Displaced people from the minority Yazidi sect, fleeing violence from forces loyal to the Islamic State in Sinjar town, walk…

طوال أكثر من قرن كامل، في الفترة الفاصلة بين حدوث الإبادتين المروعتين اللتين طالتا الجماعات الأهلية الأرمنية/السريانية ونظيرتها الأيزيدية، وما فصل بينهما من مجازر متنوعة، حدثت بحق مجموعات أهلية أخرى من سكان منطقتنا، طوال ذلك الوقت، كان ثمة حضور لترسانة ضخمة من الأحاجي والتبريرات والأدوات والمصطلحات والسرديات والتفسيرات التي تقارب تلك المسألة، متمركزة مطلقا وبكامل عدتها حول الدولة، بمؤسساتها ومواثيقها وأجهزتها وعقلها ورجالها وأدواتها التنفيذية.

كانت الدولة في ذلك السجال، تاريخيا وحاضرا، تُستخدم على مستويين: فقد كانت الباراديم الذي يستخدمه المتصارعون فيما بينهم، يتهم الأرمن والسريان الدولة العثمانية وجيشها ووزاراتها ورجالاتها بالوقوف والتسبب بإبادتهم، كما يستخدم الأيزيديون أشياء من مثل تلك بحق "داعش" والدولة العراقية. في وقت يرد هؤلاء بأن الأحزاب الأرمنية وقواهم المسلحة تعاونت مع الإمبراطورية الروسية، أو أنها قامت بانتفاضات مسلحة ضد الدولة العثمانية! فكلا الطرافان متوافقان على أن أساس القضية متعلق بالبنية الفوقية/الدولتية.

 كذلك كانت "الدولة" بمثابة مونولوغ داخلي ذاتي ضمن المجال الخاص للجماعة الأهلية التي اقترفت تلك الأفعال، مونولوغ ينتج التبرير المزيف بكثافة وراحة الضمير بفاعلية. إذ يقول الأتراك والأكراد لأنفسهم، حينما يتذكرون الإبادة الأرمنية/السريانية "الدولة فعلت ذلك"، وبذا يمنحون ذواتهم وذاكرتهم الجمعية براءة منمقة، ومثلهم يفعل العرب السُنة في تذكر المجازر الأيزيدية، ومن قبلها فعلوا بالضبط ذلك لتبرأة ذواتهم من حملات الأنفال التي طالت الأكراد والمحق الذي طال الشيعة العراقيين، وهكذا.

ذلك النمط من الشراكة النفعية الصلبة بين الدولة وقوى الهيمنة الأهلية، أدت خلال حُقب الإبادة لأن يكون دفاع أحدهما عن الآخر إنما هو بمثابة الدفاع عن الذات

في كل ذلك، كانت "الدولة" بمثابة غول هائل، مجهول وغير منظور، يستخدم كأداة وظيفية لتبرير ما جرى، للبراءة منه وإحالته إلى فاعل خارجي وغيبي، هو غول الدولة، بالضبط كما كانت تفعل دولنا وأنظمتنا لتبرير فشلنا، بإحالته إلى الاستعمار والمؤامرات الخارجية والقوى المتربصة.

لكن في الطريق لتحميل الدولة وزر ما جرى، فإن ذلك كان يخفي جبلا هائلا من الحقائق والأدوات والديناميكيات الموضوعية التي أفرزت وساهمت واشتركت في تنفيذ تلك المجازر والإبادات المريعة، اسمها الحقيقي والمباشر هو السمات والوظائف والمحرضات والآليات التي تركز عليها مجتمعاتنا المحلية في وعيها لنفسها وللآخر، وبالتالي التي تدفعها لتنفيذ تلك الأفعال في لحظة حدوثها، والتي اسمها هو الأدوات والنُسق التي تسير عليها مجتمعاتنا ببطء، خلال مسيرة حياتها العادية، لتكون متهيئة لارتكاب مثل تلك الأفعال، مرة بعد أخرى، وبكل راحة ضمير.

