An anti-government protester holds the national flag during a convoy protest in the Lebanese capital Beirut on April 22, 2020,…
يجري ذلك في وقت يقترب فيه الجوع من البيوت، ولن تكون القصور في منأى عن غضب الجائعين

في الوقت الذي من المفترض فيه أن تتهاوى حكومات غربية فشلت في التصدي لفيروس كورونا، تحول الوباء في بلادنا إلى فرصة نجاة لحكومات الفشل والفساد. لبنان نموذج سافر لهذه المعادلة البائسة. 

الحكومة التي استعان بها النظام لإدارة عملية النهب الكبرى، والتي تشكلت في أعقاب ثورة 17 تشرين (أكتوبر)، باشرت عملية تشريع لواقعة السطو على مدخرات الناس وعلى الأموال العامة، ستعيد عبرها تدوير الخسائر التي بلغت نحو 83 مليار دولار، بحيث يتحمل الناس عبئها الرئيسي، فيما أركان الفساد مقيمون في قصورهم من دون أن يمس ما تولوا نهبه طوال السنوات الفائتة.

يبدي الرؤساء تبرما من قرارات حاكم مصرف لبنان، من دون أن يقدموا على خطوة واحدة لضبط جموحه. هم شركاؤه في المهمة، وعليه أن يتحمل تبرهم طالما أنه يقتصر على مجرد تصريحات عابرة، وتسريبات يمكنهم نفيها. رئيس الحكومة يقول إنه غير راضٍ عن قرارات المصرف، ورئيس البرلمان يقول إنه أطاح بالـ"هيركات". عدم الرضا لا يعني العرقلة، والـ"هيركات" بدأت مفاعيله واقعيا، والرؤساء صادقون وإن كذبوا.

تعاميم متعاقبة لمصرف لبنان تفضي كلها إلى حقيقة واحدة مفادها أن الناس وحدهم من سيدفع فاتورة الإفلاس

كان المفترض أن يتولى الشارع ضبط جموح السلطة، أو على الأقل الحد من وقاحته، إلى أن جاء الفيروس فحرر النظام من هذا العبء. تعاميم متعاقبة لمصرف لبنان تفضي كلها إلى حقيقة واحدة مفادها أن الناس وحدهم من سيدفع فاتورة الإفلاس.

السلطة ابتعدت خطوة عن هذه الإجراءات، وهي إذ أفسحت في المجال أمام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ليتولى المهمة، راحت تتحفظ على إجراءاته وكأنه حاكم مصرف في دولة جارة. صار هو السلطة، وأقام أركان النظام في الظل. لا بأس فالرجل خارج حسابات الشارع، وهو لا يطمح بأكثر من حصة في عائدات السطو، وأن يكون واجهة حفلة النهب الكبرى، فذلك لن ينعكس على طموحاته التي لا يبدو أنها تتجاوز أرصدته.

اليوم يجري سبق بين الفيروس والسلطة. احتمال استيعابه قبل أن ينجز النظام مهمته سيرتد على الخطى المتسارعة نحو تشريع الهاوية. سيلتقط الشارع أنفاسه، وسيعاود الانقضاض على أهل النظام. المهمة إذا تتطلب تسريع الخطى. الهدف الأول تمرير الـ"هيركات"، والأخير يجب أن يُمرر بصيغ التفافية، ذاك أن الرؤساء لا يتحملون "هيركات" واضحا وصريحا. الحاكم وعدهم بصيغة مُراوغة تعينهم على تمريره. لكن يجب الإسراع في إنجاز المهمة قبل أن يمضي زمن كورونا. الدولار اليوم على أعتاب الـ3500 ليرة، وهذه فرصة لدولة القراصنة، ولديهم قرصان متطوع للمهمة. الـ"هيركات" هو الفارق بين السعر الواقعي للدولار والسعر النظري الذي يحدده مصرف لبنان، وتتراوح قيمة هذا الفارق بين 30 و50 في المئة من قيمة العملة.

في مقابل هذه الحقيقة لا يبدو أن الشارع سيستكين لهذه السلطة

المصارف تمارس وقاحة موازية. لا تلتزم بتعاميم المصرف المركزي التي تلحظ بعض الحقوق للمودعين بحجة الإقفال الناجم عن الوباء، في حين تفتح أبوابها الخلفية لشركائها. حين تتوجه إلى المصرف لكي تسحب من حسابك، ستجد أبوابه مقفلة، لكنك ستتلقى رسالة عبر هاتفك تخبرك بأن المصرف سحب من نفس الحساب وفي نفس اليوم الذي قصدته فيه ووجدته مقفلا، قيمة فاتورة الهاتف أو قسط السيارة أو الـ"كريدت كارت". وقاحة لا توازيها وقاحة، وكذب لا يحترم ذكاءك.

لكن هذه الوقاحة باشرت اختبار مجالات جديدة كخنق الحريات العامة بحجة الفيروس أيضا، وهي تفعل ذلك متسلحة بغطاء سياسي وصحي وإعلامي. حالة التعبئة العامة التي أعلنت بفعل تفشي الوباء تتحول شيئا فشيئا إلى قانون طوارئ عامة. رئيس الحكومة يحذر من انعكاس معارضته على الأمن الصحي والغذائي! إنه وعي "الحط من عزيمة الأمة"، تلك التهمة البعثية التي ما زالت ترقد على صدور المجتمعات. وعلى وقع هذا المزاج تضاعف القوى الأمنية مهامها في تعقب الناشطين وفي توقيف المعترضين، وفي تحويل قرار التعبئة العامة إلى قانون طوارئ.

إنها مؤشرات الهاوية وقد قطع لبنان أشواطا كبيرة نحوها. وفي مقابل هذه الحقيقة لا يبدو أن الشارع سيستكين لهذه السلطة، والجوع لن يكون وحده دافعا نحو تجدد المواجهة، ذاك أن السرقة المعلنة جرت تحت أنظار كل الناس، وودائع مرتكبيها في المصارف الخارجية بدأت تصلنا أرقامها على نحو مذهل، ومؤسسات الاستقصاء الدولية باشرت تصويبها نحو "الحقائق اللبنانية" في الداخل وفي الخارج، وسيكون في متناول الناس في وقت قريب جدا مزيدا منها. يجري ذلك في وقت يقترب فيه الجوع من البيوت، ولن تكون القصور في منأى عن غضب الجائعين.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.