This picture taken 26 December 2011 shows the Pentagon building in Washington, DC.  The Pentagon, which is the headquarters of…
مبنى وزارة الدفاع الأميركية

بعد تداول إعلامي لأشرطة مصوّرة تشهد مطاردة وحدات من سلاح الجو لأجسام مفترضة مجهولة دون أن تتمكن من اعتراضها أو تفسير ماهيتها، أكّد مصدر مسؤول في وزارة الدفاع في الولايات المتحدة على صحة هذه الأشرطة، دون الإفادة الكافية عن طبيعة مضمونها، ما يعيد ضخ الحياة في حالة ثقافية ملتبسة هنا وفي العالم أجمع.

التصنيف الرسمي المعتمد اليوم لهذه الحالات هو اعتبارها "ظواهر جوية غير معرّفة"، أي الالتزام بمطلق الحياد حول ماهيتها، فلا حكم على ماديتها ولا تأييد لأية من النظريات حول أصولها. كل ما يفيده الكلام من وزارة الدفاع هو أن هذه الأشرطة المصورة، بالإضافة إلى إصدار رسمي سابق، هي صادقة، وليست مزورّة أو مزيفة.

وذاك الإصدار الرسمي، والذي تضمّن شريطا واحدا، كان قد كشف عنه العام الفائت مع بعض المعلومات التي تفيد أنه ناتج عن مشروع تحليلي لوزارة الدفاع حول "الظواهر الجوية غير المعرّفة" جرى تلزيمه، أو ربما أقسام منه، لمتعاقد خارجي بقيمة 22 مليون دولار. وتبدو المقاطع المصوّرة الجديدة منسجمة في جودتها وفي التسجيلات الصوتية المرتبطة بها، مع الشريط السابق الصادر العام الماضي.

وفي حين أن وزارة الدفاع لم تقدّم رسميا يومئذ التفاصيل الإضافية حول تلك المادة، فإن أحد العاملين السابقين بالوزارة، معلنا أنه كان من المشاركين الرئيسيين بهذا المشروع، قد استفاض بالحديث حول أهمية هذه الأشرطة وعواقبها.

قبل اعتبار كلام هذا الموظف السابق، لا بد من الإشارة إلى جانبين يستدعيان توضيحات لا تزال غائبة.

الجانب الأول هو أن الأشرطة، ما صدر منها قبل أشهر وما صدر قبل أيام، رغم جودتها التقنية، فقيرة جدا إلى المضمون. فـ "الظاهرة" تبدو وكأنها نقطة أو لطخة وسط الشاشة، وقبل أن ترحل، في الأشرطة الأخيرة، تبقى بثبات داخل مربّع الرصد، فيما المشهد، من بحر أو سماء، ينساب برتابة خلفها. وإذا كان الضعف البياني عائدا افتراضا إلى الطبيعة غير القابلة للضبط لهذه "الظاهرة"، فإن الأشرطة لم تأت مصحوبة مثلا ببيانات تعقّب من مواقع أرضية أو جوية ترسم خطوط مسارها.

أما الجانب الآخر اللافت، فهو شحّة المبلغ المرصود لمشروع التقصي والتحليل. فأن تعمد هذه الوزارة، والتي اشتهرت بإنفاق أضعاف مضاعفة لتحسين تجهيزات ما في قاعدة نائية، إلى تخصيص هذا الكم المتواضع (بمقاييسها) لهذا المشروع هو دليل على عدم إيلائه الأولوية التي يجري إضفاؤها عليه، خارج الوزارة، أمنيا أو حتى وجوديا.

"الصحون الطائرة"، بيد من يسعون إلى التفتيت، كانت ولا تزال وسيلة لإضعاف ثقة المواطن بحكومته

فلو أنه كان لدى المسؤولين في المؤسسات الدفاعية في الولايات المتحدة أدنى ريبة بأن مصدر هذه "الظاهرة" هو من دولة أخرى، مخاصمة أو معادية أو صديقة لا فارق، لكانت أغدقت الأموال لتبين هذا المصدر، وصولا إلى تفنيده والتصدي لما يشكله من تعدٍ على السيادة الجوية.

فكيف لو كان لدى هؤلاء المسؤولين، وغيرهم، أقل اعتبار لأن تكون هذه "الظاهرة"، كما يراد لها إعلاميا وفي بعض زوايا الفكر الغربي، دليلا على قدوم مخلوقات عاقلة عبر الفضاء لزيارات خفية لكوكب الأرض. لو كان لهذا الاعتبار أي أثر، لكان ما خصص لهذا الجهد على قدر أهميته من الحشد العلمي والموارد المادية.

