A handout picture released by the Syrian Arab News Agency (SANA) shows (L-R) Iranian President Mahmoud Ahmadinejad, his Syrian…
نصرالله والأسد والرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد في لقاء لهم في دمشق عام 2010

مدلّلون هم الطغاة في عالمنا. ينتظرون وصولهم إلى مناصبهم، ليلعبوا، تحت طائلة القتل والتصفية والاعتقال، في كل ما كانوا قد حرموا منه في طفولتهم، مثل "الحزازير" و"الغميضة" و"التنقيز".

وهكذا مثلا، يختفي زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ما شاء من الأيام. لا يعرف عنه أحد شيئا. يترك التكهنات تأخذ مجراها، ثم يعود ويطل، وضحكة بلهاء على شفتيه.

ممنوع سؤاله عن سبب تغيّبه، وعمّا إذا كان قسريا أم ذاتيا، وعمّا إذا كان لدواع سياسية أم شخصية أم صحية. هو فقط، يضحك، يسخر، يقيّم، يهاجم، يلعن ويبارك.

الغموض هو "المكان" الوحيد الذي يرتاح الطغاة فيه. الشفافية تزعجهم. تضع سلوكياتهم على المحك. تخضعهم للمساءلة. تضعف قدراتهم على المناورة. تحرمهم من لذة التشويق. تمكّن الصحافة الحرة التي يعادونها من تصليب مصداقيتها.

الأسد ـ مخلوف

ها هي سوريا الفقيرة والجائعة والمنكوبة والمحتلة والمتقاتلة والمدمّرة والمنهوبة، تمتلئ صخبا بإطلالات رامي مخلوف الفيسبوكية، فتكثر التحليلات والتكهنات حول أسبابها الحقيقية كما حول تداعياتها بما فيها الطائفية.

ورامي، مثله مثل ابن عمته بشار الأسد، عندما يتحدث "يرشح زيتا" و"يموت حبّا بالفقراء"، ويبذل حياته من أجل دولة القانون، ويوصل الليل بالنهار، من أجل عزّة الاقتصاد.

وابن عمة رامي لا يعلّق. باله مشغول بحربه الظافرة على فيروس كورونا، كجزء من هوسه على صحة شعبه ورفاهيته وسلامته واستقراره، مهددا بانتزاعه من جذوره، كما فعل بستة ملايين نازح سوري إلى الخارج، وبسحقه، كما سحق تحت الردم وفي المعتقلات، نصف مليون سوري.

"السابع من أيار" اللبناني ليس سوى مرآة عاكسة لما يعيشه الإيرانيون، في ظل حكم "سادة نصرالله"

ولكن في إطلالات رامي كما في كلمات بشّار، لا مفر من الركون إلى الغموض، فلا تجد من هو قادر على طرح الأسئلة للحصول على أجوبة: كيف يمكن لرامي مخلوف، الذي يطاله "نهج الإصلاح"، أن ينجح، منذ العام 2000، في احتكار ستين بالمئة من القطاعات المربحة في البلاد؟ من مكّنه من ذلك؟ من كان يتقاسم معه الأرباح؟ ومن سمح له أن يكون الصندوق الأسود لأجهزة المخابرات الغاشمة؟ ومن أتاح له إنشاء ميليشيا تقمع المعارضين وتسحقهم؟

في ركن الغموض يجلس بشار، مستخفا بإمكان مساءلته عن رامي وإمبراطورية رامي وأرباح رامي وثروة رامي وقدرات رامي.

في هذا الركن، يستطيع بشار، أن يقدّم نفسه، كما تشتهي نفسه، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يجرؤ ويتحدّى، ولو بمجرد سؤال، فهو من يهب وهو من يسترد، هو من يقبل وهو من يرفض، وهو من يبارك وهو من يلعن، فسوريا ملكه وشعبها عبيده. هو يُنعِم على من يشاء، وهو يقتل من يشاء.

أليس من أجل كل ذلك، وُجِد الطغاة؟

دولارات نصرالله

إن الاحتماء بركن الغموض، ليس حكرا على الطغاة من الرؤساء والملوك، بل يتعدّاه إلى كل من لم يتمكّن من أن يتوّج نفسه بعد، كما هي عليه حال "حزب الله" في لبنان.

صحيح أنه لا يحكم شرعا، ولكنه يتحكّم. صحيح أنه لا يملك امتيازات الدولة، ولكنّ ما لديه من امتيازات يكفي ويفيض. صحيح أنه لا يحمل صفات دستورية، ولكنه يمنحها لمن شاء وحينما يشاء. وهو الآخر، فوق المساءلة، من أي نوع كانت.

وها هو الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في آخر إطلالاته التلفزيونية على اللبنانيين، يبلغهم أن حزبه "يجلب الدولارات إلى البلد"، ساخرا بذلك ممّن يؤكد، بناء على ما يمكن أن يتوافر من معطيات، بأنه يتحكم بسعر الدولار، في السوق السوداء.
هذا "الجلب" بديهي، ولا يحتاج إلى شهادة يطلبها نصرالله من حاكمية مصرف لبنان، ولكن هل هذه فضيلة في خدمة المالية العامة والاقتصاد والسوق المالية، أم أنها نقيصة ومن أسباب الكارثة التي يعيشها لبنان؟

المناقشة في ما ينطق به نصرالله مستحيلة. هو يتكلم، وعلى اللبنانيين أن يسمعوا، وعلى الحكام أن يطيعوا، وعلى المعارضة أن تنتبه، فإذا لم "تتعقل"، فتنتظرها، في أحسن الأحوال، اتهامات العمالة والخيانة والنبذ والحظر.

