A view of the city skyline and River Nile from Cairo tower building in the capital of Cairo, Egypt December 5, 2019. REUTERS…
القاهرة كما تبدو من برجها

هل تعرف من هو نعوم شبيب؟ ماذا عن برج القاهرة، هل تعرفه؟

لا يوجد مواطن مصري أو زائر إلى مصر لا يعرف برج القاهرة. أحد أهم معالم العاصمة المصرية. ولكن ما لا يعرفه كثيرون، أن من صمم ونفذ هذا البرج، على شكل زهرة اللوتس المصرية، هو المهندس اليهودي المصري نعوم شبيب، الذي يعد من أهم رواد العمارة المعاصرة في مصر.

ترك نعوم شبيب تراثا تاريخيا كبيرا لا تزال ملامحه موجودة حتى الآن في كل أنحاء القاهرة.

لم يصمم نعوم برج القاهرة فقط، بل صمم مبنى جريدة الأهرام والعديد من المباني الأخرى المميزة الأخرى ومنها كنيسة سانت فاتيما الجميلة بمصر الجديد.

ولكن بالرغم من هذا التراث المعماري الجميل، إلا أن شبيب أصبح اسما في طي النسيان. لماذا؟ ببساطة لأنه "يهودي".

على مدى عقود أصبحت تهمة التطبيع مع إسرائيل وسيلة لطمس ذكرى اليهود العرب ومساهمتهم الإيجابية في المجتمعات العربية

هوية تعتبر من قبل البعض وصمة عار. يربطونها بالحركة الصهيونية والتطبيع مع إسرائيل. حتى المقالات المنشورة عن شبيب تعمدت عدم ذكر هويته اليهودية.

تذكرت شبيب حين قرأت عن الجدل الذي فجره المسلسل الخليجي "أم هارون" المقرر عرضه في شهر رمضان، والذي يتناول التواجد اليهودي في دول الخليجية في أوائل القرن العشرين. وكالعادة، وجهت اتهامات التطبيع مع إسرائيل ضد المسلسل حتى قبل عرضه.

على مدى عقود عديدة، أصبحت تهمة التطبيع مع إسرائيل وسيلة لطمس ذكرى اليهود العرب ومساهمتهم الإيجابية في المجتمعات العربية.

وكأن إنكار تاريخ الوجود اليهودي في العالم العربي هو الحل للقضية الفلسطينية، والأسلوب الأمثل لإفشال ما سمي بـ "صفقة القرن".

أصبح كل شيء مرتبط بشخص يدين باليهودية، في نظر العديد من المصريين والعرب، رمزا للعمالة والخيانة والصهيونية.

نعوم شبيب هو مثال صارخ يعكس مدى ضحالة هذا التفكير. فقد كلف شبيب ببناء برج القاهرة في عهد جمال عبد الناصر، وبقي في مصر حتى عام 1971. وعندما ترك مصر لم يهاجر إلى إسرائيل بل إلى كندا.

هناك أمثلة عديدة ليهود مصر والعرب الذين أحبوا أوطانهم العربية وأخلصوا لها، وأجبروا على تركها من غير ذنب غير هويتهم الدينية اليهودية. حتى بعض من هاجر منهم إلى إسرائيل، ما زال يتباكى على بلاده الأصلية ويتمنى العودة إليها.

سبعون عام من الطمس الممنهج لتاريخ اليهود في عالمنا العربي، لم تؤد إلى نتيجة إيجابية لصالح الفلسطينيين والعرب.

نسينا شبيب وبنزيون وقطاني، ولم نكسب إلا مزيدا من الاحتلال للأراضي العربية في الجولان والضفة العربية.

أصبحنا نعبد شعارات المقاومة والممانعة، مع أنها لم تخدم يوما القضية الفلسطينية، بل خدمت أجندات الملالي وجماعات الإسلام السياسي، التي حولت بلادنا إلى مجتمعات منغلقة تعبد الشك والخوف والتخوين.

هناك مجهودات عديدة في مصر الآن لتغيير ثقافة الرفض والتخوين. فقد تم ترميم وافتتاح المعبد اليهودي في الإسكندرية مؤخرا.

سبعون عام من الطمس الممنهج لتاريخ اليهود في عالمنا العربي، لم تؤد إلى نتيجة إيجابية لصالح الفلسطينيين والعرب

ولكننا، وعلى الرغم من الاهتمام بالمباني، لا نزال نتحرج من الأشخاص، كنعوم شبيب وغيره، وكأن تذكرهم ذنب لا نريد أن نرتكبه، لا لشيء إلا لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا نرفض التطبيع مع إسرائيل. حتى المسلسل المصري "حارة اليهود" الذي عرض منذ بضعة أعوام كان مليئا بالمغالطات والتهويل.

هناك فارق كبير بين ثقافة النضج وثقافة التطبيع. فالنضج هو أن تتعامل مع حقائق التاريخ بموضوعية، وألا تطمس تفاصيل الماضي خوفا من عدو، أو حبا في صديق.

والنضج هو أن نرفض سياسة التعتيم الإعلامي ضد أقلية من أهل الكتاب عاشت بيننا لقرون عدة. النضج أن تجعل الفن يشفي جروح الماضي ويفتح الباب لمستقبل أفضل.

ولذلك أتمنى من الأخوة في الخليج ألا يكرروا التجربة المصرية، وأن يستقبلوا مسلسل "أم هارون" بلا تشنج أو رفض. كما أتمنى ألا يكرر المسلسل أخطاء الدراما المصرية وأن يكون إضافة إيجابية في سجل الدراما العربية.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.