An AH-1Z Viper from Marine Medium Tiltrotor Squadron (VMM) 163 (Reinforced), 11th Marine Expeditionary Unit (MEU) prepares for…
مروحية على متن إحدى السفن الحربية الأميركية في مضيق هرمز

في 15 أبريل، أفادت "القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية" عن قيام الزوارق السريعة التابعة لـ "بحرية "الحرس الثوري الإسلامي"" الإيراني بسلسلة مناورات في المياه الشمالية للخليج العربي وصفتها بـ "الخطيرة وعديمة الاحترافية". واستنادا إلى أدلة الصور والفيديو التي نشرتها "القيادة المركزية" تُعتبر هذه المواجهة غير مسبوقة من عدة نواحٍ: فقد شارك فيها عدد كبير نسبيا من القوارب المسلحة (وصل إلى حد 11 قارب في حالة واحدة) التي حامت بكثرة وعدائية حول السفن الأميركية في نطاقات قريبة بشكل غير عادي.

وجاءت هذه المواجهة بعد يومٍ واحد من وقوع حادث بالقرب من مضيق هرمز حيث أوقفت قوارب إيرانية مسلحة، سواء من قوات الشرطة البحرية أو "بحرية "الحرس الثوري"" الإيراني، ناقلة النفط "أس سي تايبيه" التي ترفع علم هونغ كونغ ويشغّلها طاقم صيني في المياه الدولية. ثم تم سحب السفينة إلى المياه الإيرانية قبالة "كوهي مبارك"، حيث يتواجد مركز للشرطة البحرية. 

والجدير بالذكر أن "التحالف الدولي لأمن وحماية حرية الملاحة البحرية"، الذي تقوده حاليا البحرية الملكية البريطانية، يقوم حاليا بدوريات في تلك المياه، ولكن وفقا لبعض التقارير ارتأى عدم التدخل عند معرفته بالحادثة. وبعد ساعات، تم الإُفراج عن الناقلة لمواصلة وجهتها نحو السعودية ـ جاء ذلك كما يُفترض بعد أن أدرك الإيرانيون أنها سفينة صينية.

لا تعترف إيران رسمياً بِحرّية الملاحة في الخليج أو مضيق هرمز

وكان ينبغي توقّع هذه التحركات العدوانية. فوفقا لتقارير استخباراتية، تنشط قوارب البحرية الإيرانية في الخليج بشكل غير اعتيادي منذ أوائل يناير، بعد أن استهدفت الولايات المتحدة قائد "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني. 

وتصاعدت التوترات بصورة أكثر بعد هجومٍ قاتل شنّته إحدى الميليشيات في العراق في 11 مارس، حيث قتلت القوات الموالية لإيران جنودا أميركيين وبريطانيين. وفي الشهر نفسه، بدأت كافة فروع القوات المسلحة الأميركية تقريبا بمناورات دفاعية مشتركة في وسط وشمال مياه الخليج. واستنادا إلى الرد الإيراني، يبدو أن طبيعة هذه المناورات ونطاقها أثارا قلق القيادات في "بحرية الحرس الثوري".

العين بالعين، والتكتيك بالتكتيك

تضمّنت المناورات العسكرية الأميركية تكتيكات قائمة على أساليب جديدة وأخرى قديمة مثبتة للتمركز البحري والانتشار الأمامي لمروحيات الجيش. فخلال المواجهات الأميركية ـ الإيرانية في الفترة 1987 ـ 1988، كانت مروحيات الجيش المجهّزة للهجمات الخفيفة تنطلق من مراكب معدّلة قبالة السواحل السعودية لتنفيذ عملياتها، باستخدامها كمائن ليلية للقضاء على الكثير من الزوارق الإيرانية السريعة التي كان يُشتبه بأنها تزرع الألغام في البحر.

واليوم تم تطوير هذه التكتيكات وتحسينها للتصدي لمناورات الاحتشاد الإيرانية بواسطة إمكانيات لها وقعٌ أكثر فاعلية، مثل الطائرة الحربية "أي سي-130 دبليو ستينغر 2" (AC-130W Stinger II) التابعة لسلاح الجو أو مروحيات الهجوم التابعة للجيش من طراز "أي أتش-64 إي أباتشي غارديان" (AH-64E Apache Guardian). واليوم تعمل مروحيات "أباتشي" من سفينة البحرية الأميركية "يو إس إس لويس بي بولر" الضخمة التي تعدّ أولى "قاعدة بحرية استكشافية دائمة" للبحرية الأميركية. وقد حلّت هذه السفينة الرئيسية محل سفينة "يو إس إس بونس" في شمال الخليج خلال أغسطس 2017، ويمكنها حمل ما يصل إلى أربع مروحيات كبيرة كاسحة للألغام من نوع "سي أتش-53 إي" (CH-53E) أو مروحيات "أباتشي" و "بلاك هوك".

