Palestinian doctor Abdelrahim al-Hadad displays a nutritional supplement prepared with vitamin C and Zinc to help strength the…
يمكننا أن نشير إلى بعض العوامل مثل عامل التغذية أو بمعنى آخر نوع الغذاء الذي تتناوله هذه المجتمعات والشعوب كأحد هذه عوامل التباين في معدلات الوفاة من الفيروس

مواجهة الفيروسات التي تنتشر بمعدلات عالية ليست بالشيء الهين، فهي من ناحية تحتاج وسائل علاجية ناجعة للمصابين، ومن ناحية أخرى تحتاج لحماية الأصحاء من الإصابة بالمرض نفسه.

ولو نظرنا بنظرة عميقة إلى معدلات وباء فيروس كورونا حول العالم لتبين لنا بوضوح أن معدلات الوفاة بسببه أقل بكثير في معظم بلدان الشرق الأوسط، وأيضا في دول تعدادها يفوق المليار نسمة مثل الهند من معدلات الوفاة في المجتمعات الغربية مثل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.

فعلى سبيل المثال، فإن معدلات الوفاة لكل مليون نسمة من الإصابة بفيروس كورونا في مصر هي (2 لكل مليون نسمة)، وفي المملكة العربية السعودية هي ( 3 لكل مليون نسمة)، وفي دولة الإمارات المتحدة هي (4 لكل مليون نسمة)، وفي الهند (0.4 لكل مليون نسمة).

ولنقارن ذلك بمعدل الوفيات من المرض لكل مليون نسمة في إيطاليا (367 لكل مليون نسمة)، وفي إسبانيا (429 لكل مليون نسمة)، وفي إنكلترا (228 لكل مليون نسمة)، وفي ولاية نيويورك الأميركية (873 لكل مليون نسمة)، وفي فرنسا (286 لكل مليون نسمة) لكي ندرك الفارق الكبير بين المجموعتين.

ومن الصعب أن نعزي هذا التباين في معدلات الوفاة من الفيروس إلى عامل واحد، ولكن على الأقل يمكننا أن نشير إلى بعض العوامل مثل عامل التغذية ـ أو بمعنى آخر نوع الغذاء الذي تتناوله هذه المجتمعات والشعوب ـ كأحد هذه العوامل.

تأتي القرفة بدور مختلف ففيها مكونات تحبط قدرة بعض الفيروسات على الالتصاق ومن ثم السيطرة على خلايا الجسم

وهذه الفرضية ليست وليدة الخيال لأن الكثير من الأطعمة التي نتناولها تحتوي على مكونات غذائية قد تساعد فعلا على مقاومة الفيروسات بعدة وسائل كما جاء في العديد من الأبحاث العلمية.

فالبصل والثوم على سبيل المثال، المستخدمان بوفرة في المطبخ الشرق أوسطي يحتويان على مادة الأليسين والكويرسيتين وهي مواد لها فاعلية ضد العديد من الفيروسات كما أظهرت العديد من الأبحاث الطبية.

ويحتوي مشروب الشاي على مواد تسمى "الثيوفلافينويدز" وهي مواد محبطة لبعض الأحماض النووية التي تستخدمها الفيروسات كي تتكاثر.

وتأتي القرفة وهي من المشروبات الشهيرة بدور مختلف ففيها مكونات تحبط قدرة بعض الفيروسات على الالتصاق ومن ثم السيطرة على خلايا الجسم.

ويتألق أيضا في شأن الحماية من فيروس كورونا فيتامين (د) بخصائصه الرائعة في تحسين جهاز المناعة. وهناك بعض الدراسات الحديثة التي تبحث حاليا دور هذا الفيتامين في الحماية من فيروس كورونا. وفيتامين (د) موجود في الكثير من الأغذية وبخاصة الأسماك ومنتجات الألبان والبيض وأيضا يتواجد بوفرة في "زيت كبد الحوت".

ولا ننسى في هذا المضمار مادة الزنك الموجودة بوفرة في اللحوم الحمراء والدواجن وبعض الأغذية البحرية مثل المحار والكابوريا والجمبري وهي مادة هامة لجهاز المناعة البشري وتساعده من خلال وسائل في غاية التعقيد على مقاومة بعض الفيروسات.

الكركم الهندي يحتوي على مواد تحبط مادة الإنترليوكين 6 وهي مادة التهابية تتسبب في الكثير من أعراض ومضاعفات فيروس كورونا

وعنصر الزنك له أهمية خاصة حيث أن الكثير من الناس وبخاصة مرضى السكر وتليف الكبد والفشل الكلوي لديهم نقص في هذا العنصر الهام.

وبالإضافة إلى هؤلاء فإن عنصر الزنك يقل في الجسم أيضا مع الحمل والرضاعة ومع استخدام بعض الأدوية مثل مدرات البول.

أما عن البهارات الهندية المستخدمة في شبه القارة الهندية بوفرة فإن الكثير منها يعمل بعدة وسائل لمقاومة الفيروسات. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الكركم الهندي يحتوي على مواد تحبط مادة الإنترليوكين 6 وهي مادة التهابية تتسبب في الكثير من أعراض ومضاعفات فيروس كورونا.

وهذه المعلومة المؤيدة والمدعمة علميا قد تفتح مجالا لفهم لماذا تتمتع الهند بنسبة قليلة جدا من الوفاة عند المصابين بهذا الفيروس.

ومن البهارات الهندية أيضا التي لا يمكن إغفالها في هذا الأمر هو نبات "الزنجبيل" وهو يحتوي على مكونات عضوية تسمى "جينجيرولز" وهي مكونات لها خصائص قوية ضد تكاثر الفيروسات.

واستخدام هذه الأغذية بوفرة في المطبخ الشرق أوسطي والهندي بالمقارنة بالمطبخ الأوروبي التقليدي أو المطبخ الأميركي قد يفتح من ناحية باباً لبداية فهم أحد الأسباب التي قد تفسر الاختلاف الشديد في معدلات الوفاة من فيروس كورونا بعد الإصابة به ومن ناحية أخرى قد يفتح باباً آخر لاستخدام هذه الأغذية كأحد الوسائل والتي قد تقلل من وطأة هذا المرض وحدته.

وللحديث بقية!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.