A volunteer in protective suits controls a drone to spray disinfectants at Zhengwan village, as the country is hit by an…
استخدمت الطائرات المسيرة بشكل واسع في الصين

في الصيف الكندي، لم تكن طاولات العرض في المكتبات تخلو من كتابين أو أكثر يتعلقان بالذكاء الاصطناعي أو بأحد عمالقته الكبار. من بين الكتب الملفتة وجدت كتاب L’ I A va-t-elle aussi tuer la Démocratie؟ (هل سيقتل الذكاء الاصطناعي الديمقراطية)، لمؤلفيه، لورنت ألكسندر وجان فرنسوا (Laurant Alexandre-  Jean François, Copé J.-C. Lattѐs, 2019, Paris).

طرح هذا الكتاب باكرا مواضيع النقاش المثارة حاليا، إثر اجتياح فيروس كورونا العالم، ودور الصين في التسبب به. أثارت الصين إعجاب كثيرين بفيديوهاتها وحركاتها التسويقية لتعاملها مع الوباء، من الروبوت الذي يحمل الوجبات للمحجورين، إلى قدرتها في السيطرة عليه ومساعدتها لإيطاليا في محنتها ولغيرها من البلدان.

فكرة الكتاب التي جمعت بين متخصص في الذكاء الاصطناعي وسياسي مهتم بالعلوم، جاءت كنوع من تحذير حول خطورة الوضع بانتظار الكارثة المقبلة التي ستتعذر معالجتها. فالمستقبل سيكون ساحة صراع بين تقدميين منفتحين على التغيرات التقنية وبيو ـ محافظين معارضين لهذا التوجه. وسينقسم العالم بين ديكتاتوريات دون مبادئ ولا قوانين، ما سيجعل منها مختبرات للذكاء الاصطناعي دون ضابط ـ الصين نموذجا ـ وديمقراطيات مثقلة وخائفة يعطلها رعب التقدم.

والفكرة الأساسية أن الذكاء الاصطناعي سيقلب عالمنا، لأنه قنبلة انشطارية للديمقراطية الليبرالية. ففك شيفرة الأدمغة ستحدث تغيرا حضاريا هائلا: تسلسل الـ DNA والتعديلات الجينية والانتقاء الجنيني أي "الطفل حسب الطلب". جميعها تصدم المعتقدات وتفجر الانشطارات السياسية.

سيصبح التحدي الأخلاقي من نوع: هل من الأفضل أن تصدم السيارة ذات القيادة الأوتوماتكية طفلين أو 3 عجائز؟ هذا ما سيجبرنا على توضيح قيمنا الأخلاقية والسياسية. بالإضافة إلى أنه سيحول عالم الميديا ويسمح بالتلاعب بالناخبين: الأمر المؤثر على التوازنات واللعبة السياسية. فعندما تسمح أجهزة عمالقة الرقمي للمعلومات وزبائنهم بفهم الأدمغة، سوف يتلاعبون بها ويخضعوها للتأثير. يضع ذلك موضع تساؤل معنى حرية الضمير والحرية والاستقلالية والهوية، ويفتح الباب أمام التوتاليتارية النيرو ـ تكنولوجية.

حروب القرن الحادي والعشرين نمط جديد، حروب خفية تُلعب بصمت عبر كابلات من الفايبر البصري وتكّون شبكة عملاقة حول الكرة

تعديل السلوك بواسطة منصات وتطبيقات ستدخل في منافسة مع قانون البرلمان، فتسحب من السياسيين الأداة الأساسية للتأثير على العالم. إنه تعجيل للتاريخ بتوليد ألعاب نارية تقنية مذهلة: فيما تعجز الميكانيزمات البطيئة والأثرية على إنتاج التوافق السياسي والقانوني عن اللحاق بجميع الصدمات المتتابعة لتنظيمها. سيتزود عمالقة الرقمي بسلطة سياسية متزايدة، ما ينتج عنه انقلابا خفيا. فتتغير تراتبية الأفراد والمؤسسات والعواصم والبلاد بسرعة جنونية. ما يولد قلة من الرابحين والكثير من الخاسرين.

