A participant wearing a Guy Fawkes mask holds a placard during a "Say no to tear gas" rally at Edinburgh place in Hong Kong on…
متظاهر في هونغ كونغ يرفع شعارا ضد استهداف المتظاهرين المطالبين بالحرية بقنابل الغاز المسيل للدموع

ربما كانت جملة عابرة في مفتتح مقال عابر؛ كتبتُها قبل خمسة عشر عاما، هي أكثر ما أثار عليَّ غضب التيارين الرئيسين في العالم العربي: القوموي والإسلاموي على حد سواء. اتفقوا هنا؛ مع أنهم كثيرا ما اختلفوا، وتنابذوا، بل وتصارعوا حَدَّ التكفير (تكفير الإسلاموي للقوموي) وحَدَّ التخوين (تخوين القوموي للإسلاموي)، ولكنهم اتفقوا ــ غضبا ـ عليَّ؛ من حيث اتفاقهم على أن تلك الجملة العابرة كانت جارحة ومؤلمة بأكثر مما يمكن احتماله في مجال خلاف أو اختلاف.

كانت الجملة مهذبة، هادئة، والأهم، أنها ليست ملزمة؛ بقدر ما هي حوارية: رأي مطروح في مَهبّ النقد والرد والتفنيد، ولكنها ـ وهنا سِر الغضب الهادر ـ كانت تنكأ عميقا في الجرح النرجسي النازف لدى الأنا الجمعية منذ قرنين أو أكثر. الجملة تقول بكل بساطة: "الحضارة الغربية الحديثة هي الحضارة الحقيقية، المُسْتحِقة ـ موضوعيا ـ لصفة: حضارة، بينما (كل الحضارات) السابقة والمحايثة هي حضارات على سبيل المجاز؛ لا الحقيقة". هكذا تكلّمت!

طبعا، كل الأصوات الغاضبة كانت تبدأ بـ: أين أنت عن الحضارة العربية الإسلامية؟ هل تدخل "حضارتنا" في تعميمك هذا؟...إلخ الأسئلة الاستنكارية التي كان من الواضح أنها تتمحور ـ لا شعوريا ـ حول حماية الذات، أي حول مُدَارَاة ومُدَاوَاة الجرح النرجسي العربي ـ الإسلامي. ففي هذه الجملة ـ وفق تصورهم؛ اللاّواعي في أكثر الأحوال ـ كان الإيلام مضاعفا؛ لأن إنكاري كون حضارتنا/ الحضارة العربية الإسلامية ليست حضارة على سبيل الحقيقة؛ لا يعادله ألما إلا تقريري أن الحضارة الحقيقية هي حضارة الغرب، الغرب الذي هو الآخر دائما، الآخر الذي لا يحضر في الوعي إلا بصفته المقابل الضدي الذي تعي به الذات ذاتها منذ ظهرت على مسرح الأحداث قبل خمسة عشر قرنا.

الإنسان الحر بهذا المعنى هو منجز غربي، لا وجود له في ثقافات الشرق

أبدأ بهذا كنقد للذات/ للأنا، للأنـا العربية ـ الإسلامية خاصة، قبل أن يكون نقدا لأنـا الشرق عامة. ففي سياق محاولتي المستمرة للتحذير من تمثّل النماذج الشرق أقصوية التي حقّقت معدلات نمو مُتسارِع، وحتى لا يعد هذا موقفا متحيزا من آخر ما، وبالتالي موقفا عنصريا، فقد وضعت الأنا/ دائرة انتماءاتي الأولى، على محك النقد/ التشريح؛ لأكشف عن خواء المزاعم المتورمة التي تريد الإزراء على النموذج الغربي، وهو الإزراء الذي يقود ـ بالضرورة ـ إلى الانحياز لخيارات غير حضارية/ غير إنسانية، تستمد مشروعيتها من عمق تراث الأنا (توهّم إنجاز حضاري حقيقي في تاريخ العرب/المسلمين)، أو من صعود نجم النمور الآسيوية (توهّم المنجز الشرقي كمثال لحقيق التنمية؛ مع تجريد المادي من المعنوي)، خاصة وأن تراث الأنا من جهة، وحاضر النجاحات التنموية الشرق أقصوية من جهة أخرى، كلاهما يُحِيل إلى قِيمٍ مركزية تتشابه في كثير من ملامحها، وربما تتماثل ـ أحيانا ـ حَدَّ التطابق التام.

