A statue of the ancient Greek philosopher Socrates stands in front of a Greek flag in Athens on June 27, 2015. Greece hurtled…
تمثال الفيلسوف سقراط في أثينا

تقدم لنا ميتات بعض كبار الفلاسفة في التاريخ أمثولات جديرة بالتأمل خلال ظروف العصر الراهنة التي نعيشها، لأنهم عانوا من الاستبداد السياسي، وعوملوا معاملة ظالمة نتيجة استقلال رأيهم ورفضهم الانصياع إلى الحاكم. 

أول أمثولة هي الميتة المفجعة للفيلسوف الرائد سقراط، الذي يعتبر الأب الروحي للفلاسفة اليونانيين جميعا. لم يؤلف سقراط أي كتاب، لكن إسهاماته الرائدة في دراسة الأخلاق والتربية انتقلت للأجيال اللاحقة عن طريق تلميذيه أفلاطون وزينوفون، كما خلد ذكره مؤلف المسرح الكوميدي الشهير أرسطوفانيس. 

يذكر التاريخ محاكمة سقراط الجائرة وتوجيه تهمتين له، إحداهما إفساده عقول الشباب، والثانية الزندقة وعدم إيمانه بالآلهة الوثنية التي كان يعبدها الإغريق في ذلك العصر، فأدين وحكم عليه بالإعدام. اشتهرت محاكمة سقراط في التاريخ، وضرب فيها المثل. 

يقال إن سقراط رفض أن يرشي مريدوه وتلامذته الحراس ليتيحوا له الهرب، إيمانا منه أن الفيلسوف يجب ألا يخاف الموت. تم إعدام سقراط بإجباره على تجرع كأس السم، وأرغمه الجلاد على المشي حتى تخدرت ساقاه وعجز عن الوقوف. نخزه الجلاد في ساقه، فلم يشعر بشيء. مات سقراط موتا بطيئا وقد غطى وجهه تماما، ربما ليحجب عن نظره صورة أولئك الذين قتلوه دون ذنب. يروى أنه بالرغم من أن تلميذه النجيب أفلاطون لم يحضر إعدامه، إلا أنه كتب عقب وفاة معلمه العزيز سقراط قائلا: "كل الفلسفة تمرين على الموت".

لا يستطيع الحاكم المستبد عبر التاريخ هضم فكرة تمجيد أي شخص سواه

الضحية الثانية بين ضحايا الاستبداد هي أفلاطون. ألف أفلاطون عديدا من الكتب في الحقبة الكلاسيكية، وأسس "الأكاديمية"، التي تعلم فيها أرسطو الفلسفة والعلوم والمنطق. شغف أفلاطون بالسفر منذ مطلع شبابه، فلم يعد إلى أثينا إلا وقد بلغ 40 سنة. في مطلع حياته، لم يمارس أفلاطون السياسة بشكل مباشر، وإن كان يدعو إلى جعل الفلاسفة ملوكا، لأنهم قادرون على قيادة العالم وتغييره إلى الخير. 

خلال رحلاته، انخرط أفلاطون في السياسة في "سيراكيوز"، التي كان يحكمها ديونيسيوس الكبير. هناك، تأثر به صهر ديونيسيوس، المدعو ديون، لكن الحاكم المستبد ديونيسيوس استاء من أفكار أفلاطون وخشي من خطرها على المجتمع، فأمر ببيع أفلاطون في سوق النخاسة. لم ينقذه من ذلك المصير التعس سوى أن اشتراه شخص ميسور الحال ليعتقه تقديرا منه لمكانته الفكرية. 

بعد وفاة ديونيسيوس الكبير، دعاه تلميذه السابق ديون للعودة إلى "سيراكيوز" وتعليم ديونيسيوس الصغير الذي استلم زمام الحكم. عاد أفلاطون ليقيم في تلك المدينة، لكن ـ لسوء حظه ـ أصدر الحاكم قرارا بنفي ديون، فانحسرت مكانة أفلاطون في بلاطه ورغب بالرحيل. لم يأذن الحاكم الفتي لأفلاطون بالرحيل، بل فرض عليه الإقامة الجبرية. بالتالي، مات أفلاطون مقهورا في سريره عن عمر تجاوز 81 سنة بينما كانت صبية تعزف له الناي. هكذا، رحل أفلاطون عن الدنيا دون أن يهنأ في آخر سنوات عمره بالحرية التي حلم بها وكافح من أجلها طويلا.

الفيلسوف الإغريقي الثالث الذي سنروي قصة موته هو أرسطو. تبحر أرسطو في عديد من العلوم والآداب والفنون، وكان أول من نظَّر للمسرح الإغريقي في كتابه "فن الشعر"، وترك ذخرا من الكتابات الفلسفية التي تدرَّس حتى الآن. 

هذا الفيلسوف والعالم واسع الاطلاع، عميق المعرفة، لاقى من الظلم الشيء الكثير، واتهمه بعض رجال الدين بالزندقة والإساءة للدين، فاضطر إلى الفرار من أثينا واللجوء إلى ملاذ آمن في أملاك والدته. قال أرسطو بعد نجاته من الموت في تلميح إلى إعدام سقراط الظالم: "لن أسمح للأثينيين أن يرتكبوا الخطيئة نفسها مرتين ضد الفلسفة". هكذا، قضى أواخر سني حياته لاجئا، منفيا، محروما من الاحتكاك بالمجتمع الذي كرس حياته وفكره لخدمته.

