الأمير الشاب، ولي العهد، محمد بن سلمان قد بدّل للتوّ أحوال المملكة العربية السعودية. انتشلها، في تقدير من تابع مسارها، من اندثار مرتقب إلى نهوض موعود. أخطأ وأصاب. أصلح وأفسد. تجرّأ فنال التقدير لشجاعته، وغامر واستحق النقد لتهوّره. حلّ قيودا، وعقد أخرى.
سعى للتخلص من المؤسسات المترهلة التي استنزفت بلاده وأعاقت نموها، وأحاط نفسه بطاقم متفاوت في كفاءته وأدائه. إنجازات واعدة، وأخطاء أكيدة، وخطايا مميتة، من اليمن إلى جمال خاشقجي.
للأمير رؤية لبلاده، للانتقال من الاقتصاد الريعي والأحادي إلى الصيغة القابلة للدوام. تزداد صعوبة مع التعثر ومع انهيار أسعار النفط. للأمير "نيوم"، مدينة المستقبل، بمساحة تزيد عن دول. وطموح بشأنها لا يضاهى، حتى أنه بهمّته قد منح جنسية بلاده لآلة مشابهة للإنسان. ثم كلفة من شأنها إنهاك الصندوق السيادي لبلاده.
الأمير الشاب يؤكد أن الثروة الأولى في السعودية هي شعبها. ليته عاد إلى هذا الشعب بمسودات الرؤية، ومخططات "نيوم" ليدرسها هذا الشعب ويصحّحها، ويوافق عليها أو يرفضها. فهي من ماله. أي مال الشعب. وما الحاكم إلا المؤتمن على هذا المال.
على أن محمد بن سلمان ليس الموضوع هنا. بل هو عبد الرحيم أحمد الحويطي. شاب سعودي آخر، ليس من الأسرة المالكة، بل من خلفية بسيطة متواضعة، ولكنه نظير محمد بن سلمان بالفضل والحقوق، سواء كان المقياس الدين الذي يتفقان عليه أو الشرعة العالمية، والتي يريد الأمير الشاب، تصريحا أو إيماءً، طرح بعض أطرافها كمرجعية، ربما بديلة، والتي استدعاها عبد الرحيم الحويطي في لحظاته الأخيرة.
هناك، في إحدى النواحي النائية والفقيرة، في مملكة تقاسمتها السلطوية والشمولية، يتفوه "الإنسان العادي" ليقول، بالكلمات والأفعال، الحياة، الحرية، الكرامة، الملكية، هي الطين الذي منه جبلت
عبد الرحيم الحويطي هو الموضوع لا للطعن بمحمد بن سلمان، لا سيما وأن الكثير من الطاعنين يتغاضون عن مظالم عديدة في جوارهم وأوساطهم بل في عقر دارهم تحاكي مصاب عبد الرحيم وربما تزيد. فانتصارهم لعبد الرحيم، في العديد من الحالات، تحوم حوله شبهات الزور والنفاق، حتى يكاد أن يكون طعنهم نفسه مطعونا به.
عبد الرحيم الحويطي هو الموضوع لأنه شاهد قبل أن يكون شهيدا. شاهد على أن التمسك بقيم الحياة والحرية والكرامة والملكية متأصلة بالإنسان "العادي". و "العادي" هنا صفة يلصقها به من شاء التعالي. وشاهد أن الاستهانة بهذا الإنسان هي انقطاع عن معدن المجتمع وطريق أكيد للإحباط والفشل والخسارة، سواء كان من سار فيها "ولي أمر" أو أحد "الخاصة" من الذين يسفهون الملأ، أو يكفرونه أو يخونونه.
السلطات السعودية، تنفيذا لرغبة الأمير الشاب، سعت إلى ترحيل الحويطات، عشيرة عبد الرحيم، من ديارها، لإفساح المجال أمام مشروع "نيوم". الهيبة، المنة، الاسترضاء، التعويض. أساليب عدة جنّدت للغرض، وأدت النتائج المطلوبة، إلا قليلا. عبد الرحيم هو من هذا القليل. الصفقة المطروحة لم ترُق له، ولا أساليبها أقنعته.
لم يشأ عبد الرحيم أن يغادر دارته، أو بلدته، أو وطنه. يا عبد الرحيم، أليست السعودية كلها وطنك؟
ـ لا، بل رضيت بالسعودية وطنا، لأن فيها بلدتي. لو كانت بلدتي في الصين، لكانت الصين وطني. بلدتي هي وطني.
إياك يا عبد الرحيم، هل تفوح رائحة "الخيانة" من كلامك؟ ألست فدى للوطن، ولأولياء أمره وأمرك؟
ـ لا، بل صبرت على الدولة وما لها من سلطة، وسطوة، وحتى ما أقدمت عليه من وضع اليد على المال العام، طالما أنها لم تعتدِ على كرامتي ومالي.