توجّسي الذي يصل حد الذعر من محاولة العرب والمسلمين تمثّل نماذج النهوض الشرقي هو توجّس قديم، وقد عبرت عنه منذ بداياتي الكتابية، ففي 13/5/2004 كتبت مقالا بعنوان: "اليابان ليست نموذجا"، وفي 27/10/2016 كتبت مقالا بعنوان: "التنوير بين الشرق والغرب"، وبينهما كثير من الإشارات التي كانت ترافق مقارباتي لمسألة التَّنَمْذج الحضاري، وفي كل ذلك كنت مُحذّرا من الانسياق وراء إغراء النموذج الشرقي آسيوي أحادي البُعد/ المادي، على حساب النموذج الغربي القائم على تراث التنوير متعدد الأبعاد، والذي هو ـ بحكم هذا التراث الإنسانوي ـ يشترط البعد الإنساني، لا في الشعارات ولا في الدّوَال المُجَردّة من تحقّقاتها الواقعية، وإنما في مستوى وجود الإنسان الحقيقي/ الوجود المتعين/ الوجود الفردي.

الحضارة/ النهضة الحقيقية/ التنمية الفائقة...ـ ليست غابات من الإسمنت، ليست تقنية لا تبتعد كثيرا عن تطوير الألعاب الإلكترونية، بل ليست مجرد مطارات باذخة الاتساع، ولا طائرات تملأ الفضاء كأسراب الجراد، و لا جسورا متعانقة متطابقة تحار فيها العيون، ولا أنفاقا متواصلة تتحدى صلادة الجبال، ولا بنايات شاهقة تخترق السحاب، ولا تقنيات حيوية متطورة تسابق الأحلام وتتجاوز طموحات الخيال، الحضارة ليست كل ذلك، وإن كانت تتوق لكل ذلك، وتنجح في كل ذلك، الحضارة هي حضارة الإنسان الحر، الحر في مدى وجوده الحقيقي/ الوجود الفردي، الإنسان الذي يتحقق وجوده بتمايزه وتميّزه عن الجماد، كما عن الحيوان، بكونه حرا في وعيه، حرا في تقرير مصيره، حرا من حيث هو ضامن ـ بقوة نفاذ الوعي بالحرية في الوعي العام ـ لحقوقه الإنساني الأولى.

الإنسان الحر بهذا المعنى هو منجز غربي، لا وجود له في ثقافات الشرق. والأهم أنه ـ حتى في نظر الغربي، بل في نظر الغربي ابتداء ـ منجز لم يكتمل، هو منجز نامٍ، متطورٍ، مدفوعٍ بوعي نقدي يطمح باستمرار للكمال؛ بناء على يقين راسخ أن لا سبيل إلى الكمال إلا ما كان متحققا في التوق التحرري ذاته، أي في رحلة البحث عن الكمال.

هذا ما يجعل المعنى الإنساني المتحقق في الحرية ـ كتصور وكتجربة ـ لا يزال مفتوحا على آفاق مجهولة في الغرب؛ عكس ثقافات الشرق المغلقة التي تتوهم أنها اكتملت، وبكمالها اكتمل وعي أصحابها، وليس على الأجيال الناشئة إلا إتقان فن تطبيقها آليا/ بحرفية تامة، حتى أصبح المنجز التقني/ التنموي/ المادي موظفا لترسيخ روح "الآلية" ولتوسيع مجالات الحراك المعني بتطبيق النموذج الذهني الموروث.

هل يستطيع الشرقي فهم معنى "التحقق الإنساني"، كما هو عليه الحال في الغرب؟ أذكر أنه في أغسطس 2018 وقف وزير الخارجية الكندي وبجانبه وزير الخارجية الصيني في مؤتمر صحفي بكندا. وكما هو المعتاد، كان الصحفيون يطرحون أسئلتهم بكل حرية. كان وزير الخارجية الصيني يبدو متوترا لما يتوقعه من أسئلة قد تقود إليها هذه الحرية التي لم يعتد عليها، ومن ثم لا يستطيع فهمها ـ فضلا عن تفهّمها ـ بحق. وفعلا، حدث ما كان يخشاه، فقد طرحت إحدى الصحفيات سؤالا على وزير الخارجية الكندي، فحواه: لماذا تتطور علاقتكم بالصين وتتوطد، بينما الصين تتعامل بشكل غير جيد مع المطالبين بحقوق الإنسان، إضافة إلى تطلعاتها غير المستقرة في بحر جنوب الصين (إشارة إلى المشكلة التايوانية)؟

السؤال طبيعي ومتوقع، وكان من المفترض أن يمضي بسلام، أو على الأقل، بتوضيح في ذات السياق الذي يبحث فيه السؤال. لكن، ومع أن السؤال كان موجها لوزير الخارجية الكندي، إلا أن وزير الخارجية الصيني اضطرب غاضبا، وطلب التعليق على السؤال.

