ربما كانت جملة عابرة في مفتتح مقال عابر؛ كتبتُها قبل خمسة عشر عاما، هي أكثر ما أثار عليَّ غضب التيارين الرئيسين في العالم العربي: القوموي والإسلاموي على حد سواء. اتفقوا هنا؛ مع أنهم كثيرا ما اختلفوا، وتنابذوا، بل وتصارعوا حَدَّ التكفير (تكفير الإسلاموي للقوموي) وحَدَّ التخوين (تخوين القوموي للإسلاموي)، ولكنهم اتفقوا ــ غضبا ـ عليَّ؛ من حيث اتفاقهم على أن تلك الجملة العابرة كانت جارحة ومؤلمة بأكثر مما يمكن احتماله في مجال خلاف أو اختلاف.
كانت الجملة مهذبة، هادئة، والأهم، أنها ليست ملزمة؛ بقدر ما هي حوارية: رأي مطروح في مَهبّ النقد والرد والتفنيد، ولكنها ـ وهنا سِر الغضب الهادر ـ كانت تنكأ عميقا في الجرح النرجسي النازف لدى الأنا الجمعية منذ قرنين أو أكثر. الجملة تقول بكل بساطة: "الحضارة الغربية الحديثة هي الحضارة الحقيقية، المُسْتحِقة ـ موضوعيا ـ لصفة: حضارة، بينما (كل الحضارات) السابقة والمحايثة هي حضارات على سبيل المجاز؛ لا الحقيقة". هكذا تكلّمت!
طبعا، كل الأصوات الغاضبة كانت تبدأ بـ: أين أنت عن الحضارة العربية الإسلامية؟ هل تدخل "حضارتنا" في تعميمك هذا؟...إلخ الأسئلة الاستنكارية التي كان من الواضح أنها تتمحور ـ لا شعوريا ـ حول حماية الذات، أي حول مُدَارَاة ومُدَاوَاة الجرح النرجسي العربي ـ الإسلامي. ففي هذه الجملة ـ وفق تصورهم؛ اللاّواعي في أكثر الأحوال ـ كان الإيلام مضاعفا؛ لأن إنكاري كون حضارتنا/ الحضارة العربية الإسلامية ليست حضارة على سبيل الحقيقة؛ لا يعادله ألما إلا تقريري أن الحضارة الحقيقية هي حضارة الغرب، الغرب الذي هو الآخر دائما، الآخر الذي لا يحضر في الوعي إلا بصفته المقابل الضدي الذي تعي به الذات ذاتها منذ ظهرت على مسرح الأحداث قبل خمسة عشر قرنا.
الإنسان الحر بهذا المعنى هو منجز غربي، لا وجود له في ثقافات الشرق
أبدأ بهذا كنقد للذات/ للأنا، للأنـا العربية ـ الإسلامية خاصة، قبل أن يكون نقدا لأنـا الشرق عامة. ففي سياق محاولتي المستمرة للتحذير من تمثّل النماذج الشرق أقصوية التي حقّقت معدلات نمو مُتسارِع، وحتى لا يعد هذا موقفا متحيزا من آخر ما، وبالتالي موقفا عنصريا، فقد وضعت الأنا/ دائرة انتماءاتي الأولى، على محك النقد/ التشريح؛ لأكشف عن خواء المزاعم المتورمة التي تريد الإزراء على النموذج الغربي، وهو الإزراء الذي يقود ـ بالضرورة ـ إلى الانحياز لخيارات غير حضارية/ غير إنسانية، تستمد مشروعيتها من عمق تراث الأنا (توهّم إنجاز حضاري حقيقي في تاريخ العرب/المسلمين)، أو من صعود نجم النمور الآسيوية (توهّم المنجز الشرقي كمثال لحقيق التنمية؛ مع تجريد المادي من المعنوي)، خاصة وأن تراث الأنا من جهة، وحاضر النجاحات التنموية الشرق أقصوية من جهة أخرى، كلاهما يُحِيل إلى قِيمٍ مركزية تتشابه في كثير من ملامحها، وربما تتماثل ـ أحيانا ـ حَدَّ التطابق التام.
