هل يستطيع الإنسان أن يغير الجزء الأكبر من أفكاره عن طريق العالم الافتراضي؟ هل يستطيع أن يطور مهارته بشكل ملحوظ، بل ويحصل على درجة عالية من التعليم سواء الرسمي أو غير الرسمي باستخدام الإنترنت وحده؟
قبل الربيع العربي، استهتر كثيرون بقدرة العالم الرقمي على إحداث تغيير جذري في الأفراد والمجتمعات. الإنترنت عالم مليئ بتصريحات لزعماء وصفوا من استخدموا المساحة الافتراضية بـ"شباب الإنترنت" وكأنها إهانة شنيعة.
قدرة هذا العالم الرقمي على تغيير الواقع أخذت تحظى بجدية أكبر بعد أن استطاع "شباب الإنترنت" أولئك الإطاحة بعدة زعماء عرب لم تستطع جماعات مسلحة ذات تمويل وإعداد كبيرين هز عروشهم. لكن هذه المساحة الافتراضية وفي بعدها التعليمي تحديدا لم تدرك مجدها بحق إلى أن انتشر فيروس كورونا.
الآن، انتقل التعليم، كما عالم الأعمال، كليا إلى المساحة الافتراضية مثبتا أن العالم الافتراضي ليس فقط قادرا على إيصال المعلومات بل أصبح الآن الطريقة الوحيدة التي يتم فيها التعليم في معظم مؤسسات العالم التعليمية والأكاديمية. التعليم عن بعد لا يكسر النسقية الكلاسيكية للتعليم بل يخلق فرصا أخرى تدفع بنا دون رجعة نحو منهج تعليمي جديد يسارع في تغير نسق التفكير والأنماط الاجتماعية الأخرى.
أدعو قراء هذا المقال إلى الاهتمام بنشر مواقعهم التعليمية المفضلة في التعليقات لمساعدة أكبر عدد ممكن للتعرف على الموارد المتوفرة مجانا
لكن هذا العالم الافتراضي انتعش في الأصل لوجود من آمنوا به منذ البداية واستثمروا فيه إدراكا منهم للإمكانيات التعليمية الهائلة التي يحظى بها. وفي العالم العربي وقبل الربيع العربي وقبل كوفيد19، كان الدكتور أحمد هندواي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة بنسلفانيا وزوجته الدكتورة نجوى عبد المطلب الحاصلة على شهادة الدكتواره في الرياضيات من السباقين في المساهمة في هذا المجال.
وما قام به أحمد ونجوى كان مُذهلا حيث أسسا مؤسسة هنداوي لتقوم بشراء حقوق النشر لأهم الكتب العربية وكذلك الكثير من الكتب بالإنكليزية من دور نشر مرموقة مثل دار جامعة أوكسفورد للنشر Oxford University Press وقاموا بترجمتها إلى العربية ثم بناء أكبر مكتبة افتراضية مجانية للناطقين بالعربية ذات جودة تضاهي أمازون كيندل Amzon Kindle.
المكتبة المتوفرة على موقع "هنداوي" تضم ما يقارب ألفا وخمسمئة كتاب فيما يزداد عدد الكتب باستمرار حيث تقوم مؤسسة هنداوي بترجمة خمسين كتاب كل سنة. في نفس الوقت يعمل هنداوي وفريقه على تحديث مسارات تعلمية أخرى ذات علاقة بالتعليم باللغة العربية ولغات أخرى عبر شركة "نجوى" والتي توفر دروس في مجالات علمية للطلاب في أكثر من لغة حول العالم.
ما الذي ألهم أحمد ونجوى لعمل كل هذا؟ جاءت شعلة الإلهام من حبهما العظيم للكتب والمكتبات، ولكن أيضا تأثرهما بتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2003. التقرير تكلم بالتفصيل عن العجز المستشري في القطاع المعرفي في العالم العربي والذي يشكل نقص الترجمة إلى اللغة العربية أحد أسبابه. حينها قررا إشعال شمعة في الظلام والمساهمة شخصيا في سد هذه الثغرة. ومما يدعو إلى التفاؤل في مشروع هنداوي أن أعداد مستخدمي المكتبة الافتراضية في ازدياد مستمر.
على الطرف الآخر من العالم، ومنذ انتشار الوباء العالمي، هبت شركات أجنبية ضخمة لمساعدة الطلاب في العالم العربي لسد ثغرة إغلاق المدارس. من هذه الشركات شركة غوغل حيث قام فريق من الشباب من دول مثل مصر، والعاملين في شركة غوغل بالتعاون وبتشجيع من مدراء في الشركة، قاموا بخلق قنوات لمساعدة طواقم المعلمين والطلاب على السواء.
جهود هؤلاء وغيرهم تعزز الإيمان بالإنسانية وكرمها وبقدرتها على مواجهة أصعب التحديات
فموقع غوغل: "التدريس من المنزل" يركز على المعلمين بشكل رئيسي فيما تركز قناة يوتيوب "دروسي" على توفير محتوى لمختلف المواد والصفوف المدرسية من شركات من حول العالم العربي.
أنا بدوري علمت عن هذا الجهد من صديقي أندي برنت نائب رئيس غوغل ومدير مختبر الإبداع في الشركة هو أحد المتحمسين لدعم أي مشروع إنساني. لكن من الواضح أن هنالك جهودا أخرى لا تعد ولا تحصى تسعى لمزيد من المساعدة.
جهود هؤلاء وغيرهم تعزز الإيمان بالإنسانية وكرمها وبقدرتها على مواجهة أصعب التحديات. في نفس الوقت، تظهر السرعة المذهلة التي تحولت فيها كثير من الجامعات وكذلك الكثير من المدارس إلى التعليم عبر الإنترنت وتوائمها مع أزمة كوفيد19 أن البنية التحتية البشرية الخاصة باستخدام الإنترنت للنهوض بالتعليم موجودة وجاهزة وهي جيل الشباب...
فكيف يمكن الاحتفاء في هكذا جهود وتعزيزها ونشرها لمساعدة أكبر عدد ممكن من معلمينا وطلابنا؟ أدعو قراء هذا المقال إلى الاهتمام بنشر مواقعهم التعليمية المفضلة في التعليقات لمساعدة أكبر عدد ممكن للتعرف على الموارد المتوفرة مجانا. ما هو موقعك التعليمي المفضل؟ ماذا يوفر هذا الموقع؟ لنساهم جميعنا في تسليط الضوء على الموارد المتاحة للراغبين فيها وإشعال مزيد من الشموع.

