FILE PHOTO: An employee rides a bicycle next to oil tanks at Saudi Aramco oil facility in Abqaiq, Saudi Arabia October 12, 2019…
تدل المؤشرات حتى الآن أن انخفاض أسعار النفط سيستمر خلال الربعين الثالث والرابع لعام 2020

عندما كانت أعداد الإصابات بوباء كورونا في الولايات المتحدة وأوروبا بمئات الآلاف وأعداد الوفيات بعشرات الآلاف، كان عدد الإصابات والوفيات في المنطقة العربية أقل بعشرات المرّات، لأن هذا الفيروس، ولأسباب مازالت مجهولة، لم يكن شديدا على الدول العربية على المستوى الصحّي، لكنّ آثاره على المستوى الاقتصادي لم تكن كذلك. 

وفي حين يمكن معرفة حجم الخسائر البشرية بدقة بمجرد انحسار الوباء فإن الآثار الاقتصادية تحتاج فترة زمنية أطول حتى يتم إدراك حجمها وتداعياتها، ورغم أنه من المبكّر اليوم تقدير الحجم الحقيقي لخسائر الاقتصاديات العربية لكن المؤكد أنها كبيرة بشكل غير مسبوق بحيث أن بعض هذه الدول قد لا تتمكن من تحمّل الكلفة الاقتصادية لوباء كورونا بمفردها.

ومع أن دول الغرب قد تعرضت نتيجة وباء كورونا لخسائر فاقت بكثير ما خسرته في أي أزمة مرّت عليها منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن قوة وتنوع اقتصاديات هذه الدول ستمكنّها من تجاوز آثاره. على سبيل المثال، أعدت صحيفة ألمانية فاتورة تكلفة وباء كورونا لتطالب بها الحكومة الصينية المسؤولة عن انتشار الوباء بمجموع 162 مليار دولار، وهذا المبلغ رغم ضخامته لا يشكل سوى 4 في المئة فقط من الناتج الوطني الألماني، وحتى بريطانيا التي تعرّضت نتيجة الوباء لأكبر خسارة في تاريخها كلّه فقد كانت النتيجة انكماش اقتصادها بنسبة 13 في المئة.

بينما كانت انعكاسات وباء كورونا على الاقتصاديات العربية أشد وطأة، فقد أدّت أولا إلى انهيار تاريخي غير مسبوق في أسعار النفط الذي يشكل 70 إلى 90 في المئة من موارد دول الخليج والعراق والجزائر وليبيا حتى وصل سعر البرميل في الولايات المتحدة إلى ما دون الصفر، أي أن البائعين كانوا يدفعون أموالا مقابل التخلص من برميل الخام نتيجة عدم وجود مستودعات تستطيع استيعابه، وتدل المؤشرات حتى الآن أن انخفاض أسعار النفط سيستمر خلال الربعين الثالث والرابع لعام 2020، ومن غير المعروف متى سيستعيد سوق النفط توازنه وما هو السعر الذي سيستقر عليه، بسبب تداخل عوامل اقتصادية وسياسية في ذلك.

توقع صندوق النقد الدولي أن الدول العربية ستشهد في أزمة كورونا الحالية أكبر انكماش اقتصادي منذ عام 1978، بحيث ستخسر مجتمعة 323 مليار دولار

كما انخفضت بشكل كبير أسعار الغاز في الولايات المتحدة خلال شهر مارس الماضي إلى 1.63 دولار للمليون وحدة حرارية بانخفاض 30 في المئة عن الشهر الذي سبقه وهو أكبر انخفاض خلال العقد الأخير. وكان موقع اكسبرت.رو، قد قال إن ما شهده سوق الغاز في آسيا من انهيار في شهر يناير الماضي لم يحدث سابقا أبدا وأصاب صناعة الغاز في مقتل. 

ولا توجد توقعات لتحسّن سوق الغاز حتى منتصف عام 2021، ويقدّم الوضع الروسي الذي يعتمد مثل الاقتصاديات العربية على أسعار الطاقة مثالا واضحا عن حالة هذه الاقتصاديات، فقد قال وزير التنمية الروسي مكسيم ريشيتنيكوف في مقابلة تلفزيونية قبل أيام "نحن نخسر 100 مليار روبل (1.340 مليار دولار) يوميا من ناتجنا المحلي نتيجة وباء كورونا، وعجز الميزانية سيبلغ 5 في المئة من الناتج المحلي سنعوّضها من الاحتياطيات النقدية".

