This handout picture released and taken by the Iraqi Prime Minister's office shows outgoing premier Adel Abdel Mahdi (R)…
منحت الثقة لحكومة السيد مصطفى الكاظمي، ليكون أول رئيسا لمجلس الوزراء من خارج المنظومة السياسية التي احتكرت المشهد السياسي طوال سبعة عشر عاما

بعد مخاض، هو الأكثر تعقيدا في تشكيل الحكومات منذ 2003، منحت الثقة لحكومة السيد مصطفى الكاظمي، ليكون أول رئيسا لمجلس الوزراء من خارج المنظومة السياسية التي احتكرت المشهد السياسي طوال سبعة عشر عاما. ومجرد منح الثقة لهذه الحكومة يعد ثاني الانتصارات لتظاهرات أكتوبر من العام الماضي، والتي أجبرت حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة، وهي التي كانت الانتصار الأول.

وبتجاوز حكومة الكاظمي عقدة التكليف التي تعثر فيها مرشحان سابقان، تكون كل محاولات التسويف والمماطلة قد انتهت، وقطعت الطريق أمام جميع المحاولات التي كانت ترغب بكسر إرادة المتظاهرين بالإبقاء على حكومة عبد المهدي.

وكشفت الأيام الأخيرة في مفاوضات تشكيل حكومة الكاظمي الكثير من عورات التحالفات السياسية. إذ حاول بعض زعماء الكتل الانقلاب على الإجماع السياسي الذي تم على أساسه تكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة، ويبدو أن خسارتهم الرهان على عرقلة تمرير الحكومة داخل مجلس النواب، ستكون بداية النهاية لمستقبلهم السياسي وفقدانهم القدرة على التأثير بالمشهد السياسي، لا سيما وأن تقاطعاتهم السياسية ورغبتهم بالتفرد بالزعامة تمنعهم من التوحد بعنوان المعارضة داخل مجلس النواب. 

بموازاة ذلك، ظهرت هشاشة التكتلات التي لم تكن أكثر من عناوين سياسية، فبعض الكتل السياسية كانت قريبة جدا من الإعلان الرسمي عن تفككها وانفراط عقدُها.

التحدي الأخطر والأهم هو عودة الاعتبار للسلطة التنفيذية، التي أصبحت في فترة عبد المهدي واجهة لتنفيذ إرادات بعض الزعامات السياسية والإرادات الخارجية

لا يزال الوقت مبكرا لتقييم حكومة السيد الكاظمي وتحديد الموقف بالتفاؤل أو التشاؤم؛ لأن هذه الحكومة يأتي على عاتقها مواجهة تحديات تراكمات الفشل والفساد وسوء الإدارة، والتي كانت جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط كاشفة لعدم وجود رجالات دولة ضمن الطبقة السياسية التي حكمت طوال سبعة عشر عاما. 

والتحدي الأخطر والأهم هو عودة الاعتبار للسلطة التنفيذية، التي أصبحت في فترة حكومة عادل عبد المهدي واجهة لتنفيذ إرادات بعض الزعامات السياسية والإرادات الخارجية، واتخاذ القرارات يتم عن طريقة العلاقات الشخصية وليس وفق منظور رسم السياسات العامة.

يقول جان جاك روسو إن "الحاكم الفاشل لا ينتج سوى الخواء والفوضى والاضطراب، ولا يعطي مواطنيه سوى الفشل والظلم وذل العوز"، فمنظومة الخراب التي تراكمت وترسخت في حكومة عبد المهدي، كانت البيئة الخصبة التي تستثمرها الطبقة السياسية للاستمرار بمصادرة الدولة. 

فهذا النظام بات عاجز تماما عن تحقيق أدنى مستويات الاستجابة لمتطلبات جمهوره، ومنذ تأسيسه في 2003 كان ولا تزال وظيفته محصورة في خدمة المنظومة السياسية القائمة على أساس تقاسم مؤسسات الدولة، وتحويل الثروات الاقتصادية إلى مصدر ريعي للأحزاب والزعامات السياسية التي تهيمن على القرار السياسي.