الحضارة هي حضارة الإنسان الحر، الحر في مدى وجوده الحقيقي/ الوجود الفردي، الإنسان الذي يتحقق وجوده بتمايزه وتميّزه عن الجماد

قال الوزير الصيني بغضب للصحفية التي طرحت السؤال: هل تفهمين ما هي الصين؟ هل سبق لك أن زرتي الصين؟ سؤالك حكم مسبق، وهو ضد الصين، وفيه غطرسة، ولا أدري من أين جاء الحكم؟ ثم أتبع قائلا/ مجيبا: هل تعرفين أن الصين أخرجت 600 مليون من دائرة الفقر، وأن اقتصاد الصين ثاني اقتصاد في العالم بعد أن كانت مؤسسة صغيرة، هل تتصورين أن التطور الذي يحدث كان ليكون لولا حماية حقوق الإنسان، وأن الصين في دستورها قد أقرت أنظمة تحمي حقوق الإنسان؟ ثم قال: لا تسألي أسئلة وأنتِ لا تستطيعين تحمّلها.

الملاحظ هنا، وبعيدا عن دلالة الغضب، أن الجواب لا علاقة له البتة بالسؤال؛ حتى وإن كان يحاول الالتفاف على السؤال. الإجابة هنا محض مغالطة، وتشتيت انتباه، وفي النهاية هي إجابة تنطق بتثبيت التهمة لا بنفيها؛ من حيث الكشف عن رؤية لا إنسانية للإنسان، أو رؤية عاجزة عن تصوّر ما هي حقوق الإنسان.

السؤال كان عن حقوق الإنسان، وعن تهديد الصين المستمر لتايوان، بينما الإجابة تتجاهل ذلك عمدا، وتسرد المنجزات الصينية المادية التي لا علاقة لها بالسؤال. سؤال الصحفية لم يكن عن عدد الفقراء المستفيدين من النمو في الصين، لم يكن سؤالها عن موقع الصين في الاقتصاد العالمي، لم يكن سؤالها عن المنجز التنموي المادي للصين، بينما هو بإجابته المراوغة يريد أن يُفرّغ السؤال عن حقوق الإنسان من معناه الإنساني بوضعه في سياق هذا الإنجاز المادي الذي يراه عظيما. وهو يربط ـ لمحض الدفاع ـ بين أمرين لا رابط بينهما، فهو يريد أن يتخذ من المنجز التنموي الكبير دليلا على الحضور المسبق لقوانين حقوق الإنسان، ثم هو يريد أن يجعل النصوص الدستورية (وهي منجزات ورقية لا قيمة لها في الدول الشمولية)، بديلا عن الواقع/ الوقائع...إلخ صور المغالطة التي يهرب بها كل مَن لا يملك إجابة مقنعة في موضوع السؤال.

هنا، يتضح أن المسألة ليست سؤالا وجوابا، ليست "سوء فهم لسؤال"، بل ولا "إساءة فهم لسؤال". المسألة هي: تقابل ضدي بين وَعْيَين/ ذِهْنِيّتين مًخْتَلفتين. السؤال يُمَثِّل الوعي/ الذّهْنيّة الغربية، بينما الجواب يُمَثّل الوعي/ الذّهنيّة الشرقية. السؤال الأول/ الذهنية الأولى تبحث عن الإنسان من حيث هو في وجوده الإنساني الحقيقي/ المتعين في الواقع (والذي هو إنسان الحرية والحقوق، بتلازمهما وتضافرهما)، بينما الجواب/ الذّهْنية الأخرى تبحث عن الإنسان من حيث هو في وجوده الوهمي الذي يُرتَهن فيه كل أفراده لعمومه (والذي هو إنسان الأرقام المجردة، الإنسان الآلة، إنسان القطيع المُوَظّف كمادة استعمالية ـ وليس كغاية! ـ لتحقيق الإنجاز المستخدم في الفخر الشعاراتي الأجوف).

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.