في ركن الغموض الذي يقيم فيه، يأخذ نصرالله كما علي خامنئي كما بشار الأسد كما كيم جونغ أون وكثير غيرهم في عالم الديكتاتورية، راحته

لا أحد يستطيع أن يسأل نصرالله عن الدولارات التي يأتي بها إلى لبنان. لا عن طريقة إدخالها من خارج النظام المصرفي، ولا عن المعابر التي تسلكها، ولا عن واجب التصريح عنها، ولا عن مصادرها، ولا عن القانون التي يرعاها، ولا عن طريقة توزيعها، ولا عن تصريح من يتقاضونها لمصلحة الضرائب، ولا عمّا إذا كانت أموالا "بيضاء" أم أنها بحاجة إلى "تبييض"، ولا عمّا إذا كان توفيرها يستدعي تبعية سياسية وأمنية وعسكرية للخارج، ولا عمّا إذا كانت هذه الدولارات تجلب معها على البلاد أضرارا، في نظرة الداخل والخارج، إلى الدولة وملاءمتها وكفاءتها وجاذبيتها واستقراراها وسيادتها.

الاستفسارات البديهية ممنوعة في بلد يزعم أنه يضع خططا لمكافحة الفساد والتسرب المالي والنفوذ غير الشرعي، من أجل الإنقاذ.

والأسئلة محظورة في بلد، من الواضح، أن فيه من "يمتص" العملات النادرة لإرسالها إلى الخارج، وأن هناك، منذ العام 2015، مستوردات سنوية بقيمة أربعة مليارات دولار، من أجل "دول أخرى". هذه الدولارات التي استقطبها النظام المصرفي اللبناني بعد أن أغرى أصحابها بفائدة باهظة ومكلفة، كانت من أسباب الانهيار.

والذهاب أبعد من ذلك محفوف بالمخاطر، فالتفاعل "مشبوه" مع الأدلة التي تؤكد أن البضائع المستوردة إلى لبنان، لها سعران في الأسواق اللبنانية. سعر متهاو لدى تجار محسوبين على "حزب الله"، يدخلونها بلا جمرك ولا ضريبة على القيمة المضافة، وسعر مرتفع لدى التجار الآخرين الذين يلتزمون بالقوانين المرعية الإجراء.

وحده نصرالله يحتكر المساءلة. لا وجود لأحد غيره يملك الحق، في تحديد السؤال واختيار الجواب. لا سلطة تعلو على مقامه غير الشرعي في البلاد، ولو كبّدها آلاف القتلى من شعبها، في معارك يختار "الحرس الثوري الإيراني" زمانها ومكانها، وانقطاع الاستثمارات والإيداعات والمساعدات والقروض، بعد تشويه سمعتها في المجتمع الدولي.

ما همّ هؤلاء إن صارع الشعب الجوع، فأمثال رامي مخلوف المتوافرة نسخه في كل دسكرة طاغية، وُجدوا ليُلهوا الآذان عن أنين البطون

نصرالله الذي يأتي بالدولارات إلى البلاد، هو من يرسم سياسات الدولة الخارجية، وهو من يضع حدودا للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهو المرتاح إلى خطة الحكومة التي سهر على تشكيلها، لأنها كما قال رئيس تكتله النيابي محمد رعد، "لا تمس الثوابت الوطنية السيادية"، وهو من يحدّد ما يجب تنفيذه من القرارات الدولية وما يجب إهماله.

ومنذ السابع من أيار/مايو 2008، حين نظم "حزب الله" هجومه العسكري على أطراف الحكومة اللبنانية لإخضاعها بعد محاولة منها لتثبيت سيادتها على المطار وعلى قطاع الاتصالات، لم يعد ثمة من يجرؤ أن يرى، وإن رأى أن يصدّق عينيه، وإن صدّق عينيه أن ينطق بكلمة واحدة.

و"السابع من أيار" اللبناني ليس سوى مرآة عاكسة لما يعيشه الإيرانيون، في ظل حكم "سادة نصرالله".

في إيران، يلقى القتل والسحل والاعتقال، كل جائع يجرؤ ويصرخ ضد مليارات الدولارات التي يصرفها "الحرس الثوري" في الخارج، وكثير منها يذهب إلى حسن نصرالله وبشار الأسد.

في ركن الغموض الذي يقيم فيه، يأخذ نصرالله كما علي خامنئي كما بشار الأسد كما كيم جونغ أون وكثير غيرهم في عالم الديكتاتورية والأوتوقراطية والتيوقراطية والغباء-قراطية، راحته.

ما همّ هؤلاء إن صارع الشعب الجوع، فأمثال رامي مخلوف المتوافرة نسخه في كل دسكرة طاغية، وُجدوا ليُلهوا الآذان عن أنين البطون، ويشتتوا الانتباه عن تباشير يقظة دولية، ويسعوا إلى منع ترجمة الغضب إلى قفزة جديدة في ثورة لا تُبقي ولا تَذَر.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.