بعد تداول إعلامي لأشرطة مصوّرة تشهد مطاردة وحدات من سلاح الجو لأجسام مفترضة مجهولة دون أن تتمكن من اعتراضها أو تفسير ماهيتها، أكّد مصدر مسؤول في وزارة الدفاع في الولايات المتحدة على صحة هذه الأشرطة، دون الإفادة الكافية عن طبيعة مضمونها، ما يعيد ضخ الحياة في حالة ثقافية ملتبسة هنا وفي العالم أجمع.
التصنيف الرسمي المعتمد اليوم لهذه الحالات هو اعتبارها "ظواهر جوية غير معرّفة"، أي الالتزام بمطلق الحياد حول ماهيتها، فلا حكم على ماديتها ولا تأييد لأية من النظريات حول أصولها. كل ما يفيده الكلام من وزارة الدفاع هو أن هذه الأشرطة المصورة، بالإضافة إلى إصدار رسمي سابق، هي صادقة، وليست مزورّة أو مزيفة.
وذاك الإصدار الرسمي، والذي تضمّن شريطا واحدا، كان قد كشف عنه العام الفائت مع بعض المعلومات التي تفيد أنه ناتج عن مشروع تحليلي لوزارة الدفاع حول "الظواهر الجوية غير المعرّفة" جرى تلزيمه، أو ربما أقسام منه، لمتعاقد خارجي بقيمة 22 مليون دولار. وتبدو المقاطع المصوّرة الجديدة منسجمة في جودتها وفي التسجيلات الصوتية المرتبطة بها، مع الشريط السابق الصادر العام الماضي.
وفي حين أن وزارة الدفاع لم تقدّم رسميا يومئذ التفاصيل الإضافية حول تلك المادة، فإن أحد العاملين السابقين بالوزارة، معلنا أنه كان من المشاركين الرئيسيين بهذا المشروع، قد استفاض بالحديث حول أهمية هذه الأشرطة وعواقبها.
قبل اعتبار كلام هذا الموظف السابق، لا بد من الإشارة إلى جانبين يستدعيان توضيحات لا تزال غائبة.
الجانب الأول هو أن الأشرطة، ما صدر منها قبل أشهر وما صدر قبل أيام، رغم جودتها التقنية، فقيرة جدا إلى المضمون. فـ "الظاهرة" تبدو وكأنها نقطة أو لطخة وسط الشاشة، وقبل أن ترحل، في الأشرطة الأخيرة، تبقى بثبات داخل مربّع الرصد، فيما المشهد، من بحر أو سماء، ينساب برتابة خلفها. وإذا كان الضعف البياني عائدا افتراضا إلى الطبيعة غير القابلة للضبط لهذه "الظاهرة"، فإن الأشرطة لم تأت مصحوبة مثلا ببيانات تعقّب من مواقع أرضية أو جوية ترسم خطوط مسارها.
أما الجانب الآخر اللافت، فهو شحّة المبلغ المرصود لمشروع التقصي والتحليل. فأن تعمد هذه الوزارة، والتي اشتهرت بإنفاق أضعاف مضاعفة لتحسين تجهيزات ما في قاعدة نائية، إلى تخصيص هذا الكم المتواضع (بمقاييسها) لهذا المشروع هو دليل على عدم إيلائه الأولوية التي يجري إضفاؤها عليه، خارج الوزارة، أمنيا أو حتى وجوديا.
"الصحون الطائرة"، بيد من يسعون إلى التفتيت، كانت ولا تزال وسيلة لإضعاف ثقة المواطن بحكومته
فلو أنه كان لدى المسؤولين في المؤسسات الدفاعية في الولايات المتحدة أدنى ريبة بأن مصدر هذه "الظاهرة" هو من دولة أخرى، مخاصمة أو معادية أو صديقة لا فارق، لكانت أغدقت الأموال لتبين هذا المصدر، وصولا إلى تفنيده والتصدي لما يشكله من تعدٍ على السيادة الجوية.
فكيف لو كان لدى هؤلاء المسؤولين، وغيرهم، أقل اعتبار لأن تكون هذه "الظاهرة"، كما يراد لها إعلاميا وفي بعض زوايا الفكر الغربي، دليلا على قدوم مخلوقات عاقلة عبر الفضاء لزيارات خفية لكوكب الأرض. لو كان لهذا الاعتبار أي أثر، لكان ما خصص لهذا الجهد على قدر أهميته من الحشد العلمي والموارد المادية.
