Russian President Vladimir Putin and Syrian President Bashar al-Assad attend a meeting in Damascus, Syria January 7, 2020…
رامي مخلوف لم يدخل في هذا النزا، لولا التقاطه إشارة ما خرجت من بين جدران الكرملين الحمراء، سمحت بالحديث علانية عن مستقبل الأسد

من بشار الأسد وإليه يعود الحديث مجددا عن مستقبل سوريا ومستقبل الاستقطابات الدولية حول جغرافيتها السياسية والمصالح المحلية والإقليمية والدولية. فمنذ قرار النظام وطهران استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، لجر العنف المضاد وتبريره تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وتأمين موسكو غطاء دوليا عبر مجلس الأمن من خلال استخدام حق النقض "الفيتو" 15 مرة، والذي لم يكن كافيا لتجنب تدخلها العسكري المباشر قبل 5 سنوات، الذي غيّر بداية قواعد الاشتباك لصالح الأسد، إلا أنه قد يتسبب في هذه المرحلة في تغيير قواعد السياسة والتحالفات.

بعد 9 سنوات على ثورة الشعب السوري والحرب عليها، يمر تحالف دعم الأسد بنفس التناقضات الداخلية والخارجية التي مرت بها الثورة السورية وأدت إلى هزيمة المعارضة المشتتة نتيجة تباينات حادة وخلافات بين داعميها، أدت إلى تخلي المجتمع الدولي عن الشعب السوري.

 فجبهة النظام الداخلية مهددة بصراع الأسد ـ مخلوف واستقطاباته، وتأثيره على وحدة البيت العلوي، الخاضع نسبيا إلى مركزية قرار آل الأسد فيه وعليه، وفقا للضوابط التي فرضها الأب المؤسس للنظام حافظ الأسد والتي تشهد الآن صراعا بطابع مالي وتجاري له أبعاد عائلية وفقا لتوصيف الكاتب اللبناني خيرالله خيرالله الذي يرى أنه "صراع بين عائلتين في عائلة واحدة لم يعد فيها مكان لآل مخلوف الذين شكّلوا طوال سنوات الذراع المالية للسلطة التي تشكّلت في 16 نوفمبر من العام 1970 عندما احتكر حافظ الأسد الحكم وصار في فبراير 1971 أول علوي يتولى الرئاسة في الجمهورية العربية السورية".

تعترف موسكو ضمنيا بعد 9 سنوات من الصراع بصعوبة إعادة ترميم مؤسسات وأجهزة النظام

بالرغم من هذه المعادلة العائلية، إلا أن رامي مخلوف الذي موّل آلة القتل الأسدية لم يدخل في هذا النزاع وهو يدرك أن موازين القوى تميل لصالح ابن عمته، لولا التقاطه إشارة ما خرجت من بين جدران الكرملين الحمراء، سمحت بالحديث علانية عن مستقبل الأسد.

من هنا لا يمكن فصل أزمة البيت الداخلي عن تدخلات الخارج، ولا يمكن اختزال الخارج، بما يروج له من نزاع روسي ـ إيراني على مستقبل سوريا، لأن هذا النزاع أو التباين ما بين موسكو وطهران بات تحت مجهر الخارج ومحاولات استثماره، حيث دخلت واشنطن مباشرة على خط تبايناتهما من خلال موقفها الصريح بأنها تفضل سوريا الروسية على سوريا الإيرانية.

هذا الموقف يمكن التقاطه من الكلام المتفائل الذي صدر عن مبعوث واشنطن الخاص إلى سوريا جيمس جفري عن إمكانية التعاون مجددا مع روسيا في سوريا التي ضاقت ذرعا بالأسد "قد تكون روسيا مستعدة بشكل أكبر الآن، رأينا بعض المؤشرات في الإعلام الروسي وفي تصرفات روسية معيّنة لتكون أكثر مرونة بشأن اللجنة الدستورية".

الأسد لم يعد العائق الوحيد أمام مشروع الحل وإعادة الإعمار، بل إن حجم النفوذ الإيراني ومستقبله بات العائق الأكبر

وكان جفري قد ألمح سابقا إلى صعوبة إعادة نظام الأسد إلى الجامعة العربية واعتبر تبرير عودته من أجل إخراج إيران نوعا من الجنون، وهو ما يمكن وصفه برسالة ثقيلة أخرى إلى موسكو التي كانت تعول على مشروع عربي تتبناه الجزائر في الجامعة العربية يساعدها على إعادة تعويم النظام؛ وهذا ما يعطي مؤشرا لكل الراغبين بالعودة إلى الساحة السورية بأن لا جدوى من الاستثمار بالأسد، ما يفرض على الجميع التفكير بمخرج لأزمتين، نهاية الصراع والأخذ بعين الاعتبار حقوق ومطالب الشعب السوري وتضحياته وهو ما لا يتناسب مع فكرة الإبقاء على الأسد ومنظومته الاقتصادية والأمنية، وأزمة إخراج الأسد نفسه من السلطة والتي قد تؤدي إلى نزاعات خارجية بأدوات محلية.

تعترف موسكو ضمنيا بعد 9 سنوات من الصراع بصعوبة إعادة ترميم مؤسسات وأجهزة النظام، وتدرك جيدا أن مواصفات الحل الدولي لا تتطابق مع مواصفات النظام ورأسه، إضافة إلى مواصفات أخرى أصبحت أكثر تعقيدا من مستقبل النظام عندما يشدد الخارج على مواصفات هوية الدولة السورية ما بعد النظام، حتى لو كانت تحت الإشراف الروسي والتبني العربي؛ حيث لم يعد الأسد هو العائق الوحيد أمام مشروع الحل وإعادة الإعمار، بل إن حجم النفوذ الإيراني ومستقبله بات العائق الأكبر.

العائق الإيراني هذا، قد يُدخل سوريا بدوامة عنف جديدة ولكن مختلفة هذه المرة وقد تدفع ثمنها الحاضنة الموالية للنظام والأسد، إذ تبدو أنها أمام مخاطر الانقسام ما بين موسكو وطهران وخوف الأخيرة من تأمين حاضنة أخرى لروسيا عبر تصالحها مع الأغلبية من البوابة العربية.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.