حينما يقرأ المرء الكتاب الأليم للراهب السرياني اسحق أرملة "القصارى في نكبات النصارى"، والذي هو مجموعة ضخمة من المشاهدات اليومية لراهب شاب من مدينة ماردين أثناء شهور وسنوات تنفيذ الإبادة الأرمنية السريانية الشهيرة في العقد الأول من القرن المنصرم، وكيف أن الجيران والأصدقاء وشركاء الحرفة والمزرعة الواحدة، كيف فتكوا بجيرانهم ورفاقهم وشركائهم، حيث الوحشية الإنسانية شديدة الفاعلية وسريعة الاستجابة اندلعت في ذلك المجتمع المحلي، عندما كان الأهالي يسبقون أدوات الدولة ويساندونها ويشاركونها في أفعالها، وفي مرات غير قليلة ينفذون ما لا تستطيع هي أن تفعله، وأولا يبررون لها كل أفعالها. وقتها يدرك بأن مجموع الخطابات التي ترى في الأمر "مجرد دولة"، إنما تملك كل سمات العدمية الأخلاقية والعماء المعرفي.

مرويات أرملة تشبه تماما وتفصيلا ما روته النساء الأيزيديات بعد قرن كامل، أو تلك التي السرديات المكبوتة للأكراد الذين تعرضوا لعمليات الأنفال، أو ضحايا الحروب الأهلية المريعة في لبنان والأردن وسوريا راهنا، حينما تتكرر تلك الصورة المريعة، حينما يقوم جار ما بمحق جاره، جسده وممتلكاته وكرامته الآدمية.

♦♦♦

المرويات والحقائق الفظيعة حول ما ارتكبته البنى الأهلية بحق الجماعات الأهلية النظيرة الأخرى، هي المنصة الأكثر رحابة وغورا وقدرة على وعي تاريخ العنف وديناميكيات السلطة المجتمعية في منطقتنا، وبالتالي خلق الركائز والمحاولات الأولية لتكريس آليات وثوابت ذات مناهضة حقيقة للعنف الأهلي والمجتمعي والسياسي ضمن مجتمعاتنا.

لكن كبت وتغطية وتبرأة وتجاوز تلك المرويات والحقائق، عبر الاستخدام الوظيفي الدائم للدولة، إنما هي آلية واعية وفاعلة لتنفيذ مجموعة من الاستراتيجيات في عالم الاجتماع السياسي الخاص بنا، تنفذها الطبقات والديناميكيات وقادة الرأي وذوو النفوذ ومراكز الفعل في مجتمعاتنا.

فذلك النكران يساعد هذه المجتمعات على تشييد هوياتهم الذاتية المتخيلة، الخلابة والطاهرة، في التاريخ والحاضر، وبالتالي منح الذات بهاء وقيمة ذاتية مضافة. فهي مجتمعات طاهرة في رأي نفسها، وبالتالي لا يحق للأنداد المجتمعيين، سواء الذين ارتكبت بحقهم تلك الفظائع أو الذين لم يطلهم ذلك، لا يحق لهم أية مطالب أو دعوات من "المجتمعات الجانية"، ولو على المستوى الرمزي والروحي. فهذه المجتمعات الأهلية التي تعرضت لما تعرضت له، ولو كان لها أية مطالب، فهي يجب أن تطلب من الدولة، صاحبة ذلك الفعل، حسب هذا المنطق. ولغير صدفة، فإن تلك الدولة قد اندثرت واختفت، كالدولة العثمانية ودولة "بعث صدام حسين" و"داعش البغدادي". وبذا ليس لأصحاب تلك المظلوميات إلا أن يقرؤوا الفاتحة على مطالبهم وحقوقهم.

كذلك فإن النكران إنما يتقصد تغطية طبيعة الشراكة المريعة بين الدولة وواحدة المجتمعات الأهلية الداخلية على الدوام. فمختلف الدول والأنظمة السياسية التي تأسست حديثا في منطقتنا الحديث، وبالرغم رداء الحداثة المتوهمة، إنما كانت في جوهرها استعارة وتعبيرا وانعكاسا لجماعة أهلية ما، من بين عديد المجتمعات الأهلية التي في داخل كياناتها، هي الجماعة الهيمنة المركزية.

كانت جماعة الدولة تلك هي قوة الهيمنة والفاعلية والسيطرة في تلك الدولة، تشارك الدولة توافقا محكما لتبادل المصالح، تستخدمهما الدولة لتكريس استقرارها وخطاب شرعيتها، بينما تستغل الجماعة قوة الدولة لتشييد فروض هيمنهم على باقي الجماعات الأهلية في دواخل هذا الكيانات "الحديثة".

