لا يعني التحذير من خطر داهم أن مطلق الصفارة يخطط عامدا متعمدا لإلحاق الأذى بالناس. لو صح هذا ـ وهو غير صحيح بالطبع ـ لكان الأولياء والحكماء أول من يُشك بهم، لأنهم حذروا من الأوبئة والأمراض قبل آلاف السنين. لحسن الحظ، تفهمت أغلب المرجعيات الدينية في العالم خطر كوفيد-19، فأغلقت دور العبادة بروح مسؤولة تجاوبت مع تنبيه الحكومات ومشرفي الرعاية الصحية.
عرف في الإسلام مبدأ: "اعقل وتوكل". بالتالي، إذا لم يلجأ الإنسان إلى العقل أولا، فالتوكل وحده ليس من شأنه أن يحمي المؤمن من خطر كوفيد-19 وسواه من أمراض. بالتالي، لا علاقة لأي دين من الأديان بالممارسات الخاطئة التي ابتدعت في تناقض فاضح مع جوهر الأديان قاطبة. للأسف، من دون وجود أسس روحية أو علمية لتلك البدع، انتشرت دعوات ناشزة تدعو إلى تجاهل أخطار الفيروس وتسوِّق حلولا خرافية لمواجهته، ناشرة نصائح بلغت حد العبث بالأرواح، دون رادع دين أو وازع ضمير.
صاحبت جائحة كورونا ردود فعل يلفت النظر فيها تشابه المشعوذين في الزعم أن الفيروس لا يصيب المسلمين، أو لا يصيب المسيحيين، أو لا يصيب اليهود، أو لا يصيب المؤمنين بمعتقدات أخرى. اشتركت تلك الثلة من مختلف الأديان والملل في خداع السذج بأن كورونا مصمم لإيذاء أصحاب المعتقدات الأخرى ممن لا يشاركونهم معتقدهم الديني، متجاهلين أنه لو صدقت مزاعم الجميع، لفنيت البشرية.
قبل أن تصدر تعليمات بإغلاق الجوامع والكنائس ودور العبادة الأخرى لمنع تفشي الفيروس، وقبل أن تشجع عليها وتلتزم بها المرجعيات الدينية الرسمية، طلع بعض أدعياء الدين في إيران بأناشيد زعموا أنها تبعد الفيروس عن أتباع مذهبهم دون سواهم من بني البشر. وصل الأمر ببعضهم إلى الادعاء أن جدران المقامات تمنع الفيروس من اختراقها والوصول إلى حشود المؤمنين الذين يأمونها تيمنا للبركة، مشجعين أتباعهم على التمسح بها ولعق أسطح هياكلها دون خشيةٍ من العدوى. شاهدت فيديو تمرر فيه عباءة قيل إنها عباءة الخميني بين المريدين، فيتهافتون على تقبيلها لتحميهم من الفيروس في مخالفة لأبسط القواعد الصحية.
المشكلة الأخرى هي ظهور مزاعم غريبة من أطباء أوقعوا الناس في تخبط وحيرة
أما في العراق، فحث الداعية الشيعي قاسم الطائي على الاستمرار في زيارة المقامات الدينية ودور العبادة وإقامة صلوات الجماعة والجمعة. من ناحية أخرى، شاهدت فيديو لخطبة أحد الشيوخ العراقيين حول فوائد شوكولاتة مقدسة وعد بتوزيعها على المصلين، زاعما أن بإمكان حبة منها أن تقي عشيرة بأكملها من شر المرض.
بدوره، روَّج الإمام السني توفيق البوطي في دمشق لوصفة عشبية، إذ زعم أن "حبة البركة" أو "الحبة السوداء" علاج ناجع لكورونا. هذه الوصفة ـ على كل حال ـ إن لم تنفع، فهي حتما لا تضر. من جهته، أكد إمام سني في صعيد مصر على الملأ على أنه من المستحيل أن يصاب مسلم موحد بفيروس كورونا، بينما شيخ سني آخر فقال: "شكرا لكورونا، لأنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر". كما أعلن الداعية المصري أسامة حجازي عبر وسائل الإعلام أن النقاب والوضوء علاج ناجع لكورونا، بينما عزا شيخ آخر (لا أدري مذهبه) فيروس كوفيد-19 إلى الجن، واستجوب امرأة منقبة على أنها الفيروس ـ الجني شخصيا.
في موريتانيا، فدعا الشيخ ولد داهي إلى معالجة كورونا بتعويذة (أي رقية). في لبنان، حلق الأب مجدي علاوي بطائرة هيلوكوبتر زاعما أنه بجولته الفضائية تلك سيحمي اللبنانيين من الجائحة. وهذا على الأقل تصرف وطني نبيل لكونه أوحى بحماية أبناء بلده المنتمين إلى أديان وطوائف متعددة.
أما أحد الأئمة الغاضبين لحظر الصلاة في المسجد، فدعا الناس للتجمع على الرصيف للصلاة ضاربا عرض الحائط بتعليمات ضرورة التباعد الاجتماعي مسافة تقارب المترين. أما أحد كبار رجال الدين المسيحي فغضب غضبا شديدا من حظر الناس تقبيل يده، واعتبر تلك مؤامرة شيطانية تسعى إلى تحطيم طقوس احترام قداسته.
