A fourteen-year-old Spanish girl studies with her classroom application in Sevilla on April 14, 2020 amid a national lockdown…
تلميذة (14 سنة) تدرس مع زملائها عبر شبكة الانترنت

هل يستطيع الإنسان أن يغير الجزء الأكبر من أفكاره عن طريق العالم الافتراضي؟ هل يستطيع أن يطور مهارته بشكل ملحوظ، بل ويحصل على درجة عالية من التعليم سواء الرسمي أو غير الرسمي باستخدام الإنترنت وحده؟ 

قبل الربيع العربي، استهتر كثيرون بقدرة العالم الرقمي على إحداث تغيير جذري في الأفراد والمجتمعات. الإنترنت عالم مليئ بتصريحات لزعماء وصفوا من استخدموا المساحة الافتراضية بـ"شباب الإنترنت" وكأنها إهانة شنيعة. 

قدرة هذا العالم الرقمي على تغيير الواقع أخذت تحظى بجدية أكبر بعد أن استطاع "شباب الإنترنت" أولئك الإطاحة بعدة زعماء عرب لم تستطع جماعات مسلحة ذات تمويل وإعداد كبيرين هز عروشهم. لكن هذه المساحة الافتراضية وفي بعدها التعليمي تحديدا لم تدرك مجدها بحق إلى أن انتشر فيروس كورونا. 

الآن، انتقل التعليم، كما عالم الأعمال، كليا إلى المساحة الافتراضية مثبتا أن العالم الافتراضي ليس فقط قادرا على إيصال المعلومات بل أصبح الآن الطريقة الوحيدة التي يتم فيها التعليم في معظم مؤسسات العالم التعليمية والأكاديمية. التعليم عن بعد لا يكسر النسقية الكلاسيكية للتعليم بل يخلق فرصا أخرى تدفع بنا دون رجعة نحو منهج تعليمي جديد يسارع في تغير نسق التفكير والأنماط الاجتماعية الأخرى.

أدعو قراء هذا المقال إلى الاهتمام بنشر مواقعهم التعليمية المفضلة في التعليقات لمساعدة أكبر عدد ممكن للتعرف على الموارد المتوفرة مجانا

لكن هذا العالم الافتراضي انتعش في الأصل لوجود من آمنوا به منذ البداية واستثمروا فيه إدراكا منهم للإمكانيات التعليمية الهائلة التي يحظى بها. وفي العالم العربي وقبل الربيع العربي وقبل كوفيد19، كان الدكتور أحمد هندواي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة بنسلفانيا وزوجته الدكتورة نجوى عبد المطلب الحاصلة على شهادة الدكتواره في الرياضيات من السباقين في المساهمة في هذا المجال. 

وما قام به أحمد ونجوى كان مُذهلا حيث أسسا مؤسسة هنداوي لتقوم بشراء حقوق النشر لأهم الكتب العربية وكذلك الكثير من الكتب بالإنكليزية من دور نشر مرموقة مثل دار جامعة أوكسفورد للنشر Oxford University Press وقاموا بترجمتها إلى العربية ثم بناء أكبر مكتبة افتراضية مجانية للناطقين بالعربية ذات جودة تضاهي أمازون كيندل Amzon Kindle. 

المكتبة المتوفرة على موقع "هنداوي" تضم ما يقارب ألفا وخمسمئة كتاب فيما يزداد عدد الكتب باستمرار حيث تقوم مؤسسة هنداوي بترجمة خمسين كتاب كل سنة. في نفس الوقت يعمل هنداوي وفريقه على تحديث مسارات تعلمية أخرى ذات علاقة بالتعليم باللغة العربية ولغات أخرى عبر شركة "نجوى" والتي توفر دروس في مجالات علمية للطلاب في أكثر من لغة حول العالم. 

ما الذي ألهم أحمد ونجوى لعمل كل هذا؟ جاءت شعلة الإلهام من حبهما العظيم للكتب والمكتبات، ولكن أيضا تأثرهما بتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2003. التقرير تكلم بالتفصيل عن العجز المستشري في القطاع المعرفي في العالم العربي والذي يشكل نقص الترجمة إلى اللغة العربية أحد أسبابه. حينها قررا إشعال شمعة في الظلام والمساهمة شخصيا في سد هذه الثغرة. ومما يدعو إلى التفاؤل في مشروع هنداوي أن أعداد مستخدمي المكتبة الافتراضية في ازدياد مستمر.

على الطرف الآخر من العالم، ومنذ انتشار الوباء العالمي، هبت شركات أجنبية ضخمة لمساعدة الطلاب في العالم العربي لسد ثغرة إغلاق المدارس. من هذه الشركات شركة غوغل حيث قام فريق من الشباب من دول مثل مصر، والعاملين في شركة غوغل بالتعاون وبتشجيع من مدراء في الشركة، قاموا بخلق قنوات لمساعدة طواقم المعلمين والطلاب على السواء. 

جهود هؤلاء وغيرهم تعزز الإيمان بالإنسانية وكرمها وبقدرتها على مواجهة أصعب التحديات

فموقع غوغل: "التدريس من المنزل" يركز على المعلمين بشكل رئيسي فيما تركز قناة يوتيوب "دروسي" على توفير محتوى لمختلف المواد والصفوف المدرسية من شركات من حول العالم العربي. 

أنا بدوري علمت عن هذا الجهد من صديقي أندي برنت نائب رئيس غوغل ومدير مختبر الإبداع في الشركة هو أحد المتحمسين لدعم أي مشروع إنساني. لكن من الواضح أن هنالك جهودا أخرى لا تعد ولا تحصى تسعى لمزيد من المساعدة.

جهود هؤلاء وغيرهم تعزز الإيمان بالإنسانية وكرمها وبقدرتها على مواجهة أصعب التحديات. في نفس الوقت، تظهر السرعة المذهلة التي تحولت فيها كثير من الجامعات وكذلك الكثير من المدارس إلى التعليم عبر الإنترنت وتوائمها مع أزمة كوفيد19 أن البنية التحتية البشرية الخاصة باستخدام الإنترنت للنهوض بالتعليم موجودة وجاهزة وهي جيل الشباب... 

فكيف يمكن الاحتفاء في هكذا جهود وتعزيزها ونشرها لمساعدة أكبر عدد ممكن من معلمينا وطلابنا؟ أدعو قراء هذا المقال إلى الاهتمام بنشر مواقعهم التعليمية المفضلة في التعليقات لمساعدة أكبر عدد ممكن للتعرف على الموارد المتوفرة مجانا. ما هو موقعك التعليمي المفضل؟ ماذا يوفر هذا الموقع؟ لنساهم جميعنا في تسليط الضوء على الموارد المتاحة للراغبين فيها وإشعال مزيد من الشموع.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.