People eat their Iftar meal provided by a group of volunteers in a damaged neighbourhood, amid fear for the coronavirus disease…
إفطار جماعي في أحد أحياء بلدة الأتارب المدمرة في إدلب

أغلب الظن، لم يقرأ رئيس النظام السوري بشار الأسد سيرة الأباطرة الرومان، بالذات منهم تيبيريوس ونجلي أخيه كاليغولا وكلوديوس، الذين خلفوا الإمبراطور أوغسطس. هؤلاء الأباطرة الثلاثة، حكموا على التوالي فترات حُكم قصيرة نسبيا. كانت عهودهم أزمنة اضطرابات سياسية وضعف عسكري وهشاشة اقتصادية بالغة، حتى أن الخزينة العامة في أزمنتهم كانت تخلوا تماما في الكثير من المرات، بعد عهد الرفاهية والانتصارات العسكرية "المجيدة" في زمن الحكم الطويل للإمبراطور أوغسطس. لكن الميزة الأبرز لعصر هؤلاء، كانت المباشرة بعرف واستراتيجية سياسية/اقتصادية مختلقة، سُميت "محاكمات الخيانة".

كانت "محاكمات الخيانة" في سنوات حكمهم، بمثابة إنقاذ اقتصادي وسياسي بالنسبة لهؤلاء الأباطرة، حصوصا تلك التي جرت ضد أعضاء مجلس الشيوخ وكبار التجار والأثرياء من سكان حاضرة روما، حينما كانت تُصادر ثرواتهم الطائلة، وتُسحب منهم كل حقوقهم المدنية. فتلك المحاكمات التي جرت طوال عقدين كاملين، بالذات خلال السنوات الأربعة "المجنونة" لحكم الإمبراطور المراهق كاليغولا، كانت تُنفذ دون أي سبب وجيه، وبحق الطبقة النافذة التي كانت حول الإمبراطور الذي سبقه، وتتقصد في المحصلة أن تدر على الخزينة العامة أموالا طائلة، تُرصد لأمرين فحسب، تجهيز جيوش الغزو الرومانية، وتشييد قصور الفخامة وصروح الرفاهية للأباطرة وعائلاتهم.

مقابل ذلك، يبدو أن الأسد على دراية واطلاع تام على ما يفعله ديكتاتور كوريا الشمالية الحالي كيم جونغ أون، الذي يُصدر مئات الآلاف من أفراد العمالة الكورية الشمالية إلى دول الجوار، بعد أن يحتجز عائلاتهم. يُجبر هؤلاء المساكين على العمل لسنوات طويلة في تلك البلدان، في أخطر الأعمال وأكثرها مهانة، مثل تقطيع الأشجار في غابات سيبيريا الروسية، أو تفتيت الجبال الصخرية في الصين. 

الملايين من السوريين كانوا متروكين لأقدارهم البائسة، دون أي تدخل أو مساهمة من الدولة وأدواتها

لكن أفراد عائلاتهم لا يحصلون إلا على عُشر رواتبهم المالية، بينما تذهب الأغلبية المطلقة من العوائد إلى مكتب خاص، يسمى المكتب 39 السري، المرتبط مباشرة بالديكتاتور الكوري، والتي تُقدر قيمتها حسب بعض التقارير بحوالي ملياري دولار سنويا، ينفقها ذلك المكتب على المشاريع والبرامج العسكرية والأمنية الخاصة وغير المُعلنة، وطبعا على رفاهية الديكتاتور والحلقة المصغرة المحيطة به.

في كل تفصيل من التوجهات السياسية والاقتصادية لرئيس النظام السوري، خصوصا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ثمة ما هو مركب من ذلك السلوكين السياسي والاقتصادي. إذ ثمة ما يشبه الغريزة السياسية للشموليات التي تتشابه، منذ عصر كاليغولا إلى زمن كيم، تقود إلى انتهاج مثل تلك الاستراتيجيات، بالذات في لحظات الشعور بالضعف وعدم القدرة على توفير الموارد الكافية، بالذات لترسانة الأجهزة القمعية ونمط حياة الرفاهية التي ينعم بها الديكتاتور.

في تفكيره السلطوي، يعتقد الأسد بأنه يستطيع الجمع بين التوجهين، لتأمين مستلزمات سلطته من الأموال. فالسوريون بالنسبة له، خصوصا قرابة الخمسة عشر مليونا من المهاجرين والمنفيين، الذين هم من أنشط وأكثر الجاليات انخراطا في شبكات الأعمال، وفوق ذلك مرتبطون وجدانيا واجتماعيا، وحتى اقتصاديا، ببلدهم وهويتهم "الوطنية"، لأن هجرتهم حديثة، ويعيشون بأغلبيتهم في بلدان لا تستطيع أن تؤمن لهم ديمومة بقاء وهوية بديلة عن بلدهم، لذا لا يحطمون أواصرهم مع البلد الأم، سوريا.

