Rached Ghannouchi, the head of the Islamist party Ennahda, speaks during an interview with Reuters journalists in Tunis,…

في ورقة بعنوان "العلمانية وعلاقة الدين بالدولة من منظور حركة النهضة" قدم زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي رؤىً وأفكارا جريئة حول قضايا الديمقراطية والعلمانية والمواطنة والردة، تضعه في تعارض كبير مع العديد من الجماعات المنضوية تحت تيار الإسلام السياسي بما فيها الجماعة الأم "الإخوان المسلمون".

تختلف التيارات المنضوية تحت لواء الإسلام السياسي حول قضية نظام الحكم وطريقة اختيار الحاكم، فمنها من يُنادي بتطبيق الشورى كطريقة لاختيار الحاكم، ولكنها لا تملك تصوُّرا واضحا ومُفصلا للكيفية التي يتم بها تطبيق الشورى، وهل هي ملزمة أم غير ملزمة؟ ومنها من يقول إن الديمقراطية كفر صراح، وبعضها يقبلها على مضض ولكنه يقول إنها تتضمن معنىً كفري. 

إلا أن الغنوشي يعلن انحيازه الكامل للديمقراطية نظاما للحكم، والانتخابات وسيلة لاختيار الحاكم ويقول: "غير أننا إذا احتجنا إلى سن قانون في ظل هذا التعدد لا بد لنا من آلية، ولعل أفضل آلية توصل إليها البشر اليوم هي الآلية الديمقراطية والآلية الانتخابية التي تفرز ممثلين للأمة بما يجعل الاجتهاد اليوم ليس اجتهادا فرديا وإنما جماعيا يقوم به ممثلو الأمة المنتخبون وذلك في غياب كنيسة تمثل المقدس فوق الأرض، وليس هناك من ناطق باسم القرآن والإرادة الإلهية. الإرادة الإلهية تجلّيها الوحيد في الأمة التي تعبِّر عن الإرادة الالهية من خلال تدافعها وليس من خلال احتكار إمام أو حزب أو دولة".

حديث الغنوشي أعلاه يتناقض مع آراء مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا حول الديمقراطية، حيث يقول الأخير: "ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون"، وحيث يصف الديمقراطية بأنها نظام تافه، بقوله: "هذه هي دعوتنا ليس لها منهاج إلا الكتاب الكريم، ولا جنود إلا أنتم ولا زعيم إلا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فأين من نظامنا هذه النظم التافهة المتداعية؟ هذه الديمقراطية، والشيوعية، والديكتاتورية".

تعترض العديد من التيارات داخل معسكر الإسلام السياسي على القبول بمبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات داخل الدولة

كذلك لا يؤمن البنا بالأحزاب السياسية، وهى الأداة الأهم في النظام الديمقراطي،  ويقول: "ويعتقد الإخوان كذلك أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم وعطلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر ويعتقدون كذلك أن النظام النيابي، بل حتى البرلماني، في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد وذلك في الإمكان".

أما حزب التحرير الإسلامي، وهو أحد أحزاب تيار الإسلام السياسي، فإنه يُحرِّم الديمقراطية ويقول إنها "نظام كفر" يتناقض تناقضا تاما مع أحكام الإسلام، ويعتبر الدعوة إليها دعوة إلى أمر باطل وقد أصدر الحزب كتيبا بعنوان: "الديمقراطية نظام كفر، يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها".

يؤكد الغنوشي في ورقته أن مهمة الدين لا تشمل تعليمنا طرائق الحكم ووسائله، بل يعطينا قيما أخلاقية تُوجِّه تفكيرنا، ويقول: "ليس من مهمة الدين تعليمنا أساليب الزراعة وأساليب الصناعة وحتى أساليب الحكم وكيف ندير الدولة لأن كل هذه تقنيات، والعقل مؤهل فيها إلى أن يصل إلى الحقيقة من خلال تراكم التجارب. مهمة الدين أن يجيبنا عن القضايا الكبرى التي تتعلّق بوجودنا، أصلنا، ومصيرنا والغاية التي خُلقنا لأجلها وأن يعطينا نظام القيم والمبادئ التي يمكن أن تمثل توجيهات لتفكيرنا وسلوكنا ولأنظمة الدولة التي نسعى إليها".

حديث الغنوشي أعلاه يتعارض مع ما طرحه البنا حول علاقة الدين بالحكم، حيث رفع من شأن مطلب الحكم وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

يقول البنا: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

ينفي الشيخ الغنوشي أن تكون العلمانية فلسفة إلحادية كما تقول وتدعي بعض التيارات داخل معسكر الإسلام السياسي ويؤكد أنها ـ أي العلمانية ـ ظهرت وتبلورت في الغرب كحلول إجرائية وليست كفلسفة أو نظرية في الوجود بقدر ما هي ترتيبات إجرائية لحل إشكالات طرحت في الوسط الأوروبي.