تنشط قوارب البحرية الإيرانية في الخليج بشكل غير اعتيادي منذ أوائل يناير

على مدى السنوات القليلة الماضية، أجرت الولايات المتحدة اختبارات على مجموعةٍ من الأسلحة والأساليب المصممة لصدّ زوارق الاحتشاد والطائرات المسيّرة الإيرانية. وتشمل هذه منظومات الليزر والموجات الميكروية عالية القدرة (بما فيها منظومة أسلحة الليزر) المنصوبة على سفينة "بونس" والصواريخ المعدّلة المضادة للدبابات، والصواريخ الموجّهة من عيار 70 ملم، وزوارق الاحتشاد المسيّرة الدفاعية. 

كما أن طائرة "إي سي-130 دبليو" (AC-130W)، بالإضافة إلى تشكيلة أسلحتها المعتادة، مسلّحة بقنابل انزلاقية صغيرة القطر من نوع "جي بي يو-39" (GBU-39) و"جي بي يو-53" (GBU-53)، مع الإشارة إلى أن النوع الأخير قادر على استهداف أهدافٍ متحركة بدقة على مدى 72 كيلومترا (أو 110 كيلومترات ضد أهداف ثابتة). وقد سبق لـ "البحرية الأميركية" أن أجرت تمارين على طائرات هجومية من طراز "إي-10 ثاندر بولت" (A-10 Thunderbolt)، تابعة لـ "سلاح الجو الأميركي"، والتي تشكل منصة فعالة أخرى ضد الزوارق السريعة المناوِرة.

ومن جانبها، تُعتبر سفينة "بولر" مثاليةً للعمليات الاستكشافية في مناطق الخليج حيث لا تتوفر القواعد الساحلية على الفور، سواء لأسباب لوجستية أو سياسية. ويتألف طاقم السفينة من 100 عنصر عسكري و44 مدنيا، وتشكّل السفينة منصةً فريدة ومرنة للقوات الأميركية في المنطقة. وتُعتبر أيضا خيارا واضحا لدعم العمليات الخاصة في المنطقة البحرية الشديدة الحساسية حول قاعدة "بحرية «الحرس الثوري»" في "جزيرة فارسي". وتطلّ هذه القاعدة على طرق الشحن الوافدة إلى الكويت والخارجة منها، حيث تتمركز حاليا معظم شبكة الدعم اللوجستي للجيش الأميركي.

إحياء وتحديث القدرات القديمة

وفقاً لبيان "القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية" في 15 أبريل، تعتمد القوات الأميركية في الخليج بشكل متزايد على فرق العمل المشتركة لـ "كشف التهديدات الأرضية وتعقّبها والاشتباك معها وهزيمتها من أجل السيطرة على حيّز المياه".

وتشمل هذه الفرق عادةً السفن الحربية التابعة للبحرية وسفن الدوريات الساحلية من فئة "سايكلون" المسلّحة بصواريخ "غريفين" قصيرة المدى، على الرغم من أن كلا النوعين يُستخدم بشكل أساسي لتحديد مواقع الأهداف أمام قوة النيران الجوية. 

"الحرس الثوري" نشر مؤخراً صواريخ المدفعية والصواريخ المضادة للسفن على طول الشواطئ الإيرانية المطلة على مضيق هرمز

وفي الآونة الأخيرة، تدرّبت هذه الفرق على مناورة "إيقاف الأعداء في حالات الخطورة الشديدة على مسافات ممتدة"، مما يستلزم استخدام طائرات الدوريات لكشف الزوارق سريعة الحركة التي تشكل تهديداً، ثم رشّها من مروحيات "أباتشي" بوابل من الرشاشات عيار 30 ملم، والصواريخ الموجّهة، وصواريخ "هيلفاير" عن مدى يصل إلى 11 كيلومترا.

وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة لم تشهد تعاونا مماثلا منذ عملية "الإرادة الصادقة" في عام 1988، عندما شاركت مروحيات الجيش المذكورة سابقا في عدة اشتباكات مع قوات "بحرية «الحرس الثوري»" الإيراني، منطلقةً من قواعدها على متن المراكب مما تسبب في وقوع عدد من الضحايا. وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال المسؤولون في "بحرية «الحرس الثوري»" يتوعّدون بين الحين والآخر بالانتقام على هذه الأحداث في تصريحاتهم العلنية.

توقع عدوان إيراني

تدرك "بَحرية «الحرس الثوري»" الإيراني جيدا الإمكانيات الأميركية الجديدة والأكثر مرونةً التي يجري حاليا استعراضها في الخليج، وتلاحظ تسارع وتيرة العمليات المنطلقة من سفينة "بولر" والنية المحددة لمواجهة تكتيكات الحشد الإيرانية. وبناءً على ذلك، زاد "الحرس الثوري" سلوكه العدائي في المنطقة المجاورة، كما يفعل عادةً عندما يُظهِر العدو مثل هذه المرونة.