جميع المراسي والمرجعيات التقليدية ستوضع موضع تساؤل. ستتخطى التغيرات العنيفة والسريعة الطبقات الشعبية ما يفتح على جميع المغامرات السياسية العجيبة. الذكاء الاصطناعي يعطي أفضلية كبيرة للأفراد المتمتعين بذكاء مفاهيمي متفوق لإدارة العالم المعقد في قيد البناء: يغذي ذلك فكرة التآمر ونبذ النخب واحتجاج الخبراء. نصل آليا إلى لامساواة متزايدة ومراكز تتكثف فيها الثروات حول عمالقة الرقمي ما يغذي الشعبوية.

وتزداد اللامساواة الفكرية بفضل شخصنة التعليم: ما ينتج اختلافات لا تطاق لأن الدخول في اقتصاد المعرفة لا يحتاج الاشخاص الأقل موهبة. والذكاء الاصطناعي غير مفهوم من قبل الأنظمة التربوية التي تدفع أطفالها نحو المهن المهددة النمو. ما يعد بكثير من السترات الصفراء.

صُمِّمت تشكيلات نماذج الذكاء الاصطناعي من قبل معلمي منصات البيغ داتا، المعروفين لدى الجمهور. وبما أن هذا الذكاء ينتج نفسه حصريا انطلاقا من معطيات السلوك الشخصي التي لُقِّم بها، يصبح التفاوت بين الرؤية التي يحملونها للعالم والبنى الاجتماعية الموجودة تحمل بذور التفجير السياسي. 

فالفضاء السيبراني يعود إلى عمالقة الرقمي، الأفضلية بالتالي لهم. ما سيقلل من سيادة الدول الديمقراطية، لكنه سيعطي أفضلية للنظام الصيني الأورويلي للمزيد من ممارسة الرقابة الاجتماعية، ميدانه المفضل.

الذكاء الاصطناعي أول اختراعات الإنسان التي لا تفهمها الإنسانية: الأمر الذي يحد بشكل فريد من القدرة على تطويعه، حتى ولو أنه حتى الساعة لا يمتلك أي وعي اصطناعي. لقد حمل لأول مرة في التاريخ المعاصر، أفضلية اقتصادية وتنظيمية للأنظمة المتسلطة: وهذا ما يخرب النموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي.

المشكلة أيضا أنه يعطل السلطات المناهضة للاحتكارات التي لا تعرف تنظيم وقوننة الخدمات المجانية التي تقدمها محركات البحث والشبكات الاجتماعية والويب مايل.. الانفتاح والمنافسة في الأسواق الرقمية معطلان.

لذا لا يمكن أن ينظم إلا بواسطة سياسيين لامعين وضليعين بالميدان الرقمي. لكن موجة الشعبوية التي ترافقه تقود الرأي العام إلى المطالبة بالعكس، خفض رواتب الوزراء والموظفين الكبار. ما يمكّن عمالقة الرقمي أن يستقطبوا أفضل الأدمغة. وهذا يضعف الدفاع عن الديمقراطية لأن السياسيين سيكونون متخلفين عن فهم ما يجري.

غالبا ما ترافقت الثورات التقنية مع احتكاكات اجتماعية قوية لأن المؤسسات تكون متأخرة عن حالة العالم المستجدة. فالطفرات الاقتصادية تكون أسرع من تطور المؤسسات. وعندما تحصل التغيرات غالبا ما تكون ناتجة عن تفاوت حرج بين العالم والمؤسسات. فدولة ـ الرعاية مثلا أنبتت بعد عقود من ثورة المحرك المتفجر الذي قلب حياة المدن والنقل والتنظيم الاجتماعي.

هذه التحولات تغذي عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي للنموذج الحضاري الغربي وللرأسمالية وتزيد هشاشة الديمقراطية. الأزمات السياسية والمالية التي تندلع جراء عوامل معينة تؤثر بطريقة غير متوقعة "1928 و2008" مثلان ساطعان؛ وحاليا جائحة كورونا.

ترتبط أزمة الديمقراطية العالمية بجزء كبير منها بتقاطع نتائج متعددة لدخولنا في عالم تعاد صياغته بواسطة الذكاء الاصطناعي. التقنية والديمقراطية يصبحان متناقضتان، لغياب الطبقة السياسية المتكيفة مع التحديات. نحن في سباق مع السرعة لحماية الديمقراطية، التي سطت عليها التقنية.

