احتفت الأرض بنفسها في يوبيلها الذهبي قبل يومين، احتفاءً مختلفا واستثنائيا عن أي وقت مضى.
غاب الإنسان عن هذه الاحتفالية، وهو، أسمى كائناتها. في الوقت ذاته، أثقل من عليها في عبثه وانتهاكاته التي لا تحتمل، وهو من منحها منذ البدء القيمة والمعنى لهذا التقدير. فبدت احتفاليتها المنفردة بدونه محزنة في أحد جوانبها، وبخاصة حين فُرض غيابه القسري لمرضه، الذي منحها هذه الإجازة التنفسية الطارئة، وكأن الأمر متلازمة سوريالية، نشاطه يمرضها، ومرضه يعافيها.
خلال أقل من ثلاثة أشهر، وهو زمن يعتبر لامتناه في قصره من عمر كرتنا البديعة، لمس الجميع من حوله، تغيرات التعافي الإيجابية والمشرقة التي تجلت في البيئة وقدرتها المدهشة على التجدد. تغيرات لحظَتها البشرية بكافة حواسها، حيث انقشعت الرؤية، وأحالنا السكون إلى نقاء الإنصات، وأدى تراجع تلوث الهواء ليس إلى تنقية رئاتنا فقط، بل إلى تغير ملمس بشرة الأرض، وطعم المياه والغذاء شبه الخاليين من السمّية التي دست في حيواتنا ورافقتنا لسنوات.
أجمل ما تحقق في هذه الاستراحة الكونية، ترجم في رد الفعل العفوي والسريع لجميع الكائنات الحية الأليفة والمتوحشة معا، التي عادت للتكاثر بطمأنينة، والاسترخاء مع صغارها تحت الشمس وفوق الرمل، أو التمدد في اتساع المروج الخضراء دون اكتراث، أو اللهو على الشطآن دون ذعر.
لا تتعظ البشرية من دروسها القاسية التي تصيبها جراءها كل حين.
وأبرز ردود فعل هذه الكائنات التي ستعلق في الذاكرة لأمد طويل، هو اقتحامها للمدنية بجرأة، والتسكع في شوارع المدن وحدائقها وأحيائها الآهلة بالسكان، بكل حرية وأمان، وكأنها تريد أن تذكر الانسان، في تبادل الأدوار القاسي هذا، أن هذا الكوكب كان مشاعا لها في البدء قبله، وحضوره فوقها في وقت لاحق، والذي سخرت ورضخت له طائعة بأمر من السماء، كان ظالماً ومتغولا في وحشيته وقسوته، أكثر بكثير من دوره الأنيس والرفيق، المفترض أن يكون عليه ككائن عاقل.
في السادس من شهر أبريل الجاري، أصيبت النمرة /ناديا في حديقة الحيوان في نيويورك بفيروس كورونا نقله لها حارس الحديقة من دون قصد، لكن القصدية في الأذية، تحققت قبلها بشهر، أي مع بدء الانتشار العالمي لفيروس كورونا مطلع شهر مارس الفائت، حين تمكن صيادون مجرمون من قتل الزرافة البيضاء الوحيدة والنادرة في العالم مع صغيرها.
وخلال الأشهر الثلاث الماضية من تفشي جائحة كورونا، أزهقت أرواح العديد من القطط والكلاب الأليفة، أو رميت في الشوارع بلا طعام في عدد من الدول، وتم تبادل مقاطع فيديو لعمليات تسميمها، وبشكل خاص في لبنان، تحت ذريعة الخوف من نقلها لعدوى الفيروس، رغم أن كل التقارير أثبتت أن الانسان هو من ينقل لها المرض وليس العكس.
قبل عام تحديدا، قررت الحكومة الأسترالية قتل مليوني قط من القطط البرية بسبب اصطيادها للزواحف والطيور. لم تمض أشهر قليلة حتى شهدت أستراليا حرائقها الكارثية التي قضت على الأخضر واليابس ومختلف الكائنات الحية التي لن تستعاد قبل خمسين عاما حسب التقديرات، وما زالت صور حيوانات الكنغارو الناجية ترفع أياديها تحت المطر وكأنها تستنجد بإغاثة السماء، واحدة من أقسى الصور وأكثرها إيلاما في الذاكرة القريبة.
سنة 1958، أباد الرئيس الصيني ماو تسي تونغ الملايين من عصافير "الدوري"، وهو عصفور، يعتبر في بعض المعتقدات الشعبية الأميركية، بأنه الطير الذي ينقل أرواح الموتى لحظة موتهم إلى السماء. أبادهم ماو في مجزرة مهولة بحجة سرقاتهم المستمرة للحبوب، الأمر الذي أدى إلى خلل إيكولوجي، وازدياد عدد الحشرات والقوارض التي كانت تصطادها هذه الطيور، ومن ثم نشوء أضرار بالغة في الزراعة، انتهت جميعها بالمجاعة الصينية الكبرى التي قتلت خلال ثلاث سنوات لاحقة ما يقارب الأربعين مليون نسمة.
تتسع هذه الأرض لنا معا، تتسع للغاية حين نقرر، أن نبقى، أو نفنى معا
قبل الصين بسبعة قرون، أبادت أوروبا بمرسوم باباوي ملايين من القطط، وذلك بحرقها هي وأصحابها إبان حملات التفتيش في العصور الوسطى، تحت ذريعة ارتباط القطط، السوداء منها بشكل عنصري خاص، بأصحاب السحر والشعوذة، وهو ما تسبب بدوره إلى ازدياد عدد القوارض، وانتشار جائحة الطاعون الأسود التي تسببت بوفاة نحو ثلث سكان أوروبا.
الشواهد على هذه الجرائم البيئية كثيرة ويصعب حصرها، تاريخية كانت أم حديثة، لا تتوقف عن تماديها، ولا تتعظ البشرية من دروسها القاسية التي تصيبها جراءها كل حين.
وفي ظل جائحة كورونا وأسبابها التي نسبت إلى العبث بالحياة البرية، ليس المطلوب منعها أو الحد من المتاجرة بها فقط، بل تطالب البشرية اليوم باستراتيجية موحدة، تشبه ميثاق شرف دولي، تحدد آليات التعامل المنطقي مع البيئة وتجريم انتهاكاتها، وتحمل مسؤولية هذه الأرض ومن عليها، بعقلية حازمة ومغايرة، تحد من العبث بالطبيعة بكافة أشكاله. وإن لم تفرض هذه الاستراتيجية الدولية الصارمة، لن يكون مستغربا أن نظل حبيسي أقفاص البيوت إلى أمد غير قريب، تعبر من أمام نوافذنا الكائنات الحية، وتسخر من هشاشتنا التي تباد بأتفه الصغائر.
تتسع هذه الأرض لنا معا، تتسع للغاية حين نقرر، أن نبقى، أو نفنى معا.

