Members of Human rights NGO Amnesty International hold up portraits of jailed Saudi blogger Raif Badawi and Saudi human rights…
تظاهرة تطالب بإطلاق سراح الناشطين رائف بدوي ووليد أبو الخير الذين صدر بحقهما حكما بالسجن والجلد

يشتكي كثيرون، وأنا منهم من أن وسائل الإعلام لا تركز سوى على الجانب المأوساوي والمشاكل في العالم، وتنسى ما عدا ذلك. لكن هذه هي طبيعة الإعلام وعلينا أن نتقبلها. فالأحداث السعيدة أو المفرحة، لا تصنع تغطيات إخبارية، وهي لا تجلب إعلانات ولا ترضي الممولين، إضافة إلى أنها لا تشبع فضول الطبيعة البشرية أو تشفي غليل "الأنا" لدى الإنسان.

كونية حقوق الإنسان

في الأسبوع الماضي، كان أحد هذه الأخبار المهمة والتي لم تحظ بالتغطية التي تستحقها. أعني خبر إلغاء السعودية لعقوبة الجلد وكذلك إعدام القاصرين. فلسنوات طويلة طالبت المنظمات المعنية بحقوق الإنسان وكذلك العديد من الدول بإلغاء هذه العقوبة. بل شهدت أروقة الأمم المتحدة نفسها على مدى سنوات سجالات محتدمة بين أولئك الذين يريدون أن تطبق العهود والمواثيق الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والمرأة والطفل في كل مكان في العالم، وبين أولئك الذين يرفضون ذلك، متذرعين بالحفاظ على خصوصية دينية أو ثقافية أو اجتماعية. 

الأثر الآخر لهذه الإصلاحات فهو أنها نزعت في الواقع ورقة مهمة من أيدي جماعات الإسلام السياسي

كان هذا السجال ينطلق من مفهومين. الأول يرى أن حقوق الإنسان لها معنى كوني وملزم، وهي لا تتجزأ، وعلى الجميع أن يلتزم بها، بينما المفهوم الآخر، ينطلق من أن الدول كيانات ذات سيادة، وهي التي تحدد نوعية القوانين والأحكام التي تطبق على أراضيها. ومن الواضح أن المفهوم الأول قد انتصر، ببساطة لأن العنصر البشري واحد وأن الحقوق الأصيلة للبشر سابقة على الدول وعلى السيادة أيضا.

عقوبة الجلد

يمكن القول بأن عقوبة الجلد هي آخر ما تبقى من منظومة العقوبات القديمة القاسية، والتي لم يكن الهدف منها في الواقع هو تحقيق العدالة أو ردع المجرمين، بقدر ما كانت تهدف في الأساس إلى إذلال الجاني والتنكيل به. إنها عقوبة انتقامية، وحاطة بالكرامة، وغير متناسبة أيضا، لما تتركه من أثر مادي ونفسي دائم على الإنسان، شأنها في ذلك شأن قطع الأيدي والأرجل والرجم والصلب وغيرها.

في الزمن القديم ربما كانت هذه العقوبات وغيرها من الممارسات مألوفة ومقبولة، لأن الوعي البشري وقتها كان يقوم على معايير مختلفة، وكانت قيمة الحياة البشرية نفسها متفاوتة تبعا للدين والطائفة والعرق والجنس وما شابه. وبطبيعة الحال لم يكن جهاز الدولة نفسه قد تبلور على نحو يعكس الشراكة بين الناس وحكامهم. كما لم تعرف المجتمعات القديمة مفهوم الفصل بين السلطات. فالحاكم أو جهازه هو الذي يحدد الإطار العام للأحكام والعقوبات ونوعيتها وكيفية تطبيقها.

مع دخول المجتمعات للعصر الحديث، لم يعد ذلك كله مقبولا. وتم التخلي طوعا أو كرها عن منظومة العقوبات القديمة واحدة بعد أخرى.

تسييس القرار

الأمر اللافت فيما خص قرار السعودية إلغاء عقوبة الجلد، والذي تأخر كثيرا بالطبع، كانت ردود الفعل عليه. فإلى جانب الترحيب الباهت، كان هناك اتجاه عام لتسييس الموضوع، حيث طغت على أغلب التعليقات والتحليلات فكرة أن القرار يهدف إلى تلميع صورة السعودية في الغرب أو ما شابه. وحتى بافتراض أن ذلك صحيحا، فهو لا يغير من حقيقة أهمية القرار، وكونه حدثا كبيرا بمقاييس السياق العام للمملكة والمنطقة. 

المجتمع السعودي، وخلال أربع سنوات فقط، تمكن من إسدال الستار على ميراث امتد لأكثر من مئة عام

فحتى عام 2016 كان من الصعب تخيل إمكانية اختفاء أفراد الشرطة الدينية من الشوارع والأماكن العامة وتحجيم هذه المؤسسة بالكامل، أو فتح دور السينما أو السماح للمرأة بقيادة السيارة أو السماح للنساء بالسفر دون موافقة ولي الأمر أو دخول ملاعب كرة القدم أو السماح بالاختلاط بين الجنسين أو السماح بتشغيل الموسيقى في المطاعم... إلخ.

طبعا هذه الإجراءات كلها أمور طبيعية واعتيادية في معظم دول العالم، لكن بالنسبة للسعوديين والسعوديات، استغرق الأمر منهم سنوات طويلة وتضحيات كبيرة للحصول عليها. وحين توضع في سياقها، فهي تؤشر إلى أن المجتمع السعودي، وخلال أربع سنوات فقط، تمكن من إسدال الستار على ميراث امتد لأكثر من مئة عام.

نزع الغطاء الديني 

أما الأثر الآخر لهذه الإصلاحات فهو أنها نزعت في الواقع ورقة مهمة من أيدي جماعات الإسلام السياسي وباعدت بينها وبين مطالبها بفرض ما تعتبره "أحكاما شرعية" في المجتمعات المنكوبة التي شاء حظها العاثر أن تكون تحت رحمة هذه الجماعات.

فبعد قرار السعودية بإلغاء عقوبة الجلد مثلا، سيكون من الصعب تطبيق هذه العقوبة أو المناداة بتطبيقها في أية دولة إسلامية أخرى. ومن المؤكد أن جماعات "القاعدة" أو "داعش" أو "طالبان"، سواء في سوريا أو أفغانستان أو أية منطقة أخرى، ستحتاج إلى جهود كبيرة لتبرير تمسكها بهذه الممارسات في الوقت الذي تم التخلي عنها من قبل جميع الدول الإسلامية بما في ذلك السعودية. 

يمكن القول إن ذلك يشبه نزع الغطاء الديني عن تلك العقوبات، وهو الأمر الذي يستحق الإشادة من الجميع، وخاصة أولئك الذين بذلوا الكثير من الوقت والجهد لإثبات أن هذه العقوبات شأنها شأن أي ممارسات مرتبطة بالبشر، لها عمر زمني وتاريخ انتهاء.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.