A red fox walks in an empty park in the southern Israeli city of Ashkelon, where predatory animals now roam amid the…
ثعلب أحمر يتمشى في أحد شوراع مدينة أشكلون الإسرائيلية بعدما فرغت من الناس بسبب فيروس كورونا

احتفت الأرض بنفسها في يوبيلها الذهبي قبل يومين، احتفاءً مختلفا واستثنائيا عن أي وقت مضى.

غاب الإنسان عن هذه الاحتفالية، وهو، أسمى كائناتها. في الوقت ذاته، أثقل من عليها في عبثه وانتهاكاته التي لا تحتمل، وهو من منحها منذ البدء القيمة والمعنى لهذا التقدير. فبدت احتفاليتها المنفردة بدونه محزنة في أحد جوانبها، وبخاصة حين فُرض غيابه القسري لمرضه، الذي منحها هذه الإجازة التنفسية الطارئة، وكأن الأمر متلازمة سوريالية، نشاطه يمرضها، ومرضه يعافيها.

خلال أقل من ثلاثة أشهر، وهو زمن يعتبر لامتناه في قصره من عمر كرتنا البديعة، لمس الجميع من حوله، تغيرات التعافي الإيجابية والمشرقة التي تجلت في البيئة وقدرتها المدهشة على التجدد. تغيرات لحظَتها البشرية بكافة حواسها، حيث انقشعت الرؤية، وأحالنا السكون إلى نقاء الإنصات، وأدى تراجع تلوث الهواء ليس إلى تنقية رئاتنا فقط، بل إلى تغير ملمس بشرة الأرض، وطعم المياه والغذاء شبه الخاليين من السمّية التي دست في حيواتنا ورافقتنا لسنوات.

أجمل ما تحقق في هذه الاستراحة الكونية، ترجم في رد الفعل العفوي والسريع لجميع الكائنات الحية الأليفة والمتوحشة معا، التي عادت للتكاثر بطمأنينة، والاسترخاء مع صغارها تحت الشمس وفوق الرمل، أو التمدد في اتساع المروج الخضراء دون اكتراث، أو اللهو على الشطآن دون ذعر.

لا تتعظ البشرية من دروسها القاسية التي تصيبها جراءها كل حين.

وأبرز ردود فعل هذه الكائنات التي ستعلق في الذاكرة لأمد طويل، هو اقتحامها للمدنية بجرأة، والتسكع في شوارع المدن وحدائقها وأحيائها الآهلة بالسكان، بكل حرية وأمان، وكأنها تريد أن تذكر الانسان، في تبادل الأدوار القاسي هذا، أن هذا الكوكب كان مشاعا لها في البدء قبله، وحضوره فوقها في وقت لاحق، والذي سخرت ورضخت له طائعة بأمر من السماء، كان ظالماً ومتغولا في وحشيته وقسوته، أكثر بكثير من دوره الأنيس والرفيق، المفترض أن يكون عليه ككائن عاقل.

في السادس من شهر أبريل الجاري، أصيبت النمرة /ناديا في حديقة الحيوان في نيويورك بفيروس كورونا نقله لها حارس الحديقة من دون قصد، لكن القصدية في الأذية، تحققت قبلها بشهر، أي مع بدء الانتشار العالمي لفيروس كورونا مطلع شهر مارس الفائت، حين تمكن صيادون مجرمون من قتل الزرافة البيضاء الوحيدة والنادرة في العالم مع صغيرها. 

صورة وزعتها ناسا تظهر انخفاض الانبعاثات الملوثة في الصين قبل وبعد الحجر الصحي

وخلال الأشهر الثلاث الماضية من تفشي جائحة كورونا، أزهقت أرواح العديد من القطط والكلاب الأليفة، أو رميت في الشوارع بلا طعام في عدد من الدول، وتم تبادل مقاطع فيديو لعمليات تسميمها، وبشكل خاص في لبنان، تحت ذريعة الخوف من نقلها لعدوى الفيروس، رغم أن كل التقارير أثبتت أن الانسان هو من ينقل لها المرض وليس العكس.

قبل عام تحديدا، قررت الحكومة الأسترالية قتل مليوني قط من القطط البرية بسبب اصطيادها للزواحف والطيور. لم تمض أشهر قليلة حتى شهدت أستراليا حرائقها الكارثية التي قضت على الأخضر واليابس ومختلف الكائنات الحية التي لن تستعاد قبل خمسين عاما حسب التقديرات، وما زالت صور حيوانات الكنغارو الناجية ترفع أياديها تحت المطر وكأنها تستنجد بإغاثة السماء، واحدة من أقسى الصور وأكثرها إيلاما في الذاكرة القريبة.

سنة 1958، أباد الرئيس الصيني ماو تسي تونغ الملايين من عصافير "الدوري"، وهو عصفور، يعتبر في بعض المعتقدات الشعبية الأميركية، بأنه الطير الذي ينقل أرواح الموتى لحظة موتهم إلى السماء. أبادهم ماو في مجزرة مهولة بحجة سرقاتهم المستمرة للحبوب، الأمر الذي أدى إلى خلل إيكولوجي، وازدياد عدد الحشرات والقوارض التي كانت تصطادها هذه الطيور، ومن ثم نشوء أضرار بالغة في الزراعة، انتهت جميعها بالمجاعة الصينية الكبرى التي قتلت خلال ثلاث سنوات لاحقة ما يقارب الأربعين مليون نسمة.

تتسع هذه الأرض لنا معا، تتسع للغاية حين نقرر، أن نبقى، أو نفنى معا

قبل الصين بسبعة قرون، أبادت أوروبا بمرسوم باباوي ملايين من القطط، وذلك بحرقها هي وأصحابها إبان حملات التفتيش في العصور الوسطى، تحت ذريعة ارتباط القطط، السوداء منها بشكل عنصري خاص، بأصحاب السحر والشعوذة، وهو ما تسبب بدوره إلى ازدياد عدد القوارض، وانتشار جائحة الطاعون الأسود التي تسببت بوفاة نحو ثلث سكان أوروبا.

الشواهد على هذه الجرائم البيئية كثيرة ويصعب حصرها، تاريخية كانت أم حديثة، لا تتوقف عن تماديها، ولا تتعظ البشرية من دروسها القاسية التي تصيبها جراءها كل حين. 

وفي ظل جائحة كورونا وأسبابها التي نسبت إلى العبث بالحياة البرية، ليس المطلوب منعها أو الحد من المتاجرة بها فقط، بل تطالب البشرية اليوم باستراتيجية موحدة، تشبه ميثاق شرف دولي، تحدد آليات التعامل المنطقي مع البيئة وتجريم انتهاكاتها، وتحمل مسؤولية هذه الأرض ومن عليها، بعقلية حازمة ومغايرة، تحد من العبث بالطبيعة بكافة أشكاله. وإن لم تفرض هذه الاستراتيجية الدولية الصارمة، لن يكون مستغربا أن نظل حبيسي أقفاص البيوت إلى أمد غير قريب، تعبر من أمام نوافذنا الكائنات الحية، وتسخر من هشاشتنا التي تباد بأتفه الصغائر.

تتسع هذه الأرض لنا معا، تتسع للغاية حين نقرر، أن نبقى، أو نفنى معا.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.