طبعا، بمكن الاستعانة للتفسير هنا، بل للتشتيت، بمنطق المؤامرة والذي يجد بأية مجموعة من التفاصيل وسيلة تأكيد ذاتي لصحّته. أي إذا أنفقت، فهذا دليل على الأهمية، وإن لم تنفق، فهي وحسب تخفي ولا تفصح. وإذا أظهرت بعض ما في جعبتها كما هو الحال هنا، فلتحضير الجمهور لما هو قادم، وإذا لم تفصح، فلحاجة لديها لحفظ السر. ومن لا يتفق مع هذا المنطق مضلّل (اسم فاعل) أو مضلل (اسم مفعول). لا سبيل إلى محاجة هذا المنطق ولا جدوى.

ولكن عندما يكون الإقرار من جهة رسمية، ومن وزارة الدفاع تحديدا، فلا بد من السعي إلى بعض الوضوح، رغم أن الوزارة تبدو ساعية إلى تجنب الخوض في معترك سجالي لا سبيل للخلاص منه.

في الولايات المتحدة، وعموم الغرب، ومن خلال التأثير الفكري للغرب في سائر العالم، وإن بدرجات أقل، ثمة قناعة يراد لها أن تكون علمية، ولكنها فلسفية بالدرجة الأولى، بأن الكون يحفل بالحياة، وبالحياة الذكية الواعية، ثم بالحياة الواعية القادرة على الإنجاز التقني، والتي يمكن بالتالي نظريا، وإن على اعتبارات متفاوتة من الصعوبة، تحقيق شكل من أشكال التواصل معها.

"علمية" هذه القناعة قائمة على رفض خصوصية استعلائية للجنس البشري. أي طالما أن الإنسان قد ظهر ونما وحقق السيادة التقنية على الأرض، وإن متعثرا، فمن الاستعلاء السافر افتراض بأنه حالة فريدة في هذا الكون الفائق الاتساع إلى حد يدرك بالأرقام وحسب دون إمكانية التصور. بل إن مسار الإنسان العلمي على مدى القرون القليلة الماضية كان إدراكا تدرجيا لتواضع مكانته في الكون، زمانا ومكانا، فظهوره هنا لا يتعدى "الثواني" القليلة من "يوم" الكوكب والكون، وسيادته على محيطه تبدو محكومة بأجل مسمّى ضئيل يمكنه استشفافه على أساس التوقعات العلمية.

التصنيف الرسمي المعتمد اليوم لهذه الحالات هو اعتبارها "ظواهر جوية غير معرّفة"، أي الالتزام بمطلق الحياد حول ماهيتها، فلا حكم على ماديتها ولا تأييد لأية من النظريات حول أصولها

وهذا الإنسان ليس إلا غبار النجوم، من مادتها تشكّل، وكما حصل معه هنا، فإن فرص أن يتكرر الحصول مع غيره، مع اختلاف الأشكال، تكاد أن تكون لامتناهية.

هي مقولة معقولة، وفق المتحصّل من العلم وقدرة الإنسان الموضوعية على التأمل والرؤية، ولكنها ليست محسومة. إذ أليس فيها قدر من الاستعلائية بافتراض أن الإنسان حيث هو ووفق ما سار عليه يجسّد معيارية كونية لا بد أن تتكرر؟ على أي حال، النظر في هذه المسائل، بعد تجاوز التسليم بقصص التنزيل الديني حول مقام الإنسان بين سائر الخلق والإله، هو من صميم الحضارة العالمية بنواتها الغربية، دون أن يستقل بهذا الصميم. إذ لا تزال التصويرات الدينية قادرة على الاستمرار، فمنها ما يتوسع بتحدي الأسس الفلسفية للقراءة العلمية، بل يسعى إلى تجييرٍ، وإن على الغالب سجالي، للعلم لصالحه.

المسألة هنا ليست في الفلسفة المعرفية، ولا حتى في الاعتبارات العملية الناتجة عنها، ولا سيما الجهود التقنية العلمية ضمن "البحث عن الذكاء خارج الأرض"، والذي تحيطه الهيئات الجدّية المختصة، وإن على قدر من التردد عائد إلى تقديرها لضآلة جدواه، ببعض الاهتمام.

