Iraqi members of the Civil Defense examine an unearthed mass grave of Kurds in west of the city of Samawa, Iraq April 14, 2019…
عناصر من الدفاع المدني العراقي يعملون على فتح مقابر جماعية لضحايا تنظيم "داعش" غرب مدينة السماوة

يستشهد كثير من المتطرفين والإرهابيين بآية {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} لتبرير جرائمهم البشعة في حق الإنسانية، وقد وصل ببعضهم الأمر أن يتلذذوا بفعل هذه الجرائم بل وحث الآخرين عليها.

والمسلم العادي يجد نفسه في معضلة ولا يدري كيف يرد عليهم، فهم يستخدمون القرآن والمعنى الظاهري والحرفي لهذه الآية، وكما يبدو للبعض هو أن عليهم رفع السيف على غير المسلمين وذبحهم إذا قابلوهم!
 
وللأسف فإن معظم التفسيرات المعتمدة المتاحة لا تفسر الآية بصورة تمنع هذا المفهوم المتجرد من الضمير والرحمة والإنسانية إن لم تكن تدعمه.

والآن دعوني أتطرق لبحث مفهوم آخر للآية الكريمة غير الذي ينشره دعاة التطرف والكراهية:

فالآية تقول: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ"

وكما نرى فإن كلمة "كفروا" مشار إليها بكلمة "الذين" لتخصص المعنى فقط في كفار مكة الذين بدأوا بالعدوان "وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" (سورة التوبة 13).

ولو كان الأمر بالقتال أمرا عاما لاستخدم القرآن تعبير "من كفر" بدون استخدام أداة التخصيص "الذين"، فهناك فارق كبير بين معنى "قاتلوا من كفر" و"قاتلوا الذين كفروا"، فالأولى تعمم المعنى والثانية تخصصه فقط في مجموعة بعينها يتكلم عنها القرآن ويشير إليها بأداة التخصيص "الذين".

وذلك المعنى يتفق تماما مع المبدأ القرآني في عدم بدء العدوان "وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة 190) ومع مبدأ التعايش في سلام مع الآخرين "ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" (سورة البقرة 208).

أما آية {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} وهي محور المناقشة  فمن معانى الضرب في اللغة الفصل بين شيئين {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} (سورة طه آية 77)، (و استخدم القرآن هنا تعبير "اضرب" لأن الفعل يؤدى إلى الفصل بين كتلتين من المياه)، أما كلمة "الرقاب" فهي تأتى عامة في القرآن وفي أغلب الأحيان بمعنى الأسرى الذين كان يتم أخذهم كرقيق (أي عبيد)، فمن مخارج الزكاة على سبيل المثال {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة آية 60) أي دفع جزء من الزكاة لتحرير الأسرى ومنع العبودية.

ذلك المعنى يتفق تماما مع المبدأ القرآني في عدم بدء العدوان "وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"

وجميع الآيات القرآنية الأخرى التي وردت فيها كلمة "الرقاب" في كتاب الله جاءت بمعنى الأسرى الذين كان يتم أخذهم كـ"عبيد" بعد الحروب وهي ما يلي:

"لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (سورة البقرة ـ سورة 2 ـ آية 17).

وآية "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (سورة التوبة ـ سورة 9 ـ آية 60).

والمعنى كما يتضح الآن في آية "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ" أي أنه فى وقت الحرب (لدفع العدوان) لا بد من فصل الأسرى (أو الرقاب) فلا يتم استخدامهم أثناء القتال كدروع بشرية.

ولا يعنى ضرب الرقاب في الآية قتل الأسرى على الإطلاق، لأنه لا معنى لشد الوثاق بعد قتل الإنسان كما يتضح من الآية {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} فشد الوثاق لا يكون إلا للحى حتى لا يهرب.

ومعنى  {أَثْخَنتُمُوهُمْ } في هذا السياق قد يعني أنهم أصبحوا غير قادرين على مواصلة العدوان والقتال وقد يعني في اللغة العربية "إقامة الحجة" عليهم في المناقشة (أو كما نسميه اليوم بالمباحثات الدبلوماسية!).

فكما جاء في معجم "لسان العرب" فإن "الإثخان" يعني أيضا إقامة الحجة الدامغة على الطرف الآخر فكما ذكر "لسان العرب" (وفي حديث عائشة وزينب لم أَنْشَبْها (أي لم أتركها) حتى أَثْخَنْتُ عليها أَي بالَغْتُ في جَوابِها وأَفْحَمْتها).

المعنى كما يتضح الآن في آية "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ" أي أنه فى وقت الحرب (لدفع العدوان) لا بد من فصل الأسرى (أو الرقاب) فلا يتم استخدامهم أثناء القتال كدروع بشرية

ثم كيف يأمر القرآن بأن يتم المن على هؤلاء الأسرى أو مبادلتهم مع أسرى آخرين {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} إذا كان ضرب الرقاب يعنى القتل! ويتضح من ذلك أن ضرب الرقاب تعنى فصل الأسرى لا ذبحهم.

ويبدو أن المشهد كله في السرد القرآني للآية هو في مرحلة ما بعد نهاية الحرب وكيف يتم التعامل مع الأسرى. فكما جاء في القرآن الكريم "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (سورة الأنفال آية 70).

ويؤكد هذا المعنى للآية وسياقها قوله تعالى بعد ذلك {حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فإن قتل الأسرى وذبحهم يزيد الحرب اشتعالا لا يطفئها، وعلى النقيض من ذلك فإن فصل الأسرى وعدم استخدامهم كدروع بشرية، والمن عليهم بعد ذلك هو ما يجعل الحرب تضع أوزارها لكي تطفأ نيران الحرب، وذلك يتفق مع إرادة الله للبشر أن يعيشوا في سلام مع بعضهم البعض:

{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ويتسق تماما مع ما أمر به القرآن في معاملة الأسرى "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا" (سورة الإنسان آية 8-9).

وللحديث بقية!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.