Abdelfattah Mourou, vice president of the moderate Islamist Ennahda party and presidential candidate, arrives to cast his vote…

تناولت في الجزء الأول من هذا المقال الآراء الجريئة التي قال بها زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في قضايا الديمقراطية والعلمانية وعلاقة الدين بالدولة والردة، وأتناول في هذا الجزء آراء نائب رئيس الحركة عبد الفتاح مورو في قضايا الدولة الوطنية والشريعة.

أدلى نائب رئيس حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، قبل فترة بتصريحات جريئة اعترف فيها صراحة بأن تجربة الإسلاميين اعترتها أخطاء على مستوى قراءة النص الإسلامي والواقع أيضا.

قال مورو إن "من بين أخطاء الإسلاميين التصورية، الموقف من الدولة، فنحن لم نفهم حقيقة الدولة الوطنية التي نشأت في أوطاننا بعيد خضوع العالم الاسلامي للاستعمار، وظللنا خاضعين لمنطق آخر في التعاطي مع مسألة الدولة".

وتابع مورو: "في مقابل نقاش الدولة كنا نحن الإسلاميون مشغولين بنقاش "العالمية الإسلامية"، وتجاهلنا قضايا مهمة من قبيل المواطنة والعلاقة مع غير المسلمين في أوطاننا، والموقف من اليسار والشيوعيين، ومكانة المرأة، وقضايا حقوق العمال والحريات العامة".

الحديث أعلاه يُمثل نقدا مباشرا للمفاهيم الأساسية التي أرساها الرمزان الكبيران للإخوان المسلمين، حسن البنا وسيد قطب، فيما يتعلق بالموقف من الدولة الحديثة، حيث اعتبرا أن مفهوم "الدولة-الأمة" الذي نشأ في الغرب مخالفا للمفهوم الإسلامي الذي يستند عندهما إلى أساس أخوة العقيدة وليس رابط المواطنة.

حماية حقوق الناس وكرامتهم لن تتم في ظل نظام سياسي يستمد مبادئه من أفكار جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي العريض

الجماعة لا تعترف بالدول، فهي بالنسبة لهم مجرد كيانات صنعها الاستعمار، وهي كذلك لا تعطي قيمة للحدود التي تفصلها ولا تؤمن بمفهوم الوطنية، حيث يلتزم أعضاؤها فقط ببيعتهم للمرشد وليس لرئيس الجمهورية أو رأس السلطة الحاكمة في البلد المعيَّن وولاؤهم الأخير للتنظيم الدولي وليس للوطن الذي يعيشون فيه.

يقول الشيخ حسن البنا في توضيح الفارق بين فهم الجماعة للوطنية وفهم الآخرين لها: "أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجعرافية".

ويقول سيد قطب: "لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هي إلا أصنام تُعبد من دون الله".

هذا المفهوم لا يمثل بُعدا محدودا في فكر الجماعة، بل مرتكز أصيل تقوم عليه المنظومة الفكرية التي تهدف لإحداث التغيير في المجتمعات الإسلامية والعالم بحسب التصور الذي طرحه حسن البنا والذي يحدد مراحل الانتقال من واقع الاستضعاف إلى قوة "التمكين" عبر ست مراحل تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلامية وأخيرا أستاذية العالم.

وبالتالي فإن الدولة الوطنية لا تمثل في فكر الجماعة سوى مرحلة طارئة ومؤقتة، حلقة ضمن حلقات الانتقال، ولكنها ليست السقف النهائي الذي يجب أن تتجه كافة جهودها لخدمة مصالحه بل هناك تقاطعات ومصالح أهم منها تسعى الجماعة لخدمتها من أجل الوصول لهدفها النهائي المتمثل في الخلافة الإسلامية.

هذه الأممية الفكرية لا تنادي بها جماعة الإخوان المسلمين وفروعها المختلفة فقط ولكنها أيضا مُكون أساسي في فكر بقية تيارات الإسلام السياسي بما في ذلك الحركة السلفية الوهابية بمدارسها المختلفة.

ولكن مورو يمضي بعيدا في نقده لموقف الإسلام السياسي من الدولة حتى يصل للقول الجريء بأن "الأمة ليس لها كيان وطني، فإيجاد الكيان الوطني مُقدَّم على تطبيق الشريعة، القضية ليست تطبيق القانون الأهم هو بناء دولة العدالة، فليست القضية قطع يد أو قطع رأس أو إقامة حد، بل بناء دولة المواطنين".

إن دعوة الأستاذ مورو لبناء دولة المواطنين تصطدم مباشرة بتعاليم الجماعة الأساسية، وهي تعاليم تنادي بقيام دولة طائفية لا يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات ولا يحق لغير المسلم تولي الولاية العامة أو القضاء بل يُمكن الاستعانة به في بعض الوظائف عند الحاجة، كما قال حسن البنا في رسالة التعاليم: "لا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".
 
قد ولج الأستاذ مورو لجوهر القضية والمتمثل في إقامة العدالة والتي بدورها لن تتأتي إلا في ظل الحرية وليس تطبيق القوانين حيث يقول الرجل إن "من يريدون تحكيم الشريعة، يريدون تطبيق القانون فقط، و يختزلون القضية في النص القانوني"، ويتساءل "وهل مشكلتنا هي النص القانوني المستمد من الشريعة؟".

من الواضح أن قيادات حركة النهضة قد اختطت نهجا مختلفا بصورة كبيرة عن بقية جماعات الإسلام السياسي وهو نهج يسير في الاتجاه التاريخي الصحيح

بالطبع ليست المشكلة في القوانين ولكن المشكلة كما يقول هي إن "تخلف العالم الإسلامي أكبر من ترك الصلاة، وعدم لبس المرأة للحجاب الشرعي، وعدم إطالة اللحية، أو تقصير الثياب، أو عدم تطبيق الحدود، فالعالم الإسلامي تخلف لأنه لم يستطع الحفاظ على القيم الأخلاقية التي تحمي حقوق الناس وكرامتهم".

حماية حقوق الناس وكرامتهم لن تتم في ظل نظام سياسي يستمد مبادئه من أفكار جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي العريض فكما رأينا رأيهم في حقوق غير المسلمين فإنهم كذلك يحرمون المرأة من حق تولى الولاية الكبرى والقضاء، بل أن البنا يحرمها من حق العمل والتصويت في الانتخابات ويقول: "ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردود عليهم بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين".

وجه مورو رسالة في غاية الأهمية لأتباع الإسلام السياسي فحواها أن "العالم لا يُدار من منبر المسجد، لأن رواد المسجد يأخذون ولا يعطون، يتأثرون ولا يؤثرون، يستفيدون ولا يفيدون"، ويقدم لهم نصيحة مفادها أن "المجتمعات لا تتغير بالحكم، بل تدار بالحكم"، ويُخاطبهم قائلا: "أنتجوا للناس ما يجعلهم يختارونكم على غيركم، قدموا منتوجا يُرضي الناس".

من الواضح أن قيادات حركة النهضة قد اختطت نهجا مختلفا بصورة كبيرة عن بقية جماعات الإسلام السياسي وهو نهج يسير في الاتجاه التاريخي الصحيح ويخالف الأطروحات الفكرية والشعارات الأساسية لذلك التيار وإذا أرادت تلك الجماعات أن تحفظ لها مكانا في المستقبل فيجب عليها تبني النهج الجديد والعمل على تطويره وترسيخه بصورة أعمق بين أتباعها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.