ثورة الثورات

الثورة الحالية ليست ثورة إضافية، إنها من نوع جديد. سمح التطور التكنولوجي التقليدي بقفزات جبارة: صرنا أسرع، ونحمل أوزانا أكبر، وننقل بشرا أكثر. جميعها تتعلق بتغيرات نسبية ولا تطال طبيعة الأشياء. الأمر مختلف مع NBIC (نيوتكنولوجي، بيوتكنولوجي، معلوماتية معرفية تجمع الذكاء الاصطناعي والروبوتية وعلم النيرونات)، لأنها تقلب العالم بشكل مدوخ لا نهاية له.

منذ العام 2000 نعيش ثورة من نمط آخر لا نملك أي خبرة حولها. والتقنيات الأربعة المذكورة NBIC يتضاعف وقعها عندما تتضافر؛ يشكل مجموعها متآزرة كوكتيلا متفجرا يسرّع تأثيرات كل واحدة منها.

إنه عصر التصغير والقدرة على القيام بالحسابات وتحويل الحي وتأثيره يقودنا نحو تغيير طبيعتنا البيولوجية.

في العام 1965 شرح غوردن مور لمجلة إليكترونيك ماغازين أن قدرة المعلوماتية تكبر أضعافا مضاعفة exponentiellement. 

هذا يعني الذهاب نحو حرب باردة سيبرانية صينية ـ أميركية. مع فارق قدرة الصين على استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي دون أي رقيب داخلي

عام 1951، كان عرض الترانزيستور 10 ملليمتر؛ عام 1971 أصبح 10 ميكرونات. آخر 2017، وجد أول ترانزيستورات ميكروسكوبية من 10 نانومتر، أي أنحف بعشر آلاف مرة من الشعرة. يوجد الآن 10 مليارات ترانزيستور على معالج دقيق واحد microprocesseur ما يحقق 15000 مليارد عملية بالثانية.  Puce الرقاقة الموجودة الآن في الآيفون محفورة بـ 7 نانومتر، ورقاقة 2020 ستكون على 5 نانومتر. في العام 2022 سيكون سامسونغ قد أنهى بناء مصنع لإنتاج رقاقات على 3 نانومتر. التوظيف المالي المرصود لبنائه يفوق 20 مليار دولار. تضاعفت القدرة المعلوماتية القصوى على الأرض 100 مليون مليار في 80 عاما.

يقلب الذكاء الاصطناعي جميع نقاط ارتكازنا: بنية الأسرة، العمر المتوقع للبشر، الإنجاب وحتى الأفكار حول الله ستتحول. أصبح الخيال العلمي علما. صار الإنسان يتوقع أن يعدل الجينوم ويعيد برمجة الدماغ ويدجن الموت.

الحرب الخفية

خلال آلاف السنين عرفنا الحروب "الساخنة": عبارة عن فرق تغزو أراض أخرى ويتقاتلون وجها لوجه، وتسمع أصوات السلاح المعدنية. كانت الحرب مميتة لكنها مرئية بوضوح.

حروب القرن الحادي والعشرين نمط جديد، حروب خفية تُلعب بصمت عبر كابلات من الفايبر البصري وتكّون شبكة عملاقة حول الكرة.

دخول القوات الألمانية إلى الشانزليزيه كان مرئيا وانطبع في الاذهان. صوت الجزم والأعلام الحمراء انتشرت معلنة الاحتلال. بينما في العام 2020 يستعمرنا عمالقة الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا بصمت. الرأي العام لا يصدق هذه الحرب التي لا يراها. تبرهن أوروبا عن سذاجة كبرى تجاه غيلان التكنولوجيا وتنقسم أمام القتال التكنولوجي العنيف بين أميركا والصين، الذي يهمش القارات الأخرى. تُلبس اوروبا عجزها لباس الحكمة والحذر لتبرير تقاعسها عن الفعل.

اعتقد الأوروبيون بسذاجة أن عمالقة الرقمي في خدمتهم. بينما هم واقعيا قراصنة أميركا والصين الجدد.

ما يعطي أفضلية عسكرية لهما ويقلص الإحاطة بنشاطاتهما بواسطة القانون الدولي: ذلك يعني الذهاب نحو حرب باردة سيبرانية صينية ـ أميركية. مع فارق قدرة الصين على استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي دون أي رقيب داخلي.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.