يؤكد الغنوشي أنه لا توجد صيغة واحدة ونهائية للعلمانية بل أن تطبيقها يتغير مع السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية بين مختلف الدول، كما أنه لا يوجد تصور صحيح واحد للإسلام وما عداه خطأ، فالتصورات تختلف باختلاف الأفهام ولذلك يمكننا الحديث عن أكثر من إسلام. يقول الشيخ الغنوشي: "نحن لسنا إزاء علمانية واحدة بل إزاء علمانيات، وكذا الإسلام أيضا بحكم ما هو مطروح في الساحة نحن إزاء أكثر من إسلام واحد أي أكثر من فهم".

وبينما يرفض الشيخ الغنوشي قبول العلمانية بمعنى "فصل الدين عن الحياة"، فإنه يدعو للتمييز بين الدين والسياسة ويقول إن السبيل للوصول لمعادلة تضمن فيها حريات الناس وحقوقهم وهي المقاصد التي جاء من أجلها الدين هو "الرجوع إلى موضوع التمييز بين الدين والسياسة ونحتاج إلى ضبط ما هي ثوابت الدين وما هي متغيراته"؟.

يقول الغنوشي إن الدولة منتوج بشري والدين تنزُّل إلهي وإن "الدين مداره الأساسي ليس أدوات الدولة وإنما القناعات الشخصية، أما الدولة فمهمتها تقديم الخدمة للناس قبل كل شيء كمواطن الشغل والصحة الجيدة والمدرسة الجيدة أما قلوبهم وتدينهم فأمرها لله".

يربط الشيخ الغنوشي نظرته لعلاقة الدين بالدولة بالمقاصد الكلية للدين ويقول: "إن المقصد الأسمى لنزول الرسالات هو تحقيق العدل ومصالح الناس، هذه المصالح تتحقق من خلال إعمال العقل في ضوء موجهات، مقاصد، مبادئ وقيم الدين. لذلك ظل هنالك مجال للمعاملات يعرف تطورا مستمرا ومنه نظام الدول وهذه تمثل المتغيرات، بينما ما هو عقائدي وشعائري وما هو قيمي أخلاقي يمثل الثوابت".

لا شك أن آراء الغنوشي تتسم بالكثير من الانفتاح والاعتدال ومحاولة موائمة الفكر الإسلامي مع روح العصر

وبينما تعترض العديد من التيارات داخل معسكر الإسلام السياسي على القبول بمبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات داخل الدولة وتطالب بأن تكون العقيدة هي مناط ذلك، فإن الغنوشي يعلن انحيازه الصريح لمبدأ المواطنة ويقول: "بما أن ثورتنا نجحت في الإطاحة بديكتاتور ينبغي علينا أن نقبل مبدأ المواطنة وأن هذه البلاد ليست ملكا لزيد أو لعمر أو لهذا الحزب أو ذاك ولكنها ملك لكل مواطنيها وهم جميعا بغض النظر عن معتقداتهم أو أجناسهم إن كانوا ذكورا أو إناثا، الإسلام يمتعهم وأعطاهم الحق أن يكونوا مواطنين يتمتعون بنفس الحقوق، بأن يعتقدوا بما شاءوا ضمن إطار احترامهم لبعضهم البعض وأن يتصرفوا وفق القانون الذي هم يسنونه عبر ممثليهم في البرلمان".

يؤكد الشيخ الغنوشي أن الحرية "هي القيمة الأساسية التي يلج بها الإنسان دار الإسلام، فالناطق بالشهادتين يُعبر عن قرار اختياري وفردي يقوم عن وعي وبينة. ولذلك فالدولة منتسبة للإسلام بقدر ما تحرص على أن تتماثل بقيمه دون وصاية من مؤسسة دينية لأنه ليس هناك مثل هذه المؤسسة في الإسلام بل هناك شعب وأمة يقرران لنفسهما عبر مؤسساتهما ما هو الدين، فأعظم قيمة في الإسلام هي قيمة الحرية".

بناء على ذلك فإن الغنوشي ـ خلافا لما تقول به العديد من تيارات الإسلام السياسي ـ يدعو لحرية الاعتقاد، وأن يكون من حق الإنسان دخول الإسلام أو الخروج منه بحرية ودون أن يتعرض لما يُعرف بعقوبة الردة وفي هذا الإطار يقول الشيخ الغنوشي: "ولذلك أنا عارضت كل سبيل لإكراه الناس على أي أمر وطرحت موضوعا شائكا في بعض المواطن وهو ما يُسمى بالردة بمعنى أن مهمة الدولة أن تحد من حرية الناس في الاعتقاد. إذا كان مبدأ لا إكراه في الدين متفقا عليه فقد دافعتُ عن مبدأ الحرية في الاتجاهين: حرية الولوج في الدين ومغادرته لأنه لا معنى لتديُّن يقوم على الإكراه، لا حاجة للأمة الإسلامية بمنافق يُبطن الكفر ويُظهر الإيمان والإسلام لأنه لم يتعزز صفها بإضافة من هذا القبيل".

لا شك أن آراء الغنوشي التي أوردناها أعلاه تتسم بالكثير من الانفتاح والاعتدال ومحاولة موائمة الفكر الإسلامي مع روح العصر.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.