يعتقد الأسد بأن هؤلاء ثروة اقتصادية صافية، ثلاثية الأبعاد. فالمؤسسات السلطوية المرتبطة بالأسد، تحديدا وزارة الدفاع عبر شعبة التجنيد العامة، ووزارتا الداخلية والخارجية، تتمكن بسلاسة من استنزاف قرابة خُمس العوائد المالية السنوية لمجموع الخمسة عشر مليون سوري. 

الأسدية تستقطع نسبة وفيرة من مُرسلات السوريين لذويهم في الداخل، من خلال تسليمها بالعملة المحلية، وبالسعر الرسمي، الذي هو أقل من نصف السعر الفعلي للعملة

فجميع الذكور البالغين مضطرون لدفع أكثر من سبعة آلاف دولار، لإعفائهم من الخدمة الإلزامية، هذا المبلغ الذي يساوي راهنا الراتب الشهري لموظف عام في الأجهزة الأسدية لأكثر من عشرة أعوام. كذلك فإنهم مُضطرون، لأسباب تتعلق ببيروقراطية الإقامة في دول لجوئهم ومنافيهم، للخضوع لابتزاز مؤسسات الأسد، التي حينما تستخرج لهم أوراق ومعاملات ثبوتية، إنما تتجار بحاجاتهم بكل قسوة.

استخراج جواز السفر السوري في الخارج مثلا، هو الأغلى ثمنا على مستوى العالم، مع أنه الأقل عُمرا، وفوق ذلك لا يمكن السفر به لأية دولة، لكنه استخراجه شرط مطلق للحصول على الإقامة في المهاجر والمنافي.

كذلك فإن الأسدية تستقطع نسبة وفيرة من مُرسلات السوريين لذويهم في الداخل، من خلال تسليمها بالعملة المحلية، وبالسعر الرسمي، الذي هو أقل من نصف السعر الفعلي للعملة. فوق ذلك، فإن المهجرين يقدمون تغطية مالية تامة للقاعدة الأوسع من المقيمين الباقين من السوريين في بلادهم، العاطلين عن العمل، والذين هم خارج أي اهتمام أو تفكير من قبل الدولة، والمضطرون لدفع أتوات مخزية لأجهزة السيطرة الأسدية.

النصف المكمل من الاستراتيجية الأسدية يعتمد على شفط الثروات التي راكمتها دوائر القرابة والمحسوبية المحيطة بالأسد، تلك التي استنزفت واستملكت ثروة البلاد خلال السنوات الماضية، عبر شراكتها وعلاقتها الخاصة مع الأسد. هذا الأخير الذي بقي على الدوام مؤمنا بأن الثروات التي بحوزة هؤلاء إنما هي بمثابة "استيداع الأمانة" فحسب. فالأسد في عرف نفسه، هو المالك الفعلي والوحيد لهذه الثروات المنهوبة، وأنه وزعها على عدد من المحيطين به بحكم الضرورة البيروقراطية ليس إلا، وأنها يجب أن تُستعاد وقت الحاجة.

♦♦♦

كل تفصيل من ذلك، كان عاملا تأسيسيا ومركزيا في السلطة الأسدية، ومنذ سنواتها الأولى. فالشراكة التقليدية التي عقدها الأسد الأب مع الطبقة التجارية المدينية، كانت بمثابة ترك متبادل بين الطرفين، يُعفى الأسد بموجبها من أية واجبات اقتصادية تجاه المجتمع السوري، مقابل عدم متابعته لسياسات التأميم التي كانت ينتهجها أسلافه. 

كانت تلك الشراكة التي استمرت لعقود، قد دفعت فعليا لأن يعيش قرابة نصف السوريين في اقتصاد الظل، في أعمال "غير شرعية" وخاضعة على الدوام لمراقبة ومعاقبة أجهزة الأمن الأسدية، مثل التهريب والمؤسسات غير المرخصة والتشييد في مناطق المشاع.

العشوائيات التي غطت نصف المدن السورية الكبرى، كانت تعبيرا واضحا عن ذلك السلوك السياسي ـ الاقتصادي الأرعن، فالملايين من السوريين كانوا متروكين لأقدارهم البائسة، دون أي تدخل أو مساهمة من الدولة وأدواتها. 