ننتقل زمنيا من عصر الإغريق إلى عصر الرومان، فنجد قصة مقتل الفيلسوفة هيباتيا، عالمة الفلك وعبقرية الرياضيات، التي أجادت التعليم ونشر أفكارها العلمية في حركة تنوير جادة، لكنها تعرضت إلى الاغتيال في شوارع الإسكندرية من قبل حشد من الرعاع المتعصبين دينيا بدوافع يجمع المؤرخون على كونها نتيجة تحريض سياسي خفي ضدها وضد أفكارها التحررية. 

كانت هيباتيا شابة ذات حسن فائق، وحضور أخاذ، تتمتع بموهبة فذة في الخطابة والتأثير على الجماهير، بحيث نالت شهرة واسعة. لذلك، تم التخطيط لاغتيالها بشكل بشع وشديد العنف نفذه متطرفون مسيحيون في شوارع الإسكندرية. عرى الغوغاء الفيلسوفة هيباتيا من ثيابها، رجموها بالحجارة، مزقوا أوصالها وجروا أشلاءها مقطعة عبر الشوارع إلى خارج المدينة دون أن يوقفهم عن ارتكاب جريمتهم النكراء أحد، أو يتعرضوا للمحاسبة جواء ما اقترفوا، أو تحدد هوياتهم من قبل الطبقة السياسية الحاكمة آنذاك، التي غضت الطرف عنهم وعن تلك الجريمة الشنعاء تماما. 

أنتج فيلم سينمائي جيد عن مصرع هيباتيا تحت عنوان (Agora 2009) أخرجه أليخاندرو أمينابار ولعبت بطولته راشيل وايز، ننصح بمشاهدته.

يشكل مصرع الحلاج أمثولة رهيبة عن الاستبداد. كان الحسين بن منصور الحلاج أحد كبار الفلاسفة والأدباء الذين اضطهدوا دون ذنب، فحوكموا وأعدموا بصورة مرعبة. أسيء تفسير المقولات الصوفية التي نطق بها الحلاج نتيجة نزعته الصوفية، فاتهم بالإلحاد وادعاء الربوبية، واعتقل خلال عهد وزارة علي بن عيسى، الذي أوصل خبره إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله، فأمر بمحاكمته وسجنه في داره. لكن عندما لوحظ تأثيره على بعض أتباعه، الذين أصغوا إليه وقاموا بترفيهه، أمر الخليفة بإعدامه صلبا. 

يعتقد الحاكم المستبد أنه الجدير بأن تقام التماثيل له، أن ترسم اللوحات، أن تكتب القصائد وتنشد الأغاني، لكن التاريخ له رأي آخر

هكذا، تم بتر يدي ورجلي الحلاج وهو حي يرزق، وأحرق جسده بالنار، ثم علق رأسه المقطوع على عمود. كتب الشاعر المصري صلاح عبد الصبور مسرحية شعرية رائعة عن فيلسوف الصوفية الشهيد أسماها "مأساة الحلاج"، وهي تعتبر من أروع التراجيديات المسرحية العربية.

آخر أمثولة نود ذكرها عن ميتات الفلاسفة هو مصرع الجاحظ، صاحب كتاب "البخلاء". ولد الجاحظ في البصرة خلال العهد العباسي، وعاش فقيرا معدما، دميما جاحظ العينين، لكنه اشتهر ببلاغته وعلمه الواسع، فضلا عن ميله إلى الهزل والتهكم. أتقن اللغة الفارسية إلى جانب العربية، واطلع جيدا على ثقافات اليونان والهند. قرأ القرآن في سن مبكرة، وعرف عنه أنه كان يقرأ أكثر من كتاب في اليوم الواحد. أسس منهج البحث العلمي العقلاني القائم على المحاججة بين الشك واليقين. عاش الجاحظ أكثر من 90 عاما، لكن موته جاء عبثيا للغاية، إذ سقط عليه رف من كتبته العامرة، فدفن تحت كتبه.

لا شك أن هناك عشرات النماذج الأخرى لدى مختلف الأمم. توجد قصص عن مصرع فلاسفة ومبدعين قضوا ظلما رغم كل عطاءاتهم الإنسانية، ولم يلاقوا في شيخوختهم التقدير المستحق والتكريم اللائق. 

لا يستطيع الحاكم المستبد عبر التاريخ هضم فكرة تمجيد أي شخص سواه. إنه يرغب في أن ينسى الناس إنجازات المفكرين والمبدعين كافة، فلا تذكر إلا إنجازاته ومكرماته هو وحده. 

لذلك، يعتقد أنه الجدير بأن تقام التماثيل له، أن ترسم اللوحات، أن تكتب القصائد وتنشد الأغاني، لكن التاريخ له رأي آخر. مهما تكبر المستبد وتجبر، تبقى إنجازات الفلاسفة والمبدعين حية في ذاكرة الأجيال، بينما يحكم على أفعال الساسة عبر التاريخ حسب الخير الذي جلبوه لشعوبهم بحملهم أمانة الحكم بنزاهة وبعد عن المصالح الشخصية، فإن هم قصروا في ذلك، ستطاردهم اللعنة حتى بعد الممات.
 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.