ولم تقتصر الخسائر العربية على انهيار أسعار النفط والغاز، فقد قدرت المنظمة العربية للسياحة أن هذا القطاع سيخسر 90 في المئة من وارداته في الفترة بين بداية العام حتى نهاية أبريل الجاري بما يعادل 30.6 مليار دولار، كما قدّرت خسائر قطاع الطيران 14.4 مليار، وهذه الأرقام ستتابع ارتفاعها في حال استمرار خلوّ الفنادق وتوقف حركة السفر وإلغاء الأنشطة العامة والمعارض وإغلاق المواقع السياحية والدينية وتوقف العمرة وزيارة العتبات المقدسة، وتحتل السياحة إحدى المراكز الثلاث الأولى كمصدر للدخل وتشغيل العمالة في المغرب ومصر وتونس.

كما أدّى هذا الوباء إلى زيادة تكاليف الرعاية الصحية ومستوردات الأدوية وارتفاع أسعار المواد الغذائية في أغلب الدول العربية، فقد ارتفعت أسعار الأرز للشهر الثالث على التوالي، وبرزت مخاوف من عدم توفر كميات كافية من القمح في السوق نتيجة إعلان بعض المصدّرين ومنهم روسيا وأوكرانيا عن تخفيف عمليات التصدير أو توقيفها بسبب كورونا، فالفجوة الغذائية العربية ما زالت بعشرات مليارات الدولارات والأمن الغذائي العربي ما زال حلما بعيد المنال.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن الدول العربية ستشهد في أزمة كورونا الحالية أكبر انكماش اقتصادي منذ عام 1978، بحيث ستخسر مجتمعة 323 مليار دولار بما يعادل 12 في المئة من قيمة اقتصاداتها بينها 259 مليار في دول الخليج وحدها، كما قال إن ديون الدول العربية سترتفع بمقدار 190 مليار دولار لتصل إلى 1.46 تريليون دولار، وسترتفع خدمة هذه الديون نتيجة صعوبة الأوضاع الاقتصادية العربية، وتوقّع أن يزداد العجز المالي العربي إلى عشرة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

أزمة كورونا الحالية ستكون بمثابة الإنذار الأخير للسياسات الاقتصادية قصيرة النظر التي تتبعها الحكومات العربية

وفوق هذه الصورة القاتمة التي رسمها صندوق النقد لاقتصادات المنطقة فقد تكبدّت الصناديق السيادية العربية خسائر هائلة، لأنها أغلب استثماراتها متمركزة في المناطق التي ضربها وباء كورونا بشدّة وهي أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأقصى، حيث امتلكت هناك حصصا أو أسهم في أسواق العقارات والفنادق والبورصات وبعض الشركات والأندية الرياضية وجميعها فقدت الكثير من قيمتها.

وعلى ما يبدو حتى الآن أن هذه الصناديق لم تستطع تحقيق الهدف من إنشائها وهو تحصيل عوائد أكبر من مجرد الاحتفاظ باحتياطات من النقد الأجنبي والمعادن الثمينة، والمساهمة بتمويل الاستثمارات والهياكل القاعدية ضمن البلدان العربية نفسها، وتأمين استقرار لموارد الدولة المالية عبر حمايتها من تقلبات أسعار النفط والغاز، لأن العقلية التي أدارت هذه المحافظ كانت تجارية تبحث عن ما تراه ربحا سهلا مضمونا أكثر من تنمية الاقتصاد المحلي وتنويعه.

 وكارثة كورونا الحالية هي تكرار أشد وطأة لما تعرضت له الصناديق السيادية العربية من خسائر كبيرة في الأزمة المالية العالمية عام 2008 حين فقدت القيمة السوقية للأسواق الخليجية نحو 41 في المئة من قيمتها أو ما يعادل 400 مليار دولار بين سبتمبر وديسمبر 2008 ، بما يؤكد أن الدول العربية لم تتعلّم شيئا من تلك الأزمة، وإذا أضيف إليها أن هذه الصناديق قد خسرت 300 مليار دولار بين الأعوام 2014 و2018 نتيجة عجز ميزانيات بعض دول الخليج، يكون مجموع ما فقدته هذه الصناديق منذ عام 2008 حتى الآن قد تجاوز تريليون دولار.

لم تصل أزمة كورونا إلى نهايتها بعد ولذلك من المبكر معرفة مدى فداحة الخسائر العربية فيها وهل من الممكن تجاوزها وكم سيستغرق ذلك، بل من غير المستبعد ألا تستطيع بعض القطاعات الاقتصادية استعادة قيمتها التي كانت عليها قبل كورونا بما فيها قطاع النفط الذي اعتمد عليه العرب طوال العقود الماضية، ولكن من المؤكد أن أزمة كورونا الحالية ستكون بمثابة الإنذار الأخير للسياسات الاقتصادية قصيرة النظر التي تتبعها الحكومات العربية.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.