A handout picture released by the official Facebook page for the Syrian Presidency on February 16, 2020, shows Syrian President…

هي ليست المرة الأولى وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة التي يتعرض فيها رأس النظام السوري إلى الإهانات المباشرة من موسكو، لكن هذه المرة جاءت فجّة وواضحة، تحمل رسائل سياسية داخلية وخارجية بعدة اتجاهات وأثارت حفيظة طهران وحملت وزير خارجيتها إلى دمشق على وجه السرعة.

زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى العاصمة السورية في هذه الظروف يمكن وضعها في إطار محاولات طهران تطمين الأسد بأنها تقف إلى جانبه بعد "جرّة الأذن" الروسية الأخيرة التي تعرض لها.

موجة الانتقادات الروسية الأخيرة كشفت عن تباين روسي إيراني حول مستقبل الحل في سوريا ومصير الأسد. بالنسبة لموسكو، تعتبر نفسها أنجزت المهمة وباتت أكثر رغبة في إنهاء الحرب والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستعداد لتقديم تنازلات مدروسة تحفظ مصالحها، وذلك بعد تبلور قناعة عند بعض صُناع القرار الروسي بأن استمرار الأزمة واستنزاف ما تبقى من سوريا يتسبب بأضرار داخلية على المدى البعيد.

مما لا شك فيه أن انتخابات حرة وبإشراف أممي ستأتي بشكل جديد لسوريا لن يكون في مصلحة طهران

أما طهران التي دفعت الكلفة الأعلى في الحرب على ثورة الشعب السوري، فإن نهاية الحرب وفقا للنتائج التي يراها الكرملين مناسبة لطموحاته بمثابة إجحاف بحقها، والتي ستنعكس سلبا على الداخل الإيراني مع تراكم الأزمات والصعوبات المعيشية التي يتعرض لها نتيجة الحصار الدولي بسبب مشاريع النظام الخارجية، فيما النظام يعلم أن شرعيته مرتبطة في استمرار نفوذه الخارجي لذلك يستثمر في حربه السورية.

من المبكر جدا الرهان على خلاف إيراني روسي حول سوريا والأسد، خاصة أن المصالح المشتركة بين الطرفين استراتيجية وطويلة الأمد، إلا أنها لا تخلو من المنافسة، الأمر الذي سمح للأسد بالإقامة في المساحة الفاصلة ما بين رغبات موسكو ومطالب طهران، وهو ما يؤمن له توازنا هشا يساعده بالاستعانة بواحد منهما ضد الآخر، يلجأ إليه طالبا حمايته من رغبات أو مطالب الطرف الآخر.

لكن الجديد والملفت في ما صدر من موسكو وفي هذا التوقيت هو الاعتراف غير المباشر بأن الأسد لا يحظى إلا بشعبية 23 بالمئة من السوريين. لكن السؤال هل هذا الإحصاء جرى فقط داخل المناطق التي يسيطر عليها النظام؟ فكيف لو تم احتساب 12 مليون سوري ما بين نازح ولاجئ، ما قد يستدعي العودة إلى واحد من أبرز الأزمات في المفاوضات الروسية الغربية حول المرحلة الانتقالية التي تناولت معضلتين، حق الأسد بالترشح لدورة جديدة وحق الفارين من جحيمه بالتصويت.

تراكم الأحداث واهتراء النظام أدى إلى تبدل هندسي في شكل الهرم، وبات وافقا على رأسه، وإذا سقط الرأس تهاوى الهرم وهذا ما يقلق طهران

الجدير ذكره أنها ليست المرة الأولى التي تتناول فيها موسكو النظام بقسوة، وتتحدث علانية عن مستقبله، ففي شهر فبراير المنصرم دعا كبير الباحثين في معهد الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية المؤرخ ستانسلاف إيفانوف إلى عدم التمسك بشرعية سلطة الأسد، وغمز من قناة شرعيته بسب بطرد "سوريا الأسد" من جامعة الدول العربية، ويحتسب عدد السوريين الذين يعترفون بسلطة النظام، وعدد أولئك الذين انتخبوه منهم.

مما لا شك فيه أن انتخابات حرة وبإشراف أممي ستأتي بشكل جديد لسوريا لن يكون في مصلحة طهران، وذلك بسبب ربط مصالحها بشخص الأسد وتركيبة نظامه، وهي ستدفع ثمن دعمها لحرب مذهبية خاضها ضد الأغلبية السورية.

في المقابل ترسم موسكو علاقة استراتيجية جديدة مع الدول العربية التي تنتمي مذهبيا إلى نفس الأغلبية السورية، إضافة إلى تركيا، ما سيؤمن لها حماية مصالحها الاستراتيجية في سوريا وضمانا لحصتها في إعادة الإعمار إن حصلت، كما أن الدعوة إلى إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية مستقبلا سيضعف من دور طهران التي ارتبط نفوذها الأساسي عبر هذه المؤسسات.

أزمة طهران أنها تعاملت مع الأسد بوصفه رأس الهرم في نظام يلبي مصالحها، لكن الحرب السورية وتلاشي مؤسسات الدولة وحضورها، اختزل سوريا الدولة بالنظام واختزل النظام برمزية الأسد، فتبنت طهران هذه الرمزية واستخدمتها مبررا لضمان نفوذها واستمراره، إلا أن المعضلة التي تواجهها الآن أن تراكم الأحداث واهتراء النظام وفشلها أدى إلى تبدل هندسي في شكل الهرم، وبات وافقا على رأسه، وإذا سقط الرأس تهاوى الهرم وهذا ما يقلق طهران.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.