People wear face masks as a preventive measure against the spread of the novel coronavirus COVID-19, while riding bicycles in…
شبان يرتدون الكمامات خلال التنقل على الدراجات الهوائية في بوغوتا ـ كولومبيا

في أحدث إطلالة له بالفيديو، تحدث المعلم الروحي إيكهارت تول ـ وهو مؤلف واحد من أكثر الكتب تأثيرا في عصرنا هذا "The Power of Now"، أو بالعربية "قوة اللحظة الراهنة" إضافة إلى كتابه الآخر "New Earth" أو "الأرض الجديدة"، ـ عن كيفية النظر إلى وباء كورونا الحالي من زاوية روحية، وتفسير الآثار المرتبة عليه، وما الذي يتعين على الإنسان أن يفعله في ظل هذا الوباء كي يحافظ على سلامة وعيه وصحته العقلية والجسدية.

فرصة للتطور

يقول إيكهارت تول إن وباء كورونا لا يختلف في جوهره عن باقي المحن أو التحديات الكبيرة التي واجهها الإنسان وواجهتها الكائنات الحية عموما منذ ظهورها على وجه الأرض. ويشير إلى أنها بمثابة فرصة توفرها الحياة من أجل دفع الوعي العام إلى الإمام، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فالوعي البشري على سبيل المثال، بحاجة دائما إلى نوع من التحديات أو المحن التي تخرجه من منطقة الراحة التي يوجد فيها، من أجل أن يتطور ويتقدم.

إن نسبة كبيرة من الشعور بالتعاسة والقلق ليست نابعة من الحالة التي يواجهها الإنسان في اللحظة الراهنة، سواء تعلق الأمر بوباء كورونا أو غيره، وإنما من التفكير والخوف من المستقبل

ويضر ب أمثلة على ذلك. فانتقال الكائنات البحرية من الماء إلى اليابسة، كان نوعا من التحدي أو الضغط الهائل الذي واجه هذه الكائنات، بعد تهدد وجودها نفسه، لكنه كان تحديا ضروريا من أجل أن تبزغ أشكالا أخرى من الحياة، وهو ما مهد لظهور الإنسان نفسه في وقت لاحق. ينطبق هذا الأمر أيضا على الطيور. فما جعلها ترتفع من على سطح الأرض وتقاوم الجاذبية، كان هو تحدي البقاء وضرورة إجراء تحول هائل على جنسها. والمؤكد أن هذا التحول كان مؤلما لها.

وحتى الإنسان نفسه في حال رغب في تنمية جسمه، فإنه يذهب إلى النوادي الرياضية. وهو بلجوئه إلى التمارين، إنما يجعل في الواقع الحياة صعبة بالنسبة لجسمه وعضلاته، وبذلك فهو يجبرها على الحركة والنشاط، ما يجعلها تطلب الطاقة وتستهلكها، ثم مع الوقت يحدث التحول في جسم الإنسان.

أشكال أخرى للحياة 

بالطبع في هذه الأمثلة، فإن المحن لا تؤدي فقط إلى التحول والصيرورة، إنها قد تقتل الكائن أحيانا. وبعض الأنواع وكذلك أعدادا كبيرة من الكائنات تموت كل يوم خلال هذا التحول. فاحتمالات البقاء بالنسبة للعديد من الكائنات الحية والنباتات، ولأسباب مختلفة، تبقى ضئيلة. لكن الحياة تظل مستمرة، وتأخذ أشكالا أخرى مختلفة.

ففي كل مرة نأكل فيها فاكهة مثلا، فنحن في الواقع ندمر تلك الفاكهة ونفكك جزيئاتها، كي نستطيع هضمها. لكن حدوث ذلك يعتبر ضروريا من وجهة نظر التطور لبروز أشكال أخرى من الحياة، مثل الخلايا التي في أجسامنا والتي يتوقف بقاءها ونموها على المواد الغذائية، وهكذا.