توجّسي الذي يصل حد الذعر من محاولة العرب والمسلمين تمثّل نماذج النهوض الشرقي هو توجّس قديم، وقد عبرت عنه منذ بداياتي الكتابية، ففي 13/5/2004 كتبت مقالا بعنوان: "اليابان ليست نموذجا"، وفي 27/10/2016 كتبت مقالا بعنوان: "التنوير بين الشرق والغرب"، وبينهما كثير من الإشارات التي كانت ترافق مقارباتي لمسألة التَّنَمْذج الحضاري، وفي كل ذلك كنت مُحذّرا من الانسياق وراء إغراء النموذج الشرقي آسيوي أحادي البُعد/ المادي، على حساب النموذج الغربي القائم على تراث التنوير متعدد الأبعاد، والذي هو ـ بحكم هذا التراث الإنسانوي ـ يشترط البعد الإنساني، لا في الشعارات ولا في الدّوَال المُجَردّة من تحقّقاتها الواقعية، وإنما في مستوى وجود الإنسان الحقيقي/ الوجود المتعين/ الوجود الفردي.
الحضارة/ النهضة الحقيقية/ التنمية الفائقة...ـ ليست غابات من الإسمنت، ليست تقنية لا تبتعد كثيرا عن تطوير الألعاب الإلكترونية، بل ليست مجرد مطارات باذخة الاتساع، ولا طائرات تملأ الفضاء كأسراب الجراد، و لا جسورا متعانقة متطابقة تحار فيها العيون، ولا أنفاقا متواصلة تتحدى صلادة الجبال، ولا بنايات شاهقة تخترق السحاب، ولا تقنيات حيوية متطورة تسابق الأحلام وتتجاوز طموحات الخيال، الحضارة ليست كل ذلك، وإن كانت تتوق لكل ذلك، وتنجح في كل ذلك، الحضارة هي حضارة الإنسان الحر، الحر في مدى وجوده الحقيقي/ الوجود الفردي، الإنسان الذي يتحقق وجوده بتمايزه وتميّزه عن الجماد، كما عن الحيوان، بكونه حرا في وعيه، حرا في تقرير مصيره، حرا من حيث هو ضامن ـ بقوة نفاذ الوعي بالحرية في الوعي العام ـ لحقوقه الإنساني الأولى.
الإنسان الحر بهذا المعنى هو منجز غربي، لا وجود له في ثقافات الشرق. والأهم أنه ـ حتى في نظر الغربي، بل في نظر الغربي ابتداء ـ منجز لم يكتمل، هو منجز نامٍ، متطورٍ، مدفوعٍ بوعي نقدي يطمح باستمرار للكمال؛ بناء على يقين راسخ أن لا سبيل إلى الكمال إلا ما كان متحققا في التوق التحرري ذاته، أي في رحلة البحث عن الكمال.
هذا ما يجعل المعنى الإنساني المتحقق في الحرية ـ كتصور وكتجربة ـ لا يزال مفتوحا على آفاق مجهولة في الغرب؛ عكس ثقافات الشرق المغلقة التي تتوهم أنها اكتملت، وبكمالها اكتمل وعي أصحابها، وليس على الأجيال الناشئة إلا إتقان فن تطبيقها آليا/ بحرفية تامة، حتى أصبح المنجز التقني/ التنموي/ المادي موظفا لترسيخ روح "الآلية" ولتوسيع مجالات الحراك المعني بتطبيق النموذج الذهني الموروث.
هل يستطيع الشرقي فهم معنى "التحقق الإنساني"، كما هو عليه الحال في الغرب؟ أذكر أنه في أغسطس 2018 وقف وزير الخارجية الكندي وبجانبه وزير الخارجية الصيني في مؤتمر صحفي بكندا. وكما هو المعتاد، كان الصحفيون يطرحون أسئلتهم بكل حرية. كان وزير الخارجية الصيني يبدو متوترا لما يتوقعه من أسئلة قد تقود إليها هذه الحرية التي لم يعتد عليها، ومن ثم لا يستطيع فهمها ـ فضلا عن تفهّمها ـ بحق. وفعلا، حدث ما كان يخشاه، فقد طرحت إحدى الصحفيات سؤالا على وزير الخارجية الكندي، فحواه: لماذا تتطور علاقتكم بالصين وتتوطد، بينما الصين تتعامل بشكل غير جيد مع المطالبين بحقوق الإنسان، إضافة إلى تطلعاتها غير المستقرة في بحر جنوب الصين (إشارة إلى المشكلة التايوانية)؟
السؤال طبيعي ومتوقع، وكان من المفترض أن يمضي بسلام، أو على الأقل، بتوضيح في ذات السياق الذي يبحث فيه السؤال. لكن، ومع أن السؤال كان موجها لوزير الخارجية الكندي، إلا أن وزير الخارجية الصيني اضطرب غاضبا، وطلب التعليق على السؤال.