الأسدية الاقتصادية، منذ سنواتها الأولى، كانت تشيد بالتقادم، أركان صرح الاقتصاد السلطوي غير المعلن

كانوا يُستخدمون كأدوات طيعة في أجهزة الأسد العسكرية والأمنية، أو يُدفعون للهجرة كعمالة رخيصة في دول الجوار. فالفارق بين أعداد السوريين الخارجين من البلاد والداخلين إليها كانت دوما لصالح الأولى، حتى أنها وصلت في العام 2008 إلى قرابة المليون، حسب مكتب الإحصاء المركزي السوري. 

الأغلبية المطلقة من هؤلاء كانوا من أبناء طبقة العمالة السورية في لبنان والعراق ودول الخليج العربي، الذين كانوا أقرب لنماذج السخرة التقليدية، وشكلها الكوري الشمالي "الحديث".

كذلك، فإن الأسدية الاقتصادية، منذ سنواتها الأولى، كانت تشيد بالتقادم، أركان صرح الاقتصاد السلطوي غير المعلن. فمن الأموال الخليجية الضخمة التي حصل عليها النظام السوري أوائل السبعينيات، ولم يعلن عنها قط، إلى عوائد المستخرجات النفطية التي قال عنها مسؤول بعثي جملة شهيرة "هي في أيد أمينة"، مرورا بالصفقات الغامضة التي كان ينسجها النظام السوري مع الأنظمة والشركات العالمية، كان ثمة بين أيادي النظام السوري كتلة مالية ضخمة للغاية، وعلى الدوام، تتجاوز في بعض مراتها كامل جحم الاقتصاد السوري المعلن. 

كانت تلك الكتلة المالية غير المرئية والمعلنة، تستخدمها الأسدية لإدارة شؤون أجهزتها القمعية، وتصرفها على حيوات أعضائها المترفين بشكل أسطوري، وتعيد استثمارها وتضخيمها، لتمتن من أسس سلطويتها.

♦♦♦

كل تلك التفاصيل تفتح الباب أمام ثلاثة أسئلة ضخمة وواجبة عن علاقة هذا النظام بالمسألة الاقتصادية والمالية راهنا.

يذهب الأول لتفنيد أية أوهام حول إمكانية اهتزاز أركان السلطة الأسدية جراء العوامل الاقتصادية، بما في ذلك العقوبات الدولية، التي هي مجرد أداة لحفظ ماء الوجه لتلك القوة الدولية، التي لا تفعل شيئا لردع الوحشية الأسدية. فالنظام السياسي الذي تحطمت عملته الوطنية لتصبح فقط بقيمة 3 في المئة مما كانت عليه قبل أقل من عقد، ولم يتوجس من ذلك قط، لا يمكن لأية عقوبات أو تدهور اقتصادي أن يمسه. فهو يملك أدوات وديناميكيات أكثر متانة وبراعة من ذلك، وغير مبال مطلقا بما قد يطال ملايين البؤساء من السوريين.

استخراج جواز السفر السوري في الخارج مثلا، هو الأغلى ثمنا على مستوى العالم، مع أنه الأقل عُمرا

المسألة الأخرى تتعلق بخطابات "إعادة الإعمار"، التي تشبه في رنينها الأخاذ شعارات المقاومة والممانعة. فهذه الشأن غير وارد مطلقا في تفكير وحسابات الأسد، الذي يهتم بتشكيل شبكات السيطرة الأمنية والعسكرية على المناطق المحطمة، أكثر من أي أمر آخر، وأن تكون عوائد أعضاء تلك الشبكات الأمنية من خلال هيمنتهم على البيئات الاجتماعية المحطمة، عبر فرض أشكال من الأتاوات على تلك البيئات الاجتماعية، بحكم قوة التحكم الرعناء على تفاصيل حياتهم، بما في ذلك التحكم بشبكات المياه والكهرباء، التي صارت تحت سيطرة هذه القوى الأمنية.

أخيرا، فإن قضايا الخلافات الاقتصادية ضمن الحلقة الأسدية، بما في ذلك العائلة، إنما هي صراع في منطقة ما فوق الحزام. فأية أوهام بأن تلك الصراعات يمكن أن تفرز أي مساهمات سياسية أو قيمة أخلاقية، هو مجرد هباء. فالأسد وشبكة الفاسدين المحيطين به، أو الذين كانوا وانشقوا في لحظة ما، إنما متطابقون سياسيا وقيميا، لا يمكن التعويل على أية فروقات فيما بينهم. الشاهد الأكبر على ذلك هو عشرات المنشقين الأثرياء، من أبناء الجيل الثاني من الحلقة التي كانت محيطة بالأسد الأب، هؤلاء الذين يتصرفون ويفرزون توجهات سياسية واقتصادية وقيمية أسدية تماما، ولو أنها تبدو معارضة، لكن المنطق واحد.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.