المسألة هي في القناعة المشتقة والقائمة على حرق متوالٍ للمراحل، والشائعة في العديد من الأوساط الفكرية والاجتماعية، في مكان ما بين الجد والهزل، وبين الاستنتاج والخيال.

فتنطلق هذه القناعة من الاحتمال المعقول، دون قطع، بوجود ذكاء في الكون يتعدى الإنسان، مرورا بالاحتمال البعيد جدا بإمكانية تواصل صعبة وبطيئة معه، إلى الاحتمال الذي يلامس المستحيل بأن يكون هذا الذكاء، قادر على بلوغ الأرض، وتضيف إليه بأن تجعله بشكل كائنات تكاد أن تكون متطابقة مع الإنسان بعموم أوصافها وتقنياتها، رغم تعارض ذلك مع أي اعتبار موضوعي منطقي، كائنات فضائية تأتي لزيارة الأرض، وربما التأثير عليها، وصولا إلى اعتبار ما يسمّى اليوم "ظواهر جوية غير معرّفة"، والذي كان بالأمس "أجسام طائرة غير معرّفة" وقبله "الصحون الطائرة"، دليلا ماديا على صحة القناعة الواهية. وذلك رغم أن عقود طويلة من التبحث والتقصي قد فشّل في إثبات صحة ظاهرة "الصحون الطائرة" بما يتجاوز الشبهة.

الطامة هنا هي أن موظف وزارة الدفاع السابق هو من المؤمنين بهذا الطرح الحارق للمراحل. ووصف قناعته بالإيمان ليس مجازا، لما تكشف عنه الساحة الثقافية الأميركية من تطابق في الشكل والمهمة بين القناعات الدينية القائمة على موروث منقول (مسيحي، يهودي وغيرهما)، والقناعات "الدينية" المستحدثة والتي تستعيض عن المنقول بزعم العلم. والكائنات الفضائية هنا تكاد أن تتساوى تماما مع الملائكة أو الشياطين، وفق المذاهب المتنافسة، بل تعتبرها المتابعة في بعض الأوساط الدينية (المسيحية) جهارا من الشياطين.

الأشرطة المسرّبة تصوّر حالات غير معرّفة. من المفيد تقديم ما يشابهها، ولكن مما جرى تعريفه، لقطع الطريق على الحديث عن إخفاء هادف

هذا الموظف أمعن في الكلام عن برنامج التحليل، والذي لا يبدو أكثر من عقد عرضي، هامشي، ربما انتفاعي، لم يأتِ بنتائج ولا بجديد، بل ربما، وهذه فرضية وحسب، مزج بين الشريط الأصلي والشريط المركب لغايات تدريبية. هامشية الرجل والمشروع والإنفاق سوف تنسى، وسوف يضاف إلى المخزون الديني الجديد، للدين العلموي الرديف، معطى أن "وزارة الدفاع" قد "حقّقت بهذه الظاهرة وعجزت عن تفسيرها".

تعليق المصدر في وزارة الدفاع حول الأشرطة المتداولة، مع تأكيد صحتها، أفاد بتكاثرها في الآونة الأخيرة، مع انتشار استعمال الطائرات المسيّرة، ولكنه من باب الحيطة ولتجنب الجدل لم يدرجها كافة في هذه الفئة، مفسحا المجال من خلال الإبهام لأن يتمسك أصحاب القناعات بقناعاتهم.

العديد من السياسيين يتندرون بشأن القناعة بهذه الظاهرة. الرئيس الأسبق جيمي كارتر من قلة تجاهر بأنها شهدتها. المرشحة السابقة للرئاسة هيلاري كلينتون، مع ابتسامة، كانت قد وعدت بكشف المستور بشأنها في حال فازت. قد لا يكون من المفيد فعليا خوض غمار هذه المسألة الغارقة بالأهوائيات. ولكن، بما أن التسريب قد طال بعض الأشرطة، فالأفضل، درءً للإمعان بالتوظيف، الكشف عن المزيد.

الأشرطة المسرّبة تصوّر حالات غير معرّفة. من المفيد تقديم ما يشابهها، ولكن مما جرى تعريفه، لقطع الطريق على الحديث عن إخفاء هادف. إذ أن "الصحون الطائرة"، بالإضافة إلى خصوبتها الترفيهية، كانت على مدى العقود الماضية مادة لاستنباط توجهات دينية جديدة، ولكنها أيضا وبالتأكيد، بيد من يسعون إلى التفتيت، كانت ولا تزال وسيلة لإضعاف ثقة المواطن بحكومته.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.