طبعا، بمكن الاستعانة للتفسير هنا، بل للتشتيت، بمنطق المؤامرة والذي يجد بأية مجموعة من التفاصيل وسيلة تأكيد ذاتي لصحّته. أي إذا أنفقت، فهذا دليل على الأهمية، وإن لم تنفق، فهي وحسب تخفي ولا تفصح. وإذا أظهرت بعض ما في جعبتها كما هو الحال هنا، فلتحضير الجمهور لما هو قادم، وإذا لم تفصح، فلحاجة لديها لحفظ السر. ومن لا يتفق مع هذا المنطق مضلّل (اسم فاعل) أو مضلل (اسم مفعول). لا سبيل إلى محاجة هذا المنطق ولا جدوى.
ولكن عندما يكون الإقرار من جهة رسمية، ومن وزارة الدفاع تحديدا، فلا بد من السعي إلى بعض الوضوح، رغم أن الوزارة تبدو ساعية إلى تجنب الخوض في معترك سجالي لا سبيل للخلاص منه.
في الولايات المتحدة، وعموم الغرب، ومن خلال التأثير الفكري للغرب في سائر العالم، وإن بدرجات أقل، ثمة قناعة يراد لها أن تكون علمية، ولكنها فلسفية بالدرجة الأولى، بأن الكون يحفل بالحياة، وبالحياة الذكية الواعية، ثم بالحياة الواعية القادرة على الإنجاز التقني، والتي يمكن بالتالي نظريا، وإن على اعتبارات متفاوتة من الصعوبة، تحقيق شكل من أشكال التواصل معها.
"علمية" هذه القناعة قائمة على رفض خصوصية استعلائية للجنس البشري. أي طالما أن الإنسان قد ظهر ونما وحقق السيادة التقنية على الأرض، وإن متعثرا، فمن الاستعلاء السافر افتراض بأنه حالة فريدة في هذا الكون الفائق الاتساع إلى حد يدرك بالأرقام وحسب دون إمكانية التصور. بل إن مسار الإنسان العلمي على مدى القرون القليلة الماضية كان إدراكا تدرجيا لتواضع مكانته في الكون، زمانا ومكانا، فظهوره هنا لا يتعدى "الثواني" القليلة من "يوم" الكوكب والكون، وسيادته على محيطه تبدو محكومة بأجل مسمّى ضئيل يمكنه استشفافه على أساس التوقعات العلمية.
التصنيف الرسمي المعتمد اليوم لهذه الحالات هو اعتبارها "ظواهر جوية غير معرّفة"، أي الالتزام بمطلق الحياد حول ماهيتها، فلا حكم على ماديتها ولا تأييد لأية من النظريات حول أصولها
وهذا الإنسان ليس إلا غبار النجوم، من مادتها تشكّل، وكما حصل معه هنا، فإن فرص أن يتكرر الحصول مع غيره، مع اختلاف الأشكال، تكاد أن تكون لامتناهية.
هي مقولة معقولة، وفق المتحصّل من العلم وقدرة الإنسان الموضوعية على التأمل والرؤية، ولكنها ليست محسومة. إذ أليس فيها قدر من الاستعلائية بافتراض أن الإنسان حيث هو ووفق ما سار عليه يجسّد معيارية كونية لا بد أن تتكرر؟ على أي حال، النظر في هذه المسائل، بعد تجاوز التسليم بقصص التنزيل الديني حول مقام الإنسان بين سائر الخلق والإله، هو من صميم الحضارة العالمية بنواتها الغربية، دون أن يستقل بهذا الصميم. إذ لا تزال التصويرات الدينية قادرة على الاستمرار، فمنها ما يتوسع بتحدي الأسس الفلسفية للقراءة العلمية، بل يسعى إلى تجييرٍ، وإن على الغالب سجالي، للعلم لصالحه.
المسألة هنا ليست في الفلسفة المعرفية، ولا حتى في الاعتبارات العملية الناتجة عنها، ولا سيما الجهود التقنية العلمية ضمن "البحث عن الذكاء خارج الأرض"، والذي تحيطه الهيئات الجدّية المختصة، وإن على قدر من التردد عائد إلى تقديرها لضآلة جدواه، ببعض الاهتمام.
المسألة هي في القناعة المشتقة والقائمة على حرق متوالٍ للمراحل، والشائعة في العديد من الأوساط الفكرية والاجتماعية، في مكان ما بين الجد والهزل، وبين الاستنتاج والخيال.
