Demonstrators, wearing masks as preventive measures against the spread of coronavirus disease (COVID-19) and depicting the…
تظاهرات في بيروت ضد الفساد والأوضاع الاقتصادية بمناسبة عيد العمال

فيما كانت أجهزة وزارة الداخلية الألمانية تقفل كل المراكز التابعة لـ"حزب الله" بعد تصنيفه إرهابيا، وتحظر نشاطاته، على مختلف أنواعها في البلاد، أعلنت الحكومة اللبنانية خطتها الرامية إلى إخراج لبنان من أعنف أزمة مالية واقتصادية وحياتية تعصف به.

وإذا كانت ألمانيا تحتل مواقع متقدّمة ومؤثّرة في الاتحاد الأوروبي كما في صندوق النقد الدولي، ولها الكلمة الوازنة في المقررات والتوجهات والموافقات، فإن أبرز أهداف الحكومة اللبنانية من خطتها هو جذب التدفقات المالية من الخارج عبر قروض ميسرة وهبات ومساعدات واستثمارات.

وليس خافيا على أحد أن ألمانيا في إدراجها "حزب الله" على قائمة التنظيمات الإرهابية قد غيّرت موقفها جذريا من "حزب الله"، إذ أنها، حتى الأمس القريب، كانت من أكثر الدول الأوروبية "إراحة" للحزب، مما مكّن برلين من أن تلعب، مرارا، دور الوسيط "الحيادي" في صفقات تبادل الأسرى بينه وبين إسرائيل، ومكن "حزب الله" من أن يعتمدها قاعدة لتحركاته في القارة العجوز ولشبكاته التمويلية.

في الوقت نفسه، لا توجد دولة واحدة تحاول الحكومة اللبنانية استقطاب مساعدتها ببرنامجها الاقتصادي، إلا وتوافق على توصيف هذه الحكومة بأنها حكومة "حزب الله"، أو على الأقل، بأنها حكومة يرعاها هذا الحزب.

ولا تشذ فرنسا عن هذه القاعدة، وإن كانت تصر في إطار مساعيها للاحتفاظ بما تبقى لها من وجود في لبنان، أن تلعب دور "القاموس"، لعلّ حكومات "بلاد الأرز" تفهم الموجبات الملقاة على عاتقها لإنقاذ نفسها.

خطة الحكومة

يا له من مشهد سياسي "سوريالي" يتنافس مع أبرز لوحات خوان ميرو وبابلو بيكاسو وسلفادور دالي: دول تتعاطى مع "حزب الله" على أنه تنظيم إرهابي، مثله مثل "داعش" و"القاعدة"، تستدعيها إلى المساعدة حكومة يرعاها هذا التنظيم بالذات ويفرض عليها رؤيته وقراراته ومصالحه!

ليست الفكرة في أن خطة الحكومة اللبنانية جيّدة أو سيئة، بل في أنها لا تواجه "أم المشاكل"، أي موقع "حزب الله" في الدولة

ففي كلمة وجهها مساء الخميس، رئيس الحكومة اللبنانية حسّان دياب، بالتزامن مع التهاني التي أغدقتها دول مؤثرة عدة، ومنها المملكة العربية السعودية ـ أهم مصدر تمويلي للبرامج الخاصة بدول الشرق الأوسط والمنظمات والصناديق الدولية ـ على العملية الألمانية ضد "حزب الله"، أعلن أن "الخطة الخمسية" التي أقرّتها الحكومة تقوم على عناصر متداخلة من بينها:

ـ الحصول على عشرة مليارات دولار أميركي من الخارج.

ـ حيازة الأموال الموعودة في سياق "مؤتمر سيدر" الذي كان قد انعقد في باريس في أبريل 2018.

ـ طلب برنامج من صندوق النقد الدولي، بموافقة وزيري "حزب الله" في الحكومة (راجع مقالا في هذه الزاوية عن هذا الموضوع، بعنوان "النقد الدولي" وخبرات "حزب الله" المنشور في هذه الزاوية بتاريخ 13 مارس 2020).

وهذا يعني أن خطة الحكومة اللبنانية، حتى تحقق أهدافها "الدفترية"، تحتاج إلى تمويل خارجي يفوق العشرين مليار دولار، بالحد الأدنى.

الفجوة اللبنانية

ولكن ثمة فجوة كبيرة، في الخطة الاقتصادية ـ المالية التي أغدق عليها واضعوها ومسوّقوها صفة "التاريخية"، وهي صفة باتت كلاسيكية في هذا الزمن اللبناني، لكثرة ما يتم إغداقها على أي تطور وأي قرار وأي إجراء، في بلد ينزلق، يوميا من درك إلى درك، في "الجحيم التاريخي" الذي وقع فيه.

وتتجسّد هذه الفجوة الكبيرة، في غياب الشق السياسي، بشكل كامل، عن "الخطة الخمسينية"، وتحديدا لجهة طريقة التعامل الواجبة مع "حزب الله".

ولا يمكن القفز، فوق هذه الفجوة، فالمسألة هنا لا تتصل بميول سياسية لهذا أو لذاك، بل هي من الركائز الأساسية لاستقطاب الأموال من الخارج أو لاستمرار حسرها.