بدوره، ادعى الداعية المسيحي الأميركي كينيث كوبلاند تدميره كورونا عبر خطبة حماسية، زاعما أنه استطاع بدعواته شفاء الولايات المتحدة تماما من خطر الجائحة وقتله الفيروس. أما أسقف أسيوط في مصر ـ رغم ما قيل عن كونه حاصلا على بكالوريوس في الطب والجراحة ـ فزعم أن الصلاة في الكنائس تمنع كورونا من إيذاء المسيحيين.
في الهند، شاهدت فيديو لجماعة من الهندوس يشربون بول البقر اعتقادا منهم أنه الدواء الشافي من كورونا. أما أطرف علاج فهو وصفة حاخام بشرب بيرة "كورونا" المكسيكية كعلاج ناجع لكوفيد-19، لكنه نسي ـ على ما يبدو ـ نصح مريديه بوضع شريحة ليمون على فوهة كل زجاجة.
المشكلة الأخرى هي ظهور مزاعم غريبة من أطباء أوقعوا الناس في تخبط وحيرة. من هؤلاء الطبيب الأميركي رشيد بتَّار من مدينة شارلوت في ولاية نورث كارولاينا، الذي وجه عبر مقابلة تلفزيونية تهما في غاية البشاعة لكبير الخبراء الأميركيين الدكتور أنطوني فاوتشي، يوحي تطرفها بالكيدية. لدى البحث على الإنترنت، تبين أن الدكتور بتّار مختص في الطب البديل، ويستخدم علاجا لتنقية الدم من الزئبق والشوارد المعدنية لشفاء أمراض مستعصية. وبالرغم من شهرته كمؤلف كتاب من الأكثر مبيعا، فإن رخصته سحبت منه لمدة ثلاث سنوات وأوقف عن ممارسة مهنة الطب بسبب ما وصف بأنه: "لا أخلاقية المعالجة لأربعة مرضى بالسرطان". بالتأكيد، مثل هذه التهم لا يمكن الحسم بشأنها إلا في محاكم القضاء.
المفترض أن تعبر الطقوس الدينية الحقة عن التسامح والمحبة بين البشر، بغض النظر عن العرق والجنس والمعتقد
رأى الباحث الفرنسي المختص في الإيدز لوك مونتانييه أن الفيروس انطلق على سبيل الخطأ من مختبر في ووهان، في حين زعم ضابط الاستخبارات العسكرية الروسية السابق فلاديمير كفاشكوف أن الفيروس صنيعة ما يسميه "قوى الظل العالمية" في محاولة للحد من سكان العالم، مصرا على أن الفيروس مصنع في مختبر، مناقضا العلماء الذين قالوا إن مصدره حيواني بحت. وانتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي نصب قديم مشاد في ولاية جورجيا كتب عليه بعدة لغات، بينها العربية ـ حسبما أورد الخبر ـ مقاطع منها ما يفيد بضرورة خفض عدد سكان العالم إلى رقم ضئيل للغاية بالمقارنة مع عددهم الحالي.
من ناحية أخرى، شاهدت فيديو لزيارة قام بها الرئيس الصيني لأحد المساجد ذكر في التعليق إنه ناشد خلالها المسلمين أن يقوموا بالدعاء إلى الله ليخلّص الصين من انتشار الفيروس، لكن تبين أن الفيديو يعود إلى عام 2016 عندما زار الرئيس الصيني مسجدا في شمال غربي الصين. بينما توقعت طائفة مسلمة معينة قيامة المهدي المنتظر، توقع بعض غلاة المسيحيين أن ظهور كورونا إشارة إلى اقتراب قيامة السيد المسيح. الغريب أن إيمان هؤلاء جميعا لم يأخذ بعين الاعتبار أن الفيروس القاتل أدى إلى إلغاء الشعائر الدينية الجماعية في المساجد والكنائس وسواها من دور العبادة، بما فيها الأزهر والفاتيكان.
أتمنى على كل مؤمن ورع أن يجيب على الأسئلة التالية بموضوعية تامة: هل يليق زعم أي من أصحاب البدع في أي دين من الأديان تجنيب رعاياهم فحسب عدوى فيروس مميت، تاركين بقية "أهل الكتاب" وسواهم عرضة لحصد منجل عزرائيل؟ هل يعقل أن تقتضي خطة الله، الغفور الرحيم، لتخليص البشر من خطاياهم إفناء كبار السن والشباب ضعيفي المناعة وعديد من الأطباء والممرضات الذين ضحوا بحياتهم من أجل واجبهم الإنساني؟
شخصيا، لا أتردد لحظة من الإجابة بالنفي. لا شك أن الصلوات والابتهالات نشاط إيجابي متوقع ليس من قبل رجال الدين فحسب، وإنما من جميع المؤمنين بجميع الأديان وكل المذاهب على الإطلاق، أملا في أن يريح الإيمان برحمة السماء النفس المقلقة المعذبة ويبعث في الإنسان حلم الخلاص. المفترض أن تعبر الطقوس الدينية الحقة عن التسامح والمحبة بين البشر، بغض النظر عن العرق والجنس والمعتقد، والمفترض أن تشجع الأديان جميع أتباعها الصالحين على الدعاء من أجل سلامة أخوتهم في الإنسانية، وأن يحث شبح الموت البشر على تجاوز خلافاتهم وعدم خوض الحروب بدافع الجشع والرغبة في السلطة والهيمنة.

