Belarus' servicemen wearing protective gear spray disinfectant on each other after sanitizing a hospital in the town of…
أظهر الفيروس مدى حرص الحكومات على سلامة مواطنيها وأكد على عدم اهتمام الإسلامويين الذين اعترضوا على قرار منع أداء الصلوات في المساجد بأرواح الناس

بينما تبذل دول العالم والمنظمات الدولية جهودا هائلة للسيطرة على وباء كورونا باتخاذ القرارات والتدابير اللازمة للتقليل من أعداد المصابين وإنقاذ من يهدد الفيروس حياتهم ومعالجة أوضاع من فقدوا وظائفهم وتعطلت أعمالهم، ينشغل الإسلامويون بالترويج لأجنداتهم بنشر الشائعات والمقولات السخيفة والمضللة والأخبار الزائفة فيتداولها العامة في منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة على أنها حقائق.

فوجئت قبل أيام بمقولة سخيفة متداولة في أوساط الجهاديين وجدت طريقها إلى إحدى مجموعات "الواتساب" التي اشترك فيها يقول كاتبها: "أين من صَدَّعُوا رؤوسنا بعبارة: إن الغرب صعدوا للقمر ونحن لا زلنا نناقش الطهارة؟ ما بالهم اليوم تركوا القمر وعادوا لتعلم الطهارة. الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة".

يحاول الإسلامويون من خلال الترويج لهذه المقولة وغيرها التغطية على فشلهم وعجزهم عن تقديم أي مساعدة لتخليص العالم من وباء كورونا أو المساهمة في ذلك على أقل تقدير. فبدلا من التقدم بالشكر والعرفان للدول والمنظمات الغربية التي يعمل الباحثون فيها ليلا ونهارا من أجل دراسة الفيروس وتقديم المقترحات والتوصيات المناسبة للتقليل من خطورته، يحرص الإسلاميون على التقليل من شأن المجتمعات الغربية والإيحاء بأنهم شعوب نجسة أجبرهم فيروس كورونا على تعلم الطهارة من المسلمين.

وللعلم، فقد انتشرت هذه المقولة بعد أزمة أوراق التواليت والمواد المطهرة التي اجتاحت العديد من المدن الغربية عند صدور أوامر بالتباعد الاجتماعي وأدت إلى حدوث حالات تدافع واشتباكات بين المتسوقين في عدد من المتاجر واضطرار البعض إلى اللجوء إلى وسائل بديلة من ضمنها إضافة خاصية تسمح باستخدام المياه في المراحيض للتنظيف بعد قضاء الحاجة.

والمضلل في المقولة هو محاولة الإسلامويون ربط فكرة المواظبة على غسل اليدين واستخدام المياه بعد قضاء الحاجة بالإسلام، في حين أن الواقع يؤكد أن عملية غسل اليدين المرتبطة بالوضوء تختلف تماما عن طريقة الغسل التي أوصى بها الخبراء لتجنب الإصابة بالفيروس.

كعادتهم في التعامل مع الأحداث العالمية والأزمات، فقد روج الإسلاميون لعدة نظريات "مؤامراتية" عن الفيروس

أما استخدام المياه للتنظيف بعد قضاء الحاجة فهو أمر متداول في العديد من الدول الآسيوية والأوروبية وليس حكرا على المسلمين كما أن المجتمعات الإسلامية ليست النموذج الأبرز في العالم في الحرص على النظافة الشخصية ونظافة المرافق العامة بل على العكس تماما ولا مجال للمقارنة بين نظافة المرافق العامة في الدول الغربية بمثيلاتها في الدول الإسلامية.

ومن المقولات السخيفة التي روج لها الإسلامويون بعد صدور الأوامر بضرورة ارتداء الكمامات مقولة أن الفيروس أجبر الشعوب الغربية على ارتداء النقاب وحرم عليهم مصافحة النساء وأدى إلى إغلاق النوادي الليلية والمسارح والحانات وكأن الفيروس لم يعطل الشعائر الإسلامية كالطواف حول الكعبة والصلاة في المساجد.

وعلى العكس تماما، فقد أظهر الفيروس مدى حرص الحكومات على سلامة مواطنيها وأكد على عدم اهتمام الإسلامويين الذين اعترضوا على قرار منع أداء الصلوات في المساجد بأرواح الناس كالسلفي الكويتي حاكم المطيري الذي اعتبر في تغريدة نشرها على موقع "تويتر" حيث يتابعه أكثر من مليون حساب: "تعطيل أداء الصلوات الخمس في المساجد والحج إلى البيت الحرام بدعوى الخوف من المرض ظنون جاهلية وكفر بالله وردة ظاهرة تنافي حقيقة الإسلام لله". كما اعترض رجل الدين الليبي الصادق الغرياني على قرار إغلاق المساجد وأشار إلى بيان دار الإفتاء في ليبيا بعدم جواز قفل المساجد بالكلية.