صحيح أن كسر منظومة الاحتكار السياسي بدأ مع وصول عادل عبد المهدي لمنصب رئيس الوزراء، إذ كانت البداية لإخراج المنصب من حزب الدعوة. لكنه أضاع الفرصة وبقى أسيرا لنمط التفكير بعمليات الترضية السياسية المتبادلة في إطار المساومات بين الكتل السياسية وزعاماتها التي تركزت على توزيع المغانم، بدلا من تركيزه على إدارة الدولة وفق نموذج الفريق الوزاري الذي يسعى لترسيخ علاقته مع المواطن لا مع الطبقة السياسية.

يواجه مصطفى الكاظمي نفس المأزق السياسي. فتصدع إجماع الفرقاء السياسيين الذي رافق عملية التكليف أمام أول اختبار حقيقي في تشكيل الحكومة، سوف يتكرر على مستوى التصريحات والمواقف. ومن ثم، المعركة الحقيقة ستكون في قادم الأيام بين السيد الكاظمي وكتل السياسية أصبحت خارج معادلة الحكومة، وأخرى تعتقد أنها أصبحت مهددة بخسارة النفوذ والتأثير السياسي. ومن جانب آخر، مأزق التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية التي تريد إثبات وجودها المؤثر بالمعادلة السياسية.

وصول الكاظمي إلى منصب الرئيس التنفيذي الأعلى، رغم كونه خارج دائرة الانتماء المباشرة لعناوين أحزاب السلطة، يجب أن يكون بداية لتحرير هذا المنصب هيمنة الإقطاعيات السياسية. فالسياسي هو من يحول التحدي إلى فرصة. لكن المشكلة أن هذه الفرصة تأتي في بيئة معقدة جدا، وتحتاج إلى جهود استثنائية وحلول غير تقليدية تكون قادرة على تحقيق التوزان بين ثلاث أطراف متقاطعة؛ أولها ممانعة الكتل السياسية لأي سياسات إصلاحية تعيد الاعتبار لهيبة الدولة، وثانيها الجمهور الذي يتطلع إلى أن تكون له الأولوية في رسم السياسات العامة، أما ثالثها رؤية وبرنامج الفريق الحكومي لإدارة الدولة وفق الإمكانيات والموارد المتاحة.

ما كان لهذا أن يحدث من غير حركة الاحتجاجات التي فرضت إرادة التغيير، حتى وإن كان جزيئا، على الطبقة السياسية التي باتت مهددة ما بين التضحية بجزء من مكاسبها أو خسارتها كليا

وتبقى الأزمة الحقيقة التي تواجه العراق هي عجز الطبقة السياسية عن تقديم نموذج القائد الذي يسعى إلى إحداث تغيير حقيقي في نمط إدارة الدولة، ويكون قادرا على مغادرة نموذج الزعيم السياسي الذي يبحث عن ترسيخ نفوذه من خلال البقاء بالسلطة بمنطق الصفقات والتوافقات وليس وفق مبدأ شرعية المنجز.

مهمة الكاظمي في تغيير نظرة الجمهور إلى الحكومة، التي قد تكون صعبة جدا لكنها ليست مستحيلة، بأن يكون هذا النظام ممثلا لمصالحها وليس لمصلحة الزعمات المهيمنة على القرار السياسي. لكنها تحتاج بالدرجة الأولى إلى التماهي مع التطلعات الشعبية والسعي لكسب ثقة الجمهور بتحقيق المنجز الاقتصادي والخدمي.

إذن، يحتاج النظام السياسي العراقي إلى فتح الجرح وتنظيفه، بدلا من جرعة الأفيون التي تكون عبارة عن سياسات ترقيعية تزيد التوتر في العلاقة بين المجتمع والدولة بدلا من تجاوزها. 

ومن ثم، كسر دائرة الاحتكار السياسي لا تعني نهاية هيمنة الطبقة السياسية المسؤولة عن الفشل والفساد، بل قد تكون البداية نحو تقليص نفوذ بعض الزعامات التي هيمنت على الدولة ومواردها، من خلال الاستئثار بالمناصب العليا فيها. وما كان لهذا أن يحدث من غير حركة الاحتجاجات التي فرضت إرادة التغيير، حتى وإن كان جزيئا، على الطبقة السياسية التي باتت مهددة ما بين التضحية بجزء من مكاسبها أو خسارتها كليا.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.