This picture taken on May 4, 2020 during the Muslim holy fasting month of Ramadan shows members of the displaced Syrian family…
عائلة طارق أبو زيد تتناول طعام الإفطار في منزلها في بلدة أريحا في إدلب

استيقظ السوريون على ملاك الرحمة طالبا من سيادة الرئيس أن يدركه قبل أن تنقض عليه حكومة جائرة تنوي أن توقف أعماله الخيرية! رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد، ورجل الأعمال الذي راكم مليارات الدولارات، في البلد الذي ينوء تحت وطأة حرب أتت على أكثر من نصف مليون قتيل ونحو عشرة ملايين نازح وعلى مدن وأرياف، هذا الرجل ظهر بشريطي فيديو يشرح فيهما للسوريين الضيم الذي لحقه جراء قرار النظام الاستعانة بثروته لتمويل الحرب التي يخوضها في مواجهة مواطنيه.

المشهد بالغ الدلالة لجهة كشفه جانبا من طبيعة هذا النظام. إنه الوجه المافياوي، الذي تتكثف فيه مشاهد العائلة والثروة والانشقاقات والبنية الهرمية لمراكز القوى الحقيقية في هذا النظام. فالزوجة، أي الأم البيولوجية والسياسية للوريث تعيد توزيع النفوذ بما يتلاءم مع احتمالات التوريث، فيما الأم الأولى والخال، وابن الخال، أي ابن شقيق الأم الأولى التي أنجزت عملية التوريث، يبتعدون خطوة عن مركز النفوذ الحقيقي. 

وفي هذا الوقت يجلس الرئيس على كرسيه معاينا صراع الأم والزوجة، وضابطا إيقاع التوتر بما يضمن انتصار الزوجة وانسحاب الأم. وهنا علينا أن نخصب خيالنا لتوزيع أدوار أفراد العائلة الذين لم يساعدنا فيديو رامي على تحديدها. بشرى التي قتل زوجها على مذبح العائلة، وماهر الذي يمسك بحرس العائلة، والأحفاد الآخرون ومصائرهم في ظل قرار "سيدة الياسمين" بأن الأمر والثروة لها، ولابنها الذي بدأ يهل هلاله!

لا يعني هذا الاضطراب في العائلة أن نهايتها صارت وشيكة، إلا أنه يكشف عن طبيعة من الانشقاقات صادرة عن صدع جوهري فيها

لا بأس، فهذا حال كل العائلات التي تحكمنا في هذا الشرق البائس. شركة الهاتف الخلوي هي نفط هذه العائلات في ظل نضوب النفط، ولكل دولة رامي مخلوف ينافس الابن أو الصهر على الثروة لا على السلطة، وغالبا ما يسقط الأصهار والأخوال وتنتصر الزوجات بوصفهن أمهات أولياء العهود، إلى أن تأتي الزوجة الجديدة فتطيح بالزوجة الأم في دورة دم عنيفة أين منها الدورة الخلدونية.

لكن الحلقة السورية في هذه الدورة أكثر تمثيلا من غيرها على بؤس ودموية هذه الدوامة. فهي تشتغل على وقع حرب لا يخفي فيها النظام جشعه إلى مزيد من الدماء وإلى مراكمة الثروات فوق الجثث. والغريب أن لا وظيفة لهذا الجشع سوى مزيد من الدماء. 

فدافع رجل مثل رامي مخلوف إلى مراكمة مزيد من الثروات غير مفهوم في ظل استعصاء مواز يتمثل في استحالة تصريف هذه الثروة في مزيد من الرخاء. الرجل محاصر بعقوبات دولية من كل حدب وصوب، وها هو محاصر أيضا من قبل النظام الذي شاركه في نهب السوريين وفي قتلهم، فما دافعه إذا لخوض حرب دفاع عن ثروته؟ 

لن نتوقع منه طبعا أن يكون متقشفا، لكن السؤال يحضر عن دافعه لقتال حتى الرمق الأخير، وفي حربٍ خاسرة، دفاعا عن ثروة قذرة! دافع "سيدة الياسمين" معروف، وهو تأمين مستقبل "ولي العهد" حافظ بشار حافظ الأسد، وهي بعرفها أن الاسم سيتكرر عبر متواليات جبرية لقرون طويلة، ذاك أن من بموقعها يعجز عن تخيل غير ذلك، وهو إذا تخيله فقد السلطة وانهار مستقبله فيها.

يجلس الرئيس على كرسيه معاينا صراع الأم والزوجة، وضابطا إيقاع التوتر بما يضمن انتصار الزوجة وانسحاب الأم

لا يعني هذا الاضطراب في العائلة أن نهايتها صارت وشيكة، إلا أنه يكشف عن طبيعة من الانشقاقات صادرة عن صدع جوهري فيها. النهاية غير قريبة لا لأن العائلة ممسكة بالسلطة، بل لأن سوريا مرهقة ومدماة، ولأن العالم متآمر عليها، ولأن موسكو وطهران ممسكتان بيد الرئيس الضعيف. والأمر قد يدوم لسنوات وسنوات. 

صدام حسين واصل حكم العراق عقدا إضافيا بعد تصدع سلطته في العام 1991. وشهد هذا العقد أيضا تصدعات كبرى في العائلة وفي السلطة وفي الحزب، قتل على أثرها الأصهار، وقبلهم كان قتل الأخوال وأولادهم. أما الأعمام فلا يبدو أنهم يقتلون في جمهوريات البعث والهاتف الخلوي، لكنهم في جمهوريات موز أخرى، كإمارات الخليج وممالكه، يلقون مصير الأخوال في الهلال المشرقي، ذاك أن لا أمهات في الخليج يطمحن لدفع أولياء العهود إلى المنافسة وإلى الدماء. الأعمام هم من يفعل ذلك.

لا شيء نقوله لأنفسنا بعد فيديوهات رامي مخلوف، سوى أن هذا الملاك هو نهاية عنقود العائلة المخلوفية، وأن عنقود "سيدة الياسمين" بدأ ينضج ويشق طريقا مستقلا ومبتعدا عن العنقود المخلوفي، وأن أخوالا جددا يلوحون في الأفق. 

هذه سنة الحياة في أنظمة الأخوال والأصهار، وما على رامي إلا القبول والكف عن تصوير الفيديوهات، وإلا استيقظت ظاهرة الانتحارات وأخذت بدربها الرجل وشركته ومؤسساته الخيرية.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.