسلام، نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح، محمد الحداد، ص12/10).

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.