الحضارة هي حضارة الإنسان الحر، الحر في مدى وجوده الحقيقي/ الوجود الفردي، الإنسان الذي يتحقق وجوده بتمايزه وتميّزه عن الجماد
قال الوزير الصيني بغضب للصحفية التي طرحت السؤال: هل تفهمين ما هي الصين؟ هل سبق لك أن زرتي الصين؟ سؤالك حكم مسبق، وهو ضد الصين، وفيه غطرسة، ولا أدري من أين جاء الحكم؟ ثم أتبع قائلا/ مجيبا: هل تعرفين أن الصين أخرجت 600 مليون من دائرة الفقر، وأن اقتصاد الصين ثاني اقتصاد في العالم بعد أن كانت مؤسسة صغيرة، هل تتصورين أن التطور الذي يحدث كان ليكون لولا حماية حقوق الإنسان، وأن الصين في دستورها قد أقرت أنظمة تحمي حقوق الإنسان؟ ثم قال: لا تسألي أسئلة وأنتِ لا تستطيعين تحمّلها.
الملاحظ هنا، وبعيدا عن دلالة الغضب، أن الجواب لا علاقة له البتة بالسؤال؛ حتى وإن كان يحاول الالتفاف على السؤال. الإجابة هنا محض مغالطة، وتشتيت انتباه، وفي النهاية هي إجابة تنطق بتثبيت التهمة لا بنفيها؛ من حيث الكشف عن رؤية لا إنسانية للإنسان، أو رؤية عاجزة عن تصوّر ما هي حقوق الإنسان.
السؤال كان عن حقوق الإنسان، وعن تهديد الصين المستمر لتايوان، بينما الإجابة تتجاهل ذلك عمدا، وتسرد المنجزات الصينية المادية التي لا علاقة لها بالسؤال. سؤال الصحفية لم يكن عن عدد الفقراء المستفيدين من النمو في الصين، لم يكن سؤالها عن موقع الصين في الاقتصاد العالمي، لم يكن سؤالها عن المنجز التنموي المادي للصين، بينما هو بإجابته المراوغة يريد أن يُفرّغ السؤال عن حقوق الإنسان من معناه الإنساني بوضعه في سياق هذا الإنجاز المادي الذي يراه عظيما. وهو يربط ـ لمحض الدفاع ـ بين أمرين لا رابط بينهما، فهو يريد أن يتخذ من المنجز التنموي الكبير دليلا على الحضور المسبق لقوانين حقوق الإنسان، ثم هو يريد أن يجعل النصوص الدستورية (وهي منجزات ورقية لا قيمة لها في الدول الشمولية)، بديلا عن الواقع/ الوقائع...إلخ صور المغالطة التي يهرب بها كل مَن لا يملك إجابة مقنعة في موضوع السؤال.
هنا، يتضح أن المسألة ليست سؤالا وجوابا، ليست "سوء فهم لسؤال"، بل ولا "إساءة فهم لسؤال". المسألة هي: تقابل ضدي بين وَعْيَين/ ذِهْنِيّتين مًخْتَلفتين. السؤال يُمَثِّل الوعي/ الذّهْنيّة الغربية، بينما الجواب يُمَثّل الوعي/ الذّهنيّة الشرقية. السؤال الأول/ الذهنية الأولى تبحث عن الإنسان من حيث هو في وجوده الإنساني الحقيقي/ المتعين في الواقع (والذي هو إنسان الحرية والحقوق، بتلازمهما وتضافرهما)، بينما الجواب/ الذّهْنية الأخرى تبحث عن الإنسان من حيث هو في وجوده الوهمي الذي يُرتَهن فيه كل أفراده لعمومه (والذي هو إنسان الأرقام المجردة، الإنسان الآلة، إنسان القطيع المُوَظّف كمادة استعمالية ـ وليس كغاية! ـ لتحقيق الإنجاز المستخدم في الفخر الشعاراتي الأجوف).