الاعتراف بذلك النمط من الشراكة النفعية الصلبة بين الدولة وقوى الهيمنة الأهلية، التي أدت خلال حُقب الإبادة لأن يكون دفاع أحدهما عن الآخر إنما هو بمثابة الدفاع عن الذات، سوف يؤدي موضوعا لأن ترتفع المطالب بتفكيك تلك الأواصر بين الطرفين، حاضرا ومستقبلا، وهو ما يمس سلطة وسطوة هذه الجماعات الأهلية جوهريا. وهو أيضا ما قد يمس الدولة نفسها في لحظة ما، حينما يصير أكيدا بأن تلك العلاقة بينها وبين واحدة من القوى الأهلية إنما هو نسق وسياق حتمي يؤدي دوما وبالضرورة للإبادة الجماعية.

مرويات أرملة تشبه تماما وتفصيلا ما روته النساء الأيزيديات بعد قرن كامل، أو تلك التي السرديات المكبوتة للأكراد الذين تعرضوا لعمليات الأنفال

إلى جانب ذلك، فإن ذلك النكران للأفعال والجرائم الأهلية، كان فاعلية رهيبة لتمييع وتعويم كمٍ هائلٍ من الأفعال التي تمارسها القوى الأهلية في حياتها العامة، اليومية والرتيبة، والتي تؤسس بالتقادم لتحضير هذه المجتمعات لأن تكون جاهزة وطيعة لفعل تلك الإبادات الأهلية. تلك الأفعال التي تبدأ من الخطب الدينية المتطرفة، وتمر بأشكال التلقين وصناعة المنطق والمخيلة في المؤسسات التعليمية، وتتعلق بكمية كبيرة من القوانين العامة والأعراف المجتمعية الذكورية والعنيفة، وطبعا بالأيديولوجيات والسلوكيات الثقافية والخطابات التي تتبناها القوى السياسية.

تلك الأدوات والأفعال اليومية، التي تبدو رتيبة وعادية وبديهية، إنما في جوهرها المايسترو الضابط لكمٍ هائل من علاقات القوة والهيمنة داخل مجتمعاتنا. بين مختلف طبقات ومراكز القوة المجتمعية، الاقتصادية والجندرية والسياسية. وبالتالي فإن الاعتراف بفظاعة ما تنتجه بالتقادم من أنماط مجتمعية مستعدة لارتكاب الإبادة، على الرغم من هدوئها وراتبتها الظاهرة، إنما سيؤدي لأن تنهار علاقات وتوازن القوة داخل هذه المجتمعات، سواء بين الرجال والنساء، مرورا بموقع رجال الدين ومؤسساتهم في المجتمع، وما يناظرها من علاقة النخب السياسية بجماهيرهم وموقع وخطابات المثقفين وهيمنتهم على مجتمعاتهم. هذه العلاقات المكرسة بفعل هذه الأدوات والأفعال التي تنتج وتؤدي بالمجتمعات لأن تكون جاهزة لارتكاب الإبادة.

♦♦♦

بعد عقود قليلة من مرويات الراهب اسحق أرملة، عاش كاتب هذه السطور في مدينة شديدة التلوين، كانت بأغلبيتها من العائلات والطبقات والأناس الذين روى وسرد أرملة فظائع أعمالهم قبل عقود قليلة، بالتفصيل والأدلة. كل واحدة من تلك المرويات كان يمكن إيجاد العشرات من الرواة والشهود الذي يؤكدون صحتها تفصيلا، الشهود الذين كانوا أناس لا يعرفون بعضهم بعضا، مما يثبت مروياته.

يتذكر كاتب هذه السطور كيف أن تلك العائلات والطبقات والأناس الذين ذكرهم أرملة، كيف أعادوا ترتيب حيواتهم الجديدة، في مدن وبلدات حول مدينة ماردين، وكيف أن ذاكرتهم كان متخمة بكم هائل من النوستالجيا والحنين إلى تلك المدينة، شيء مثل حكايات ألف ليلة وليلة، دون أي يعترف أو يذكر أي منهم ما فعلوه بحق شركائهم وجيرانهم الأقربين! وإن أجبروا في لحظة ما قول شيء ما عن ذلك، فإنهم كانوا يحيلونه إلى فاعل خرافي، هو "العصملي".

في أمر ذو دلالة، فإن الراهب اسحق أرملة عاش حياته اللاحقة في كاتدرائية القديس جرجس للسريان الكاثوليك في لبنان، ودُفن في باحة الكاتدرائية في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم، لكن ما إن اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية بعد عقدين من وفاته، حتى عاث المتحاربون خرابا بقبر الراهب أرملة. إذ يبدو أن الفاعلين الذين نجا منهم أرملة هو حيّ، وروا عنهم وكشفهم وهتك مستورهم، كما لم يفعل غيره قط، لاحقوه حتى وهو متوفى، وانتقموا منه!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.