Coronavirus-shaped pinatas are displayed for sale at a store in Guatemala City on May 1, 2020, amid the COVID-19 pandemic. …
لعبة أطفال على شكل فيروس

لا يعني التحذير من خطر داهم أن مطلق الصفارة يخطط عامدا متعمدا لإلحاق الأذى بالناس. لو صح هذا ـ وهو غير صحيح بالطبع ـ لكان الأولياء والحكماء أول من يُشك بهم، لأنهم حذروا من الأوبئة والأمراض قبل آلاف السنين. لحسن الحظ، تفهمت أغلب المرجعيات الدينية في العالم خطر كوفيد-19، فأغلقت دور العبادة بروح مسؤولة تجاوبت مع تنبيه الحكومات ومشرفي الرعاية الصحية. 

عرف في الإسلام مبدأ: "اعقل وتوكل". بالتالي، إذا لم يلجأ الإنسان إلى العقل أولا، فالتوكل وحده ليس من شأنه أن يحمي المؤمن من خطر كوفيد-19 وسواه من أمراض. بالتالي، لا علاقة لأي دين من الأديان بالممارسات الخاطئة التي ابتدعت في تناقض فاضح مع جوهر الأديان قاطبة. للأسف، من دون وجود أسس روحية أو علمية لتلك البدع، انتشرت دعوات ناشزة تدعو إلى تجاهل أخطار الفيروس وتسوِّق حلولا خرافية لمواجهته، ناشرة نصائح بلغت حد العبث بالأرواح، دون رادع دين أو وازع ضمير.

صاحبت جائحة كورونا ردود فعل يلفت النظر فيها تشابه المشعوذين في الزعم أن الفيروس لا يصيب المسلمين، أو لا يصيب المسيحيين، أو لا يصيب اليهود، أو لا يصيب المؤمنين بمعتقدات أخرى. اشتركت تلك الثلة من مختلف الأديان والملل في خداع السذج بأن كورونا مصمم لإيذاء أصحاب المعتقدات الأخرى ممن لا يشاركونهم معتقدهم الديني، متجاهلين أنه لو صدقت مزاعم الجميع، لفنيت البشرية.

قبل أن تصدر تعليمات بإغلاق الجوامع والكنائس ودور العبادة الأخرى لمنع تفشي الفيروس، وقبل أن تشجع عليها وتلتزم بها المرجعيات الدينية الرسمية، طلع بعض أدعياء الدين في إيران بأناشيد زعموا أنها تبعد الفيروس عن أتباع مذهبهم دون سواهم من بني البشر. وصل الأمر ببعضهم إلى الادعاء أن جدران المقامات تمنع الفيروس من اختراقها والوصول إلى حشود المؤمنين الذين يأمونها تيمنا للبركة، مشجعين أتباعهم على التمسح بها ولعق أسطح هياكلها دون خشيةٍ من العدوى. شاهدت فيديو تمرر فيه عباءة قيل إنها عباءة الخميني بين المريدين، فيتهافتون على تقبيلها لتحميهم من الفيروس في مخالفة لأبسط القواعد الصحية. 

المشكلة الأخرى هي ظهور مزاعم غريبة من أطباء أوقعوا الناس في تخبط وحيرة

أما في العراق، فحث الداعية الشيعي قاسم الطائي على الاستمرار في زيارة المقامات الدينية ودور العبادة وإقامة صلوات الجماعة والجمعة. من ناحية أخرى، شاهدت فيديو لخطبة أحد الشيوخ العراقيين حول فوائد شوكولاتة مقدسة وعد بتوزيعها على المصلين، زاعما أن بإمكان حبة منها أن تقي عشيرة بأكملها من شر المرض.

بدوره، روَّج الإمام السني توفيق البوطي في دمشق لوصفة عشبية، إذ زعم أن "حبة البركة" أو "الحبة السوداء" علاج ناجع لكورونا. هذه الوصفة ـ على كل حال ـ إن لم تنفع، فهي حتما لا تضر. من جهته، أكد إمام سني في صعيد مصر على الملأ على أنه من المستحيل أن يصاب مسلم موحد بفيروس كورونا، بينما شيخ سني آخر فقال: "شكرا لكورونا، لأنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر". كما أعلن الداعية المصري أسامة حجازي عبر وسائل الإعلام أن النقاب والوضوء علاج ناجع لكورونا، بينما عزا شيخ آخر (لا أدري مذهبه) فيروس كوفيد-19 إلى الجن، واستجوب امرأة منقبة على أنها الفيروس ـ الجني شخصيا. 

في موريتانيا، فدعا الشيخ ولد داهي إلى معالجة كورونا بتعويذة (أي رقية). في لبنان، حلق الأب مجدي علاوي بطائرة هيلوكوبتر زاعما أنه بجولته الفضائية تلك سيحمي اللبنانيين من الجائحة. وهذا على الأقل تصرف وطني نبيل لكونه أوحى بحماية أبناء بلده المنتمين إلى أديان وطوائف متعددة. 

أما أحد الأئمة الغاضبين لحظر الصلاة في المسجد، فدعا الناس للتجمع على الرصيف للصلاة ضاربا عرض الحائط بتعليمات ضرورة التباعد الاجتماعي مسافة تقارب المترين. أما أحد كبار رجال الدين المسيحي فغضب غضبا شديدا من حظر الناس تقبيل يده، واعتبر تلك مؤامرة شيطانية تسعى إلى تحطيم طقوس احترام قداسته. 