فتنطلق هذه القناعة من الاحتمال المعقول، دون قطع، بوجود ذكاء في الكون يتعدى الإنسان، مرورا بالاحتمال البعيد جدا بإمكانية تواصل صعبة وبطيئة معه، إلى الاحتمال الذي يلامس المستحيل بأن يكون هذا الذكاء، قادر على بلوغ الأرض، وتضيف إليه بأن تجعله بشكل كائنات تكاد أن تكون متطابقة مع الإنسان بعموم أوصافها وتقنياتها، رغم تعارض ذلك مع أي اعتبار موضوعي منطقي، كائنات فضائية تأتي لزيارة الأرض، وربما التأثير عليها، وصولا إلى اعتبار ما يسمّى اليوم "ظواهر جوية غير معرّفة"، والذي كان بالأمس "أجسام طائرة غير معرّفة" وقبله "الصحون الطائرة"، دليلا ماديا على صحة القناعة الواهية. وذلك رغم أن عقود طويلة من التبحث والتقصي قد فشّل في إثبات صحة ظاهرة "الصحون الطائرة" بما يتجاوز الشبهة.
الطامة هنا هي أن موظف وزارة الدفاع السابق هو من المؤمنين بهذا الطرح الحارق للمراحل. ووصف قناعته بالإيمان ليس مجازا، لما تكشف عنه الساحة الثقافية الأميركية من تطابق في الشكل والمهمة بين القناعات الدينية القائمة على موروث منقول (مسيحي، يهودي وغيرهما)، والقناعات "الدينية" المستحدثة والتي تستعيض عن المنقول بزعم العلم. والكائنات الفضائية هنا تكاد أن تتساوى تماما مع الملائكة أو الشياطين، وفق المذاهب المتنافسة، بل تعتبرها المتابعة في بعض الأوساط الدينية (المسيحية) جهارا من الشياطين.
الأشرطة المسرّبة تصوّر حالات غير معرّفة. من المفيد تقديم ما يشابهها، ولكن مما جرى تعريفه، لقطع الطريق على الحديث عن إخفاء هادف
هذا الموظف أمعن في الكلام عن برنامج التحليل، والذي لا يبدو أكثر من عقد عرضي، هامشي، ربما انتفاعي، لم يأتِ بنتائج ولا بجديد، بل ربما، وهذه فرضية وحسب، مزج بين الشريط الأصلي والشريط المركب لغايات تدريبية. هامشية الرجل والمشروع والإنفاق سوف تنسى، وسوف يضاف إلى المخزون الديني الجديد، للدين العلموي الرديف، معطى أن "وزارة الدفاع" قد "حقّقت بهذه الظاهرة وعجزت عن تفسيرها".
تعليق المصدر في وزارة الدفاع حول الأشرطة المتداولة، مع تأكيد صحتها، أفاد بتكاثرها في الآونة الأخيرة، مع انتشار استعمال الطائرات المسيّرة، ولكنه من باب الحيطة ولتجنب الجدل لم يدرجها كافة في هذه الفئة، مفسحا المجال من خلال الإبهام لأن يتمسك أصحاب القناعات بقناعاتهم.
العديد من السياسيين يتندرون بشأن القناعة بهذه الظاهرة. الرئيس الأسبق جيمي كارتر من قلة تجاهر بأنها شهدتها. المرشحة السابقة للرئاسة هيلاري كلينتون، مع ابتسامة، كانت قد وعدت بكشف المستور بشأنها في حال فازت. قد لا يكون من المفيد فعليا خوض غمار هذه المسألة الغارقة بالأهوائيات. ولكن، بما أن التسريب قد طال بعض الأشرطة، فالأفضل، درءً للإمعان بالتوظيف، الكشف عن المزيد.
الأشرطة المسرّبة تصوّر حالات غير معرّفة. من المفيد تقديم ما يشابهها، ولكن مما جرى تعريفه، لقطع الطريق على الحديث عن إخفاء هادف. إذ أن "الصحون الطائرة"، بالإضافة إلى خصوبتها الترفيهية، كانت على مدى العقود الماضية مادة لاستنباط توجهات دينية جديدة، ولكنها أيضا وبالتأكيد، بيد من يسعون إلى التفتيت، كانت ولا تزال وسيلة لإضعاف ثقة المواطن بحكومته.