دخل رجال الشرطة إلى دار عبد الرحيم، فقاتلهم، وقتل دون داره، قتل دون ماله، قتل دون أرضه
حسنا فعلت، ولم تُسأل عمّا في قلبك. واليوم، يا عبد الرحيم، جاءت الدولة لتطالبك بالتنازل عن دارك، إذ هي ترى ما لا تراه أنت من خير للبلاد والعباد. أليس واجبك الطاعة؟
ـ لا، لا أرى حاجة للبلاد ولا مصلحة للعباد في انتزاع مالي مني، بل القصد هو الاستثمار في منشآت سياحية بعد غصب يتنافى مع الشرع الذي توافقنا عليه. لا أرضى ولا أتنازل.
ويحك، أنت صغير يا عبد الرحيم، والدولة كبيرة. أنت ضعيف يا عبد الرحيم، والدولة قوية.
ـ وا أسفي على العلماء صامتون بعد أن كان تعويلي عليهم أن يرفعوا الصوت بكلمة حق.
ما أنت فاعل يا عبد الرحيم ورجال الشرطة بسلاحهم آتون إليك؟
ـ أفهم اليوم أكثر من أي زمن مضى ما عانى منه الفلسطينيون من الظلم. وبعد أن خذلتني العدالة هنا سوف أرفع قضيتي للمحاكم الدولية. أبقى هنا، أسجّل ما يجري على هاتفي وأرفعه على الشبكة العالمية، وأضعه بتصرفك أنت يا قارئ هذه الصفحة، فلا تكتفِ بهذه الصياغة البديلة، بل عد إلى ما سجلته أنا بصوتي وبكلماتي، عسى أن أخاطبك مباشرة.
دخل رجال الشرطة إلى دار عبد الرحيم، فقاتلهم، وقتل دون داره، قتل دون ماله، قتل دون أرضه.
لم يكن عبد الرحيم بحاجة إلى مكتبة من المجلدات ومكنز من المصطلحات ليعلم أن حفظ النفس هو الحق بالحياة، إذ سلبها منه رجال الدولة دون وازع. وأن حفظ العقل هو الحق بالحرية، فكرا وقولا وموقفا، ما جعله يتأمل ما طلب منه ويرفضه. وأن حفظ العرض هو الحق بالكرامة، بما فيها حرمة منزله والتي ضاع اعتبارها في ميزان السلطة. وحفظ المال هو الحق بالملكية، والتي أراد الحاكم استباحتها غصبا وإكراها.
عبد الرحيم لم يكن مبحرا لا في علم العلماء ولا ثقافة المثقفين ليفصح أن حفظ الدين هو أن يكون المعيار الحق والعدل والسلام، لا الغصب والظلم والقهر، أي أن تكون الدولة خاضعة للمساءلة، وألا تكون قوّتها مهما عظمت أوهن وأقل وأضعف من صاحب الحق، وإن كان إنسانا "عاديا".
ربما أن مقاصد الشرع، في جوهرها، قبل أن يطوّعها ويطيّعها علماء البلاط، هي حقوق الإنسان والقيم العالمية. أو ربما أنها من شأنها أن تكون كذلك إذا ما عاد إليها من يستفيد من قناعات عبد الرحيم، ومن هم مثل عبد الرحيم.
صدقت يا سمو الأمير. ثروتك هي شعبك. لا غير. والحكمة تقتضي أن توجّه عمّالك لأن يحافظوا على هذه الثروة
مفردات عبد الرحيم وعباراته جاءت مستلّة من خلفيته الدينية، بل هو رأى أن أفعاله، بما في ذلك رفضه الذل والتعدي على ملكيته وكرامته وصولا إلى مواجهة مع خصوم أقوى منه قادرين على إيذائه وقتله وتشويه سمعته، هي منسجمة مع قناعاته الدينية.
ليس في هذه اللحظات المسجلة في مقاطع مرئية والتي منحها عبد الرحيم هبة للإنسانية لا تسليم بدعوة العلماء للطاعة الاستذلالية للحكام، ولا محاكاة لرغبة الجهاديين بفرض تعسفهم حيثما حلّوا. كل ما فيها إدراك إنسان لحقوقه، وإصرار على الدفاع عنها.
هناك، في إحدى النواحي النائية والفقيرة، في مملكة تقاسمتها السلطوية والشمولية، يتفوه "الإنسان العادي" ليقول، بالكلمات والأفعال، الحياة، الحرية، الكرامة، الملكية، هي الطين الذي منه جبلت.
لا فرق بينك يا عبد الرحيم وبين غيرك، على مدى السعودية، والمحيط العربي، والعالم الإسلامي، والكوكب بأكمله. ما أصررت عليه أنت، وما استشهدت من أجله، هو ما يريده الجميع. سوى أنك كنت أكثر شجاعة. وأقصر عمرا. بين خير ذاتك وشر الواقعة بركة، خير متعاظم، للإنسانية جمعاء.
صدقت يا سمو الأمير. ثروتك هي شعبك. لا غير. والحكمة تقتضي أن توجّه عمّالك لأن يحافظوا على هذه الثروة. عسى أن يعاقب من قتل عبد الرحيم. ومن قتل جمال. وعسى أن يكون في موتهما تبديلا، قد تأخر كثيرا، في نهج يغلب فيه البطش على الحكمة.