ويستحيل أن تجد إعلانا ماليا ـ اقتصاديا دوليا خاصا بلبنان، يغيب عنه الشق السياسي المرتبط بـ"حزب الله"، فالبيان الختامي لمؤتمر "سيدر"، بدأ بالسياسة مشدّدا على ثلاث نقاط محورية:

ـ وجوب التزام لبنان بتنفيذ المقررات الدولية ومن بينها القرار 1559 الذي ينص الجزء المعلّق تنفيذه على نزع سلاح "حزب الله".

ـ "اعتماد سياسة موثوق بها" بموضوع نأي لبنان بنفسه عن أزمات الإقليم، ممّا يعني وجوب خروج "حزب الله" من سوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول التي يستخدمه بها "الحرس الثوري الإيراني".

ـ اتخاذ التدابير الرامية إلى مكافحة تمويل الإرهاب وفقا للمعايير الدولية.

النقاط الثلاث نفسها أخذت موقعها المتقدم أيضا، في بيان الاجتماع العام الأخير لـ"مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان"، والذي انعقد في باريس، في ديسمبر الماضي.

وتحتفظ المقرات الرئاسية بالمبادئ التي على لبنان التمسك بها، من أجل أن يحظى بالدعم الدولي.

وكان سفراء "مجموعة الدعم" قد سلموا المسؤولين رسالة مفصلة تتضمن وجوب أن يعمل لبنان على احترام التزاماته التي تتضمن بالإضافة إلى النقاط السابقة مسألة مركزية تفترض "إعادة إطلاق مؤتمر الحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية، التزاما بما سبق وتعهد به رئيس الجمهورية ميشال عون، لجهة البحث في الاستراتيجية الدفاعية، بما ينسجم مع قرارات مجلس الأمن ولا سيما منها القراران 1559 و1701، وصولا إلى جعل الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الرسمية، القوة الشرعية الوحيدة التي تبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية".

دولة أسمى من الدولة

في كلمته عن "الخطة الخمسية"، أشار رئيس الحكومة إلى أن الفساد هو دولة ضمن الدولة. هذه صورة تعبيرية جميلة عن دولة يحكمها الفساد المستشري في طبقته السياسية الزبائنية المنهج، ولكنّ الصحيح، ومن دون جماليات تعبيرية، أن "حزب الله"، وفق النظرة الدولية، أصبح أسمى من "الدولتين" معا.

وتجاهل الحكومة الحالية لموضوع "حزب الله"، على الرغم من مركزيته في جذب الدعم الخارجي أو "حسره"، ليس جديدا، فقد دأبت، منذ العام 2015، على اعتماده الحكومات المتعاقبة التي كانت حكومات التسوية مع "حزب الله".

ولكن "أقدمية" هذا النهج اللبناني، لا يصب لمصلحة "وعد الإنقاذ" الجديد، لأن التجارب السابقة، على الرغم من التظاهرات الدولية الداعمة واللقاءات التنسيقية والبيانات الثنائية "الجميلة"، انتهت إلى فشل ذريع، فماذا ستكون عليه الحال، مع حكومة موصوفة بأنها حكومة "حزب الله" بكل ما للكلمة من معنى، وفي ظل تمدد رقعة التشدد الدولي في التعامل مع هذا الحزب؟

طالما أن حاجة لبنان إلى المجتمع الدولي مسلّم بها، فإن "حزب الله" هو الذي يجب أن يتغيّر من أجل لبنان وإنقاذه

الخطط الاقتصادية والمالية ليست جديدة في العالم، فهي، بالتجربة، كلّما تجاهلت المعوقات السياسية لتدفقات العملة الصعبة من الخارج، أضحت وصفة لشراء الوقت.

إن خطط عملاق دولي بحجم الاتحاد السوفياتي، في هذا السياق، تشهد على ما كانت تنتهي إليه من نتائج "تزيد الطين بلّة".

ولهذا فالخطط ليست أحلاما ولا وعودا مدرجة في بيان، بل هي قبل أي شيء آخر، إقرار بالمعوقات الحقيقية والسعي الصادق إلى حلّها.

إن اعتماد الحكومة اللبنانية لطريقة تفكير سابقاتها رضوخا لـ"حزب الله"، سيكرّر، ولكن في زمن وظرف قاتلين، النتائج السيئة نفسها، مما ينقل لبنان ليس من الفقر إلى الجوع فحسب، بل من الاضطراب إلى الدماء أيضا.

ليست الفكرة في أن خطة الحكومة اللبنانية جيّدة أو سيئة، بل في أنها لا تواجه "أم المشاكل"، أي موقع "حزب الله" في الدولة، وتأثير ذلك عليها، على القرارات الدولية.

إن خطة الحكومة كانت لتكون منتجة للإيجابيات، لو أن المجتمع الدولي قد بدّل نظرته إلى "حزب الله"، لكنّ عكس ذلك هو ما يحصل، بدليل المشاهد التي انتقلت من ألمانيا إلى كل العالم.

وطالما أن حاجة لبنان إلى المجتمع الدولي مسلّم بها، فإن "حزب الله" هو الذي يجب أن يتغيّر من أجل لبنان وإنقاذه.
وإذا كان هذا التغيير من المحال، فإن خطة الحكومة مجرد خيال، و"عيشة" اللبنانيين إلى أسوأ حال.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.