Human rights activists shout slogans as they protest against a "campaign of repression" targeting posters on social networks…
تظاهرة في المغرب دفاعا عن حرية التعبير

"أشتغل وأنجز أبحاثا حول هذا الموضوع منذ سنوات طويلة، وها هو هذا المتنطع ينجز بحثا واحدا لتهتم به وسائل الإعلام ويصبح ضيفا في التلفزيون والإذاعة والصحافة المكتوبة".

"أناضل من أجل هذه القضية منذ عدة سنوات وكدت أدخل السجن في إحدى المرات، وها هي هذه الغبية تنشر عريضة وتجمع التوقيعات وتصبح نجمة الإعلام الدولي".

"نشرت ثلاث كتب حول الموضوع ولم تهتم وسائل الإعلام بمحتوياتها... وهذا المستحدث في الميدان ينشر كتابا واحدا ليتم تعيينه في لجنة وطنية مهمة حول الموضوع".

♦♦♦

كم مثالا من هذا القبيل سمعنا حولنا أو قرأنا على بعض مواقع التواصل؟
في الحقيقة، هناك نوع من الأنا المتضخم الذي يصيب بعض المشتغلين في حقل ما.

الواقع أنه، وباستثناء نماذج نادرة عبر التاريخ، معظم الأعمال التي نقوم بها وننتجها هي وليدة تراكم معرفي للآخرين فيه دور مهم. العلماء ينطلقون من أبحاث أنجزت قبلهم ليواصلوا البحث ويصلوا لنتائج جديدة أو ليعمقوا تفاصيل أخرى اشتغل عليها أشخاص قبلهم. المفكرون، الباحثون، الصحفيون...

التراكم هو ما ينتج المعرفة الإنسانية وما يساهم في تحقيق إنجازات فعلية

الفاعلون في الميدان الحقوقي أيضا. هل يمكن أن نتخيل مثلا أن ناشطي حركيات 2011 في المغرب ومصر وتونس وبلدان أخرى انطلقوا من الصفر؟ أم أن فاعلين سياسيين وحقوقيين قبلهم ناضلوا ودخلوا السجن وتم نفيهم خارج بلدانهم وتعرضوا للقمع وأسسوا لمسار نضالي حقوقي سياسي بأخطائه وعلاته وإنجازاته وإخفاقاته؟ لكنهم في النهاية، شئنا أم أبينا، أسسوا لمسار معين داخل بلدانهم... جاهل بحركية التاريخ المعاصر من يتصور أنه هو من بنى التغيير بشعار أو موقف فردي!

الأمر ينطبق على كل اهتماماتنا: الاشتغال الميداني أو العلمي أو الحقوقي في ميدان ما، هو مساهمة في تراكم معرفي \ نضالي \ إعلامي \ أدبي \ أكاديمي في ذلك المجال. لذلك، فنحن جميعا نحتاج لبعض التواضع في الحديث عن "إنجازاتنا".

مهما بلغت عبقريتنا، فنحن لبنة في بناء متواصل عبر السنين. حين تحدّت روزا بارك القوانين العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة في ذلك اليوم من ديسمبر 1955، فقد صنعت حدثا تاريخيا أثر على واقع السود في الولايات المتحدة الأميركية بشكل كبير (قانونيا، حقوقيا، مجتمعيا...). لكنها بالتأكيد لم تكن أول أميركية تنتفض ضد العنصرية... ولا كانت الأخيرة.

علينا أن نتعلم النضال من أجل القضية. البحث من أجل تطوير المعرفة. الاشتغال من أجل بناء المشترك الإنساني

التراكم هو ما ينتج المعرفة الإنسانية وما يساهم في تحقيق إنجازات فعلية.

لذلك، فعلى الكثيرين حولنا أن يتخلصوا من تلك الرغبة المرضية في الاستئثار بالإنجازات العلمية أو الإعلامية أو الحقوقية في ميدان معين. أبحاث هذا تصل لنتائج معينة ينطلق منها، أو من غيرها، باحث آخر ليعمق البحث أو يتدارس جوانب أخرى من الموضوع.

نضال هذا في ميدان الحريات العامة أو الفردية، مكافحة الاستبداد، الدفاع عن حقوق فئة معينة... هو نتاج حركية حقوقية عالمية ومحلية حول الموضوع، وهو جزء من تراكم سيحققه أشخاص وفاعلون آخرون إلى أن يترسخ ذلك الحق بشكل فعلي ونهائي؛ وهو ما يأخذ عادة سنوات طويلة، أو حتى بضعة أجيال... وهذا في حد ذاته أمر يجب أن يدفعنا لتنسيب مساهمتنا في هذا المسار. قد تكون مهمة فعلا... لكنها بالتأكيد ليست الوحيدة التي تساهم في البناء. مساهمتنا ضرورية حين تكون صادقة، لكنها لبنة من كل. جزء من بناء. مساهمة ضمن تراكم يفترض أن يكون طويلا.

ببساطة... علينا أن نتعلم النضال من أجل القضية. البحث من أجل تطوير المعرفة. الاشتغال من أجل بناء المشترك الإنساني... ما عدا ذلك، فهو استغلال للبحث والنضال وغيره من ميادين الاشتغال، من أجل تجميل الصورة الشخصية والدعاية لها ووضعها تحت الأضواء. فهل نشتغل من أجل قضية... أم لإنعاش غرور الأنا المريض؟

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.