مع انتصاف المسلسلات الدرامية الجاري عرضها على الشاشات العربية للموسم الرمضاني هذا العام، اتضحت الملامح العريضة والخطوط العامة لبنية هذه الأعمال، والأهداف والرسائل التي حملتها في مضمونها، والتي يمكن البناء عليها وتقييم مستواها وفرزها لاحقا، ما بين دراما متميزة، أو مرّت دون ترك الأثر المرجو منها وفقا للمعايير الدرامية.
مع الإشارة هنا، إلى أن الصحافة العربية الورقية، كانت إلى زمن قريب تساهم في رفد الدراما ومواكبتها إعلاميا، انطلاقا من دورها كمؤشر هام، ذي تأثير بارز اجتماعيا وثقافيا وتنويريا أيضا، وذلك عبر إجراء عمليتي الرصد الجماهيري والإحصائيات المتعلقة بالمتابعة، وتقييم نجاح الأعمال تبعا لعدد المشاهدات، وهي مهمة ستغيب هذا العام مع الإجازة القسرية لمعظم الجرائد بسبب جائحة كورونا، لكنها تظل مستمرة عبر الإعلام الرقمي، ومساهمة جميع وسائل التواصل الاجتماعي في المشاركة بهذه المهمة منذ سنوات كبديل أسرع وأكثر انتشارا.
من بين الأعمال الملفتة لهذا الموسم، والتي يمكن استباق وتوقع نهايتها، وتقييمها بالعمل الناجح والمتميز، استنادا للمعايير الدرامية والمتابعة الجماهيرية المحلية والعربية الكبيرة لها، المسلسل المصري الذي حمل بالعامية اسم "بـ 100 وش"، أي بمئة وجه، من تأليف أحمد وائل وعمرو الدالي، وإخراج كاملة أبو ذكري، وبطولة نيللي كريم وآسر ياسين وإسلام ابراهيم وعلا رشدي. وهي أسماء رئيسة، يربط بينها وبين باقي فريق العمل التمثيلي والفني بوضوح، انتماؤهم إلى الفئة الشبابية كصنّاع للعمل أولا، واستهداف العمل للفئة الشابة جماهيريا من حيث الجوهر، إضافة إلى وضوح اللمسة الشبابية في الرشاقة والحيوية اللتين غلفتا أجواء العمل وروحه من ألفه إلى يائه.
عمليات النصب والاحتيال التي تقوم بها هذه المجموعة الشبابية، تستند إلى قصص جنائية حقيقية سجلت في مصر
المسلسل الذي تستمر أعمال تصويره خلال أيام رمضان بسبب تعطلها قبل شهرين نتيجة التقيد بإجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضها انتشار فايروس كورونا، يطرح حكاية مجموعة من الشابات والشبان الحالمين بالإثراء السريع، يتم التعريف بكل شخصية منهم بأسلوبية فنية وإخراجية لمّاحة وسلسلة، تعتمد على عمليات المونتاج السريع التي تشبه أسلوبية الفيديو ـ كليب، والتي تنسجم مع المشهدية العامة وطبيعة العمل. فتقدم للمشاهد تعريفا بصريا مقتضبا بالأسباب البعيدة والخاصة، المؤسسة لكل شخصية، والتي هيأتها نفسيا لتصير جاهزة لتقبل فكرة الإثراء السريع بأية وسيلة حتى لو غير شرعية، ومنها تقبل فكرة النصب والاحتيال، اللتين تبنى قصة المسلسل عليهما.
عمليات النصب والاحتيال التي تقوم بها هذه المجموعة الشبابية، تستند إلى قصص جنائية حقيقية سجلت في مصر، يصوغ مؤلفا العمل بعض حيثياتها بقالب كوميدي، كما تم تصنيف العمل من قبل صنّاعه، لكنه في الحقيقة مسلسل اجتماعي، يغوص في مشاكل الفئة العمرية الشابة المصرية، ويتقصى همومهم وأحلامهم وهواجسهم وإحباطاتهم العميقة، ويطرحها بروح خفيفة الظل، التي قد تكون الأسلوبية الأكثر فطنة، والأكثر تقبلا من المجتمع وصناع القرار، إذا ما قورنت بالأعمال التي تحمل بكائيات وأحزان ثقيلة، والتي بات بعض المشاهدين يتجنبونها لشدة الإحباطات وثقل الهموم التي يعاني منها الأفراد في معظم المجتمعات العربية، وبخاصة في هذه الفترة.
أحد عمليات النصب والاحتيال التي نجح بها الفريق التمثيلي الشاب في الحلقات الخمسة عشر الأولى، عملية ضخمة تقوم على تزوير الوثائق وشراء الذمم، والتي تُمكن الفريق من الاستيلاء أو سرقة مبلغ كبير من الرصيد المصرفي لرجل مسنّ ووحيد ومريض، وهي عملية غير أخلاقية في المطلق، المفاجئ أن الجمهور المتابع للعمل، واستنادا إلى رصد بعض ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، تحمس لها وفرح وصفق لنجاح الفريق في هذه السرقة، وهو حماس يشير إلى رغبة كامنة وخطيرة لدى بعض فئات المجتمع لتحقيق مثل هذا الإثراء والتخلص من الفقر والشقاء.
كثيرة، بل لامتناهية، هي مشاكل الشباب العربي وهمومه، ومن المشجع أن تكون الدراما واحدة من المنصات التي تفسح لها في المجال للتعبير
وستتم معالجة هذا الأمر دراميا في الحلقات القادمة كما يتوقع، عبر التركيز على لاشرعية عملية السطو، وأهمية التقاط الفريق ـ العصابة الظريفة، وسوقهم للعدالة. وقد لوحظ أن هذا الخط بدأ يتضح نسبيا، مع توجه السيناريو إلى ذوات الشخصيات بعد إثرائهم وتحقيق بعض أحلامهم، وطرحهم للأسئلة على أنفسهم، حول جدوى المال والحب والعلاقات والعديد من الأسئلة الوجودية العميقة، التي ستتشابه مع الخطوط العامة لهموم الشباب العربي في العموم، وأبرزها البطالة وضبابية المستقبل، وتجيب عن الدوافع والأسباب التي قادتهم إلى النصب والاحتيال، واللجوء إلى الوسائل غير المشروعة، ومنها استعمال ذكاءهم ومهاراتهم التقنية العالية في القرصنة الإلكترونية وتسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة الإثراء السريع غير المشروع، وهي نقطة مضافة لشبابية العمل، من حيث عصرنة أسلوب السطو والاحتيال، واعتبارهم فريق من لصوص العالم الرقمي الدولي.
كثيرة، بل لامتناهية، هي مشاكل الشباب العربي وهمومه، ومن المشجع أن تكون الدراما واحدة من المنصات السريعة والمؤثرة التي تفسح لها في المجال للتعبير، وتلقي الضوء عليها باستمرار، وتجرب أن تستخلص منها بعض الحلول والاقتراحات، التي قد تساهم في مساعدة حقيقية لهذه الفئة الشبابية العربية الكبيرة والمحبطة، والتي قد تتجه إلى وسائل إثراء غير مشروعة أكثر خطورة، ومنها الانتماء لمنظمات إرهابية، أو الإتجار بالمخدرات، على أن لا تبقى هذه المشاكل للعرض والتوعية والتنفيس فقط، بل كوسيلة للضغط وحشد الجهود، لإلزام صناع القرار بالإسراع في تقديم الحلول التنموية والإنقاذية، وتنفيذها، وأهمها خلق فرص العمل متكافئة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