بدوره، ادعى الداعية المسيحي الأميركي كينيث كوبلاند تدميره كورونا عبر خطبة حماسية، زاعما أنه استطاع بدعواته شفاء الولايات المتحدة تماما من خطر الجائحة وقتله الفيروس. أما أسقف أسيوط في مصر ـ رغم ما قيل عن كونه حاصلا على بكالوريوس في الطب والجراحة ـ فزعم أن الصلاة في الكنائس تمنع كورونا من إيذاء المسيحيين. 

في الهند، شاهدت فيديو لجماعة من الهندوس يشربون بول البقر اعتقادا منهم أنه الدواء الشافي من كورونا. أما أطرف علاج فهو وصفة حاخام بشرب بيرة "كورونا" المكسيكية كعلاج ناجع لكوفيد-19، لكنه نسي ـ على ما يبدو ـ نصح مريديه بوضع شريحة ليمون على فوهة كل زجاجة.

المشكلة الأخرى هي ظهور مزاعم غريبة من أطباء أوقعوا الناس في تخبط وحيرة. من هؤلاء الطبيب الأميركي رشيد بتَّار من مدينة شارلوت في ولاية نورث كارولاينا، الذي وجه عبر مقابلة تلفزيونية تهما في غاية البشاعة لكبير الخبراء الأميركيين الدكتور أنطوني فاوتشي، يوحي تطرفها بالكيدية. لدى البحث على الإنترنت، تبين أن الدكتور بتّار مختص في الطب البديل، ويستخدم علاجا لتنقية الدم من الزئبق والشوارد المعدنية لشفاء أمراض مستعصية. وبالرغم من شهرته كمؤلف كتاب من الأكثر مبيعا، فإن رخصته سحبت منه لمدة ثلاث سنوات وأوقف عن ممارسة مهنة الطب بسبب ما وصف بأنه: "لا أخلاقية المعالجة لأربعة مرضى بالسرطان". بالتأكيد، مثل هذه التهم لا يمكن الحسم بشأنها إلا في محاكم القضاء.

المفترض أن تعبر الطقوس الدينية الحقة عن التسامح والمحبة بين البشر، بغض النظر عن العرق والجنس والمعتقد

رأى الباحث الفرنسي المختص في الإيدز لوك مونتانييه أن الفيروس انطلق على سبيل الخطأ من مختبر في ووهان، في حين زعم ضابط الاستخبارات العسكرية الروسية السابق فلاديمير كفاشكوف أن الفيروس صنيعة ما يسميه "قوى الظل العالمية" في محاولة للحد من سكان العالم، مصرا على أن الفيروس مصنع في مختبر، مناقضا العلماء الذين قالوا إن مصدره حيواني بحت. وانتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي نصب قديم مشاد في ولاية جورجيا كتب عليه بعدة لغات، بينها العربية ـ حسبما أورد الخبر ـ مقاطع منها ما يفيد بضرورة خفض عدد سكان العالم إلى رقم ضئيل للغاية بالمقارنة مع عددهم الحالي.

من ناحية أخرى، شاهدت فيديو لزيارة قام بها الرئيس الصيني لأحد المساجد ذكر في التعليق إنه ناشد خلالها المسلمين أن يقوموا بالدعاء إلى الله ليخلّص الصين من انتشار الفيروس، لكن تبين أن الفيديو يعود إلى عام 2016 عندما زار الرئيس الصيني مسجدا في شمال غربي الصين. بينما توقعت طائفة مسلمة معينة قيامة المهدي المنتظر، توقع بعض غلاة المسيحيين أن ظهور كورونا إشارة إلى اقتراب قيامة السيد المسيح. الغريب أن إيمان هؤلاء جميعا لم يأخذ بعين الاعتبار أن الفيروس القاتل أدى إلى إلغاء الشعائر الدينية الجماعية في المساجد والكنائس وسواها من دور العبادة، بما فيها الأزهر والفاتيكان.

أتمنى على كل مؤمن ورع أن يجيب على الأسئلة التالية بموضوعية تامة: هل يليق زعم أي من أصحاب البدع في أي دين من الأديان تجنيب رعاياهم فحسب عدوى فيروس مميت، تاركين بقية "أهل الكتاب" وسواهم عرضة لحصد منجل عزرائيل؟ هل يعقل أن تقتضي خطة الله، الغفور الرحيم، لتخليص البشر من خطاياهم إفناء كبار السن والشباب ضعيفي المناعة وعديد من الأطباء والممرضات الذين ضحوا بحياتهم من أجل واجبهم الإنساني؟ 

شخصيا، لا أتردد لحظة من الإجابة بالنفي. لا شك أن الصلوات والابتهالات نشاط إيجابي متوقع ليس من قبل رجال الدين فحسب، وإنما من جميع المؤمنين بجميع الأديان وكل المذاهب على الإطلاق، أملا في أن يريح الإيمان برحمة السماء النفس المقلقة المعذبة ويبعث في الإنسان حلم الخلاص. المفترض أن تعبر الطقوس الدينية الحقة عن التسامح والمحبة بين البشر، بغض النظر عن العرق والجنس والمعتقد، والمفترض أن تشجع الأديان جميع أتباعها الصالحين على الدعاء من أجل سلامة أخوتهم في الإنسانية، وأن يحث شبح الموت البشر على تجاوز خلافاتهم وعدم خوض الحروب بدافع الجشع والرغبة في السلطة والهيمنة.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.