EDITORS NOTE: Graphic content / World Health Organization (WHO) Director-General Tedros Adhanom Ghebreyesus reacts as he…
الانتقاد والامتعاض من المنظمة ومديرها العام له سجل تاريخي وليس حدثا جديدا

يعتقد كثيرون أن الإشكالية بين الولايات المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بدأت منذ أزمة كورونا عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيوقف التمويل السخي ـ يتراوح بين 400 و500 مليون دولار ـ عن المنظمة واتهامه لها بـ "سوء الإدارة والتستر، الذي أدى إلى إصابة أكثر من مليوني شخص حول العالم وقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص.  

لكن في الواقع، هذا الانتقاد والامتعاض من المنظمة ومديرها العام له سجل تاريخي وليس حدثا جديدا. لهذا السبب ذكر البيت الأبيض أن منظمة الصحة العالمية "لديها قضايا هيكلية طويلة الأمد يجب معالجتها قبل استعادة الثقة فيها من جديد. كما أن المنظمة تتعرض للتضليل والتأثير السياسي وهناك حاجة إلى إجراءات لمواجهة نفوذ الصين الضخم على المنظمة".

ولو رجعنا لتاريخ تيدروس أدهانوم، وهو متخصص في علم الأحياء الدقيقة من أثيوبيا وقد عين مديرا عاما لمنظمة الصحة العالمية في يوليو 2017 وقد اتهمه البعض أنه وصل لهذا المنصب بدعم من الصين. فكما ورد في واشنطن بوست بتاريخ 25 أكتوبر، 2015 في مقالة للكاتبة، فريدا غيتيس، بعنوان: "أسبوع آخر، فضيحة أخرى في الأمم المتحدة"، أن الصين عملت بدون كلل وراء الكواليس لمساعدة تيدروس على هزيمة مرشح المملكة المتحدة لرئاسة منظمة الصحة العالمية، ديفيد نابارو. وقد اعتبرت الصين أن انتصار تيدروس يعد انتصارا لها.

أشرف تيدروس، العضو التنفيذي في جبهة تحرير الشعب الماركسية اللينينية تيغراي، على توسع هائل في دور الصين في إثيوبيا

لا عجب أن الصين دعمت تيدروس في وصوله لرئاسة منظمة الصحة العالمية فهو يرتبط بعلاقة وثيقة في الصين منذ كان وزيرا للخارجية في بلاده. فحسب ما ذكر في صحيفة بوليتيكو، أشرف تيدروس، العضو التنفيذي في جبهة تحرير الشعب الماركسية اللينينية تيغراي، على توسع هائل في دور الصين في إثيوبيا. والصين هي أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا، وأكبر شريك تجاري، وكذلك أكبر مقرض لها.

وكما يتضح من السجل التاريخي أن تيدروس، وهو أول أفريقي وأول شخص ليس طببيا يقود منظمة الصحة العالمية، وله تاريخ طويل في إخفاء الأوبئة في إثيوبيا. في مايو 2017، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز بأن تيدروس غطى على ثلاث أوبئة كوليرا في أثيوبيا عندما كان وزيرا للصحة في البلاد بين عامي 2005 و2012.

فقد ذكر تيدروس أن تفشي الكوليرا في 2006 و2009 و2011 لم يكن سوى "إسهال مائي حاد" وأن تفشي المرض يقتصر على المناطق النائية من البلاد حيث إجراء الاختبارات المعملية هناك "صعب"، أما المخاوف الدولية مبالغ فيها. بعد ذلك وصلت الأوبئة في نهاية المطاف إلى البلدان المجاورة بما في ذلك كينيا والصومال والسودان.

وذكرت صحيفة الغارديان أن الحكومة الإثيوبية تمانع في الاعتراف بتفشي الكوليرا "خوفا من الإضرار بالاقتصاد". كما أوضحت صحيفة واشنطن بوست أن السلطات الأثيوبية تميل لرفض وصف الأخبار السيئة باسمها الحقيقي. ومن جانبه رفض تيدروس الاتهامات الموجهة إليه ووصفها بأنها عنصرية وقال إن انتقاده نابع من "عقلية استعمارية نموذجية تهدف إلى تشويه سمعة مرشح من دولة نامية".

منظمة الصحة العالمية أصبحت في مرمى النيران السياسية

لكن انتقاد المنظمة ومديرها العام ليس فقط من قبل الدول الغربية، فقد وصف نائب رئيس الوزراء ووزير المالية الياباني، تارو آسو، منظمة الصحة العالمية الشهر الماضي على أنها "منظمة الصحة الصينية"، مشيرا إلى علاقة المنظمة ومديرها العام الوثيقة مع بكين.

كما أتت آخر عملية ضخ نقدي من الصين بقيمة 30 مليون دولارا بعد أسبوع من إعلان الولايات المتحدة بتجميد تمويلها للمنظمة بسبب طريقة تعاملها مع وباء كورونا. وقال الخبراء إن مساهمات الصين في منظمة الصحة العالمية ليست إشارات حسن نية، بل سلسلة من التحركات السياسية لتعزيز صورتها العالمية بأنها رائدة عالمية في مكافحة الفيروس، بدلا من الصورة كأنها منشأ الفيروس.

من هذا يتبين أن منظمة الصحة العالمية أصبحت في مرمى النيران السياسية وكما ذكر مشاري الذايدي في برنامجه "مرايا" على قناة العربية، "أنه لا ريب في نبل الدور الذي تقوم به المنظمة حسب دستورها منذ الأربعينيات والغرض من تكوينها. لكن السؤال يتعلق بفحص هذه الإدارة الحالية وليس في فكرة المنظمة لأنها فكرة عظيمة.  المطلوب منها الالتزام بما أزلمت هي نفسها به في دستورها ومراعاة كل أشكال الصحة الإنسانية".

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.