أما عن احتفائهم بأن الفيروس أجبر الشعوب الغربية على ارتداء النقاب فإن ذلك كشف مدى الظلم الواقع على النساء في المجتمعات التي تفرض عليهن ارتدائه فقد أتاح وباء كورونا الفرصة للملايين للتعرف على معاناة المسلمات اللواتي يجبرن على ارتداء النقاب على مدار العام دون اعتبار للظروف المناخية القاسية.

فعلى سبيل المثال، نشر مغرد يدعى عبد الله تغريدة قال فيها: "إذا كورونا عطانا درس فهو التعاطف مع معاناة الأخوات المنقبات. أنا لبست الكمام دقائق ومليت منه. فعلا النساء تعاني من ما يسمى النقاب".

كما روج الإسلامويون العديد من الأخبار الزائفة فقد انتشر في أوساطهم تصريح مفبرك نسبوه إلى رئيس الوزراء الإيطالي بأنه قال معلقا على الأوضاع في بلاده بعد تزايد أعداد المصابين بالفيروس "لقد انتهت حلول الأرض. إن الأمر متروك للسماء". إلا أن موقع politifact أكد بأن التصريح مفبرك ولم يصدر إطلاقا من الوزير الأول.

ومن الأخبار الزائفة أيضا ادعاءهم بأن صحيفة فرنسية نشرت العبارة الآتية: "لا خوف على المنتقبات لأنهن الأقل عرضة لكورونا فهن لا يتبادلن القبل للتحية ولا يصافحن بالأيدي ولا بالأحضان، وفي الحقيقة هذه هي الثلاث نصائح التي أطلقها المختصون للتحكم في انتشار العدوى". 

لكن موقع fatabyyano.net المختص بكشف الأخبار الزائفة أكد أن النص أعلاه ورد في مقال بصحيفة تونسية هي Tunis-Hebdo الأسبوعية وكان يتناول الموضوع بطريقة ساخرة ردا على الشائعات المنتشرة عن أن النقاب يقي من الإصابة بفيروس كورونا.

وكعادتهم في التعامل مع الأحداث العالمية والأزمات، فقد روج الإسلاميون لعدة نظريات "مؤامراتية" عن الفيروس فقد ادعى أحد المؤيدين لـ"هيئة تحرير الشام" يسمي نفسه "الإدريسي" في منشور على قناته بموقع "تليغرام" بأن "كورونا نوع من أنواع غاز السيرين تم تجربته في سوريا من قبل روسيا أكثر من مرة وقد تم تسريبه من أحد المختبرات وأنه أحد الأسلحة البيولوجية الخطيرة وتقوم بالتكتم على مصدره بشده".

دأب الإسلاميون على ترويج الأكاذيب والافتراءات والشائعات فلا تكاد تخلو خطبهم ومقالاتهم من الأخبار الزائفة

أما السوري عصام الخطيب وهو قيادي سابق في "هيئة تحرير الشام" فقد زعم أن قضية الفيروس قد تكون "مؤامرة" وأنه "إن كان مصنّعا فإن الموجود حاليا ما هو إلا لقاح للفيروس الأصلي الذي لم يتم نشره بعد".

وأضاف الخطيب في ادعائه الذي نشره على قناته بموقع "تليغرام": "ونتيجة لخطورة الفيروس وقدرته التدميرية لجهاز التنفس فلقد استدعى ذلك أن يكون اللقاح ثقيلا وقاتلا لذوي الأجسام الضعيفة، ودليل ذلك انتشار الفيروس في البلاد المتهمة بتدبير المؤامرة وفي الطبقات الحاكمة فيها خصوصا إضافة إلى الطبقة الحاكمة في بلدان العالم الثالث وعندما تنتهي فترة اللقاح سيتم نشر الفيروس الأصلي المطور وعندها سنسمع الأرقام المخيفة لعدد القتلى ولكن ليس في أوروبا وأميركا".

لقد دأب الإسلاميون على ترويج الأكاذيب والافتراءات والشائعات فلا تكاد تخلو خطبهم ومقالاتهم من الأخبار الزائفة وعادة ما يستشهدون فيها بدراسات وإحصاءات مفبركة ينسبوها إلى جامعات ومراكز أبحاث غربية لخداع أنصارهم والإيحاء لهم بأن ما يروجون له من أفكار يستند إلى مصادر علمية موثوقة فيتلقفونها دون تمحيص وينشرونها في مجالسهم العامة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها حقائق.

وبما أن سياسة التجاهل لم تجد، بل ربما ساهمت في تمادي الإسلامويين في استخدام الأكاذيب والشائعات والأخبار المزيفة للترويج لأجنداتهم، فلا خيار أمام المثقفين التنوريين سوى تفنيد تلك الأكاذيب وفضح مروجيها لعلهم يخجلون ثم يرتدعون.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!