وفي بيان لـ "بحرية «الحرس الثوري»" في 19 أبريل، زعمت القوات حدوث تدخّل بحري أميركي "غير آمن وغير مسؤول" في حادثتين منفصلتين وقعتا في 6 و7 أبريل، وفصلت بينهما مسافة 200 كلم تقريبا في منطقتين مختلفتين تابعتين للبحرية. والغريب أن الحادثتين كانتا تتعلقان بسفينة دعم واحدة بطيئة الحركة تابعة لـ «الحرس الثوري» الإيراني.

كما زعم البيان أن القوات الأميركية هي التي بدأت حادثة الاحتشاد التي وقعت في 15 أبريل والتي تم وصفها في وقت سابق، حين تدخّلت في تمرينٍ بالذخيرة الحية أعلنته سابقاً "بَحرية «الحرس الثوري»". إلا أن فيديو الأدلة الذي نشرته "البحرية الأميركية" يُظهر خلاف ذلك ـ فالمراكب الإيرانية استَخدَمت مراراً وتكراراً تكتيكات المضايقة والتطويق الضيّق بشكل مشابه جداً لتلك المستخدمة خلال سلسلة من الحوادث في عام 2016 حين تعرّضت المدمرات وسفن الدوريات الأميركية لتهديد واضح قرب مضيق هرمز.

وبالفعل، يمكن أن تتوقع القوات الأميركية استمرار الأحداث المشابهة طالما أن تمارينها المشتركة مصممة بشكل ظاهر للتصدي لزوارق "بحرية «الحرس الثوري»". وكلما ازداد انزعاج السلطات الإيرانية من هذه التمارين، كلما أصبحت ردودها أكثر وضوحاً وعدائية. لذلك يجب أن يكون الجيش الأميركي مستعداً لتعاظم خطر التصعيد السريع الذي يهدف إلى منازعته على قوة ردعه المحلية.

من الواضح أن طهران لاحظت تزايد الاستعدادات العسكرية الأميركية للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وحرية الملاحة في المنطقة

لقد طُرح مفهوم "الردع المتنازع عليه" للمرة الأولى من قبل رئيس "القيادة المركزية الأميركية" الجنرال كينيث ماكنزي خلال جلسة استماع أمام الكونغرس في 11 مارس. وينبع هذا المصطلح من رفض إيران منذ فترة طويلة لأي وجود أمني أجنبي في الخليج. فمن وجهة نظر "الحرس الثوري"، يشكّل وجود القوات العسكرية الغربية تدخلاً في الشؤون الإقليمية وقضايا الدفاع ـ على الرغم من أن القانون البحري الإيراني لا يتضمن أي نص للتعاون الأمني مع الدول المجاورة في المنطقة.

وبالمثل، لا تعترف إيران رسمياً بِحرّية الملاحة في الخليج أو مضيق هرمز. فمن وجهة نظرها، إن الممر المائي الأخير ليس مضيقا دوليا، وبالتالي فإنّ "عبوره" ليس حقّاً ثابتاً. ولكن على أرض الواقع، عادة ما تتجنب القوات الإيرانية المواجهات البحرية المباشرة التي تهدف إلى تأكيد هذه الادعاءات ـ إلا عندما تريد إظهار استيائها الجدي من تطور معين.

الخاتمة

من الواضح أن طهران لاحظت تزايد الاستعدادات العسكرية الأميركية للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وحرية الملاحة في المنطقة، بدءا من المناورات المشتركة المستجدة في مياه الخليج وصولا إلى المجموعة الواحدة على الأقل من حاملات الطائرات التي أصبح اليوم وجودها عادياً في بحر العرب القريب. 

ونظرا إلى أن "الحرس الثوري" نشر مؤخراً صواريخ المدفعية والصواريخ المضادة للسفن على طول الشواطئ الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، فإن ذلك يشير إلى أن "الحرس الثوري" يُلمح إلى قدرته على إغلاق الممر المائي إذا لزم الأمر.

ويشير هذا النوع من السلوك أيضاً إلى أن إيران ستتصدى للبحرية الأميركية على استعدادها للصمود بشكل أكبر في الأشهر المقبلة، في إطار لعبة الردع المستمرة. وعلى الرغم من أن "بحرية «الحرس الثوري»" قد تحصر هذه الأعمال بعمليات المضايقة على المدى القريب، إلّا أنه من المرجح أن تلجأ إلى أساليب أكثر حزماً بمرور الوقت.

المصدر: منتدى فكرة

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.