إن الحياة لا تعرف الرتابة، فعاجلا أو آجلا سوف يحدث شيء ما، يخرج الإنسان من حالة الدعة والركود، إلى حالة الحركة والتغيير.

والإنسان يمكنه أن يفسر ذلك على أنه سوء حظ أو تآمر من جانب هؤلاء أو أولئك لتخريب خططه أو النيل منه أو إقلاق راحته، أو أن هناك شيء خاطئ وما كان يجب أن يحدث، ويمكنه أن يعتبر ذلك فرصة جلبتها الحياة له كي تدفع وعيه، ونفسه وعقله، من أجل الارتقاء إلى مرحلة أعلى.

التفكير في المستقبل

إن نسبة كبيرة من الشعور بالتعاسة والقلق ليست نابعة من الحالة التي يواجهها الإنسان في اللحظة الراهنة، سواء تعلق الأمر بوباء كورونا أو غيره، وإنما من التفكير والخوف من المستقبل. ففي الحاضر يمكن للإنسان أن يجد حلا لمعظم المشاكل، لكن كيف يستطيع أن يجد حلا لمشكلة لم تقع بعد؟

إن العقل يقوم بوضع سيناريوهات لما يمكن أن يحدث في المستقبل، سواء تعلق الأمر بالإنسان نفسه أو بأحد اقربائه أو بمن يعرفهم. وبما أننا لا نستطيع أن نسيطر بصورة تامة أو أكيدة على ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ولا نستطيع أن نفعل شيئا إزاء ذلك. فهذا يسبب الكثير من المعاناة غير الضرورية للإنسان. 

إن الحياة لا تعرف الرتابة، فعاجلا أو آجلا سوف يحدث شيء ما، يخرج الإنسان من حالة الدعة والركود، إلى حالة الحركة والتغيير

والحل يكمن في البقاء في اللحظة الراهنة، ومراقبة الطريقة التي يتصرف بها العقل، ونوعية الأفكار والتصورات الذهنية التي يشكلها لنفسه عن نفسه. هذه المراقبة هي بداية فك الارتباط بين عملية التفكير وبين جوهر الإنسان، مما ينقله مباشرة إلى الحاضر. والحاضر هو الفضاء الذي تتكشف فيه حياة الإنسان، والواقع أنه لا توجد حياة خارج الحاضر أو مفصولة عنه. هذا الإدراك لوحده من شأنه أن يضع حدا للخوف والمعاناة أو يقلل من تأثيرهما.

لا يوجد موت

المفارقة هي أن حالة القلق والخوف مما يمكن أن يحدث في المستقبل، قد تجعل الإنسان يقع فيما يخافه، لأن القلق يقلل المناعة ويجعل الجسم ضعيفا، مما يجعله أكثر عرضة للإصابة بالمرض. فالعقل القلق يرسل إشارة خاطئة إلى الجسم، كما لو أنه مريض فعلا، وبالتالي يتصرف على هذا الأساس. الجسم لا يستطيع أن يعرف الفرق إذا كان ما يحدث هو حالة مرضية فعلية أم مجرد تصور ذهني أو خوف من المرض. مما يجعل الجسم يستنزف طاقته من دون داع.

والحل، كما يرى إيكهارت، أن نتعامل مع المرض كما هو من دون خلق تصورات ذهنية أو دراما حوله. أي من دون الانزلاق إلى آلية التفكير العقيمة نفسها. فاذا حدث الشفاء فهو أمر جيد وإذا لم يحدث فهو أمر جيد أيضا. لكن في حالة حدوثه سوف يكون أسرع.

والتعامل مع المرض يعني القبول أولا، ليس القبول بالمرض نفسه، وإنما بكونه يحدث الآن. هذا القبول من شأنه أن يفتح الباب لبروز نوع جديد من الوعي بداخلنا، ندرك معه من نحن حقيقة، ونعرف أنه لا يوجد موت في الحقيقة، وأن ما يجري هو مجرد تغيير للحياة